اعتراف من واقع الاستقدام

غالبًا لا أحبّذ الخوض في أمور شخصية تمسّني امتثالاً لمهنية الكتابة واحتراماً للقرّاء الأعزّاء، لكن لطالما أن الأمر يرتبط بمصلحة عامة فلن أتردد في ذلك البتة بل وقد أذكر أمورا لم أكن أود التطرّق إليها. فمن خلال عملي كرئيس لإحدى شركات الاستقدام بالمملكة والتي رخّصت لها وزارة العمل قبل ٥ سنوات تقريباً (شركة مساهمة مقفلة برأس مال قدره ١٠٠ مليون ريال) أكاد أجزم أن أحد أسباب نجاحنا الرئيسية هي ما يحدث من تضييق فيما يتعلق بتأشيرات العمل لمنشآت القطاع الخاص بشكل عام وللمنشآت الصغيرة والمتوسطة بشكل خاص، وهذا لا ينكر بلا شك العمل الاحترافي المؤسسي الذي قمنا ونقوم به مع زملائي في القطاع لإنجاح تلك الشركات وتلك التجربة بمعيّة قيادات وزارة العمل، إضافة لإيماني المطلق بالقيمة المُضافة لهذه الشركات في سوق العمل، لكن إذا كان نجاح أمر يُبنى على فشل أمر آخر فهذا باعتقادي فشل مغلّف بنجاح.

فعندما تحتاج منشآت القطاع الخاص وأخص بالذكر المنشآت الصغيرة والمتوسطة تأشيرة عمل واحدة لمهنة لا يمكن لسعودي أو سعودية شغلها، فهي تضطر للانتظار فترة ٣-٦ أشهر وهي بوجهة نظري فترة قاصمة لظهر تلك المنشآت الصغيرة والمتوسطة نظراً لمحدودية رأس المال وأعباء المصاريف الإدارية والعمومية كونهم لا يكترثون لطاقات أو نطاقات بقدر ما يكترثون لموعد دفع رواتب موظفيهم أو إيجار مواقعهم، وبما أننا ذكرنا أنه لا يجب أن يكون نجاح أمر على حساب فشل أمر آخر، فحلول البطالة وتوفير فرص عمل للمواطنين والمواطنات أمر إستراتيجي في غاية الأهمية لكن لا يجب أن يتقاطع أو أن يكون على حساب ديمومة المنشآت الصغيرة والمتوسطة بل يجب التعامل معهما بحياد تام وعلى خطٍ واحد وأن يكونا (عينين برأس) كون كليهما يحتاج الدعم وكليهما يحتاجه اقتصادنا، فكلاهما نحتاجه ويحتاجنا ولا يجب أن نغذّي طرفا على حساب طرف آخر، فأزمة البطالة لن تنتهي إلا بأمرين لا ثالث لهما، وهما: خلق فرص عمل جديدة وإحلال تدريجي ممنهج، فيما تعتبر المنشآت الصغيرة والمتوسطة والتي تشكّل ٩٧٪‏ من عدد منشآت القطاع الخاص بالمملكة لم تحقق إلى الآن ما يجب تحقيقه من مساهمة بالناتج المحلي فهي تساهم الآن بما يقارب ٣٥٪‏ بينما تشير المعدلات العالمية إلى أن ترتفع تلك المساهمة إلى ٥٠٪‏ وهذا ما شدّد عليه برنامج التحوّل الوطني وذكرته شخصياً بعدة مقالات وأسهبت به بمقالة (ما فرص المنشات الصغيرة والمتوسطة في رؤية ٢٠٣٠؟) والمنشورة في أكتوبر ٢٠١٦م.

كم هي جميلة المبادرة التي أعلن عنها معالي وزير التجارة والإستثمار ماجد القصبي والتي تتيح عند تأسيس أي منشأة وفِي خطوة إلكترونية واحدة فقط إصدار السجل التجاري والتسجيل في وزارة العمل وإصدار شهادة انتساب الغرفة التجارية أيضاً وإصدار اشتراك هيئة الزكاة والدخل وكذلك التسجيل في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، ولكن الأجمل من ذلك أيضاً أن يتم منح عدد معيّن من التأشيرات لكل منشأة جديدة أو متوسعة شريطة ربط تلك التأشيرات بعدد محدود من المهن والتي لا يمكن للسعوديين أو السعوديات شغلها وبما لا يتعارض مع توجهات التوطين وحلول البطالة، وبخلاف ذلك فلا نحزن عند مغادرة بعض الاستثمارات لخارج الديار، ولا نستغرب عند توجّه الكثيرين للاستثمار بسوق العقار أو سوق الأسهم ولا ننخدع بالزخم الكبير للمنشآت الصغيرة والمتوسطة التي دخلت السوق موخراً لأنها قد تكون على حساب منشآت أخرى خرجت منه قسراً كون لا يوجد لدينا مؤشرات توضح حجم turnover لهذه المنشآت لأن نضج المنشآت واستقرارها أمر أكثر أهمية من دخول منشآت جديدة متأرجحة فالمسألة كيف وليس كما.

الحقيقة هي أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة ليست أفضل خيار للباحثين والباحثات عن العمل على الأقل في هذه المرحلة، وفِي ذات الوقت أغلب تأشيرات العمل التي تحتاجها تلك المنشآت لا يمكن للسعوديين أو السعوديات شغلها، فالأمر هنا واضح إذاً. قبل بضعة أشهر كنت في رحلة عمل لاستقطاب بعض الشراكات الفنية من دولتين إحداهما في شرق آسيا والأخرى دولة عربية أفريقية واتفق كلاهما على نفس الردود تقريباً وترددوا كثيراً بالدخول في السوق السعودي وكان مبررهم الوحيد بلا منازع إجراءات الحصول على تأشيرات العمل وأكرر هنا (خاصة للمهن التي لا يشغلها السعوديون والسعوديات) وأثناء عودتي من تلك الرحلة تبادر لذهني سؤال مهم: منذ متى تتردد شركات تلك الدول في الدخول في السوق السعودي؟ سؤال يبحث عن إجابة.

بندر السفير يونيو 15, 2017, 3 ص