التحكيم المؤسَّسي

أدى التطور الكبير الذي تشهده حركة التجارة الدوليَّة والاستثمار في العصر الحديث إلى ذيوع وانتشار التحكيم وتزايد أهميَّته عن ذي قبل، وأصبح من أنجع الوسائل التي يتمُّ اللجوء إليها لتسوية المنازعات، ونظراً لتشعب واتساع إطار المعاملات التجاريَّة فقد تعدَّدت أنواع التحكيم إلى تحكيم اختياري وتحكيم إجباري وتحكيم مؤسَّسي.

أمَّا التحكيم المؤسَّسي أو النظامي، فهو التحكيم الذي تتولاه منظَّمة أو مركز كهيئات ومنظمات أو مراكز التحكيم الدائمة التي انتشرت في الآونة الأخيرة، بحيث يتمُّ فضُّ وتسوية المنازعات وفقاً لقواعد وإجراءات موضوعة ومحدَّدة سلفاً.

ففي هذا النوع من التحكيم تقوم مؤسَّسة التحكيم بتنظيم إجراءات التحكيم وتقديم الخدمات المساندة لأطراف النزاع، وتبقى الغاية من ذلك هي تسهيل العملية التحكيميَّة وتيسيرها على النحو الأمثل للأطراف المتنازعة وضبطها بطريقة أصوليَّة ومؤسساتيَّة. وتختلف مؤسسات التحكيم من حيث مستوى الخدمات التي تقدمها.

وقد أقرَّت بعض الاتفاقيَّات الدوليَّة التحكيمَ المؤسسي كنوعٍ من أنواع التحكيم، ومن ذلك اتفاقية نيويورك بشأن تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبيَّة لعام 1958م، حيث نصَّت الفقرة الثانية من المادة الأولى منها على أنَّه: «ويقصد بأحكام المحكّمين ليس فقط الأحكام الصادرة من محكّمين للفصل في حالات محدَّدة، بل أيضاً الأحكام الصادرة من هيئات تحكيمٍ دائمةٍ يحتكم إليها الأطراف».

وقد لاقى التحكيم المؤسَّسي انتشاراً كبيراً في الآونة الأخيرة بسبب العولمة الاقتصادية التي فتحت الأبواب مشرعة نحو التحرُّر من القيود، وإزالة المعوِّقات التشريعيَّة والتنظيميَّة، التي كانت تحول دون تحرُّر السلع والمنتجات، وتقديم الخدمات وجعلت العالم بمثابة سوق عالميَّة واحدة، تندمج فيها حقول التجارة والاستثمار ضمن أطر رأسماليَّة حريَّة الأسواق.

ونتيجة لذلك أصبح التحكيم المؤسَّسي أحد الأسس التي تدخل في إطار التجارة الدوليَّة، ويعزى السبب في ذلك لما يتميَّز به من سهولة ويسر، إذ أنَّ الأطراف المتنازعة غالباً ما تفضل الاستعانة بهذا النوع من التحكيم فيما يقع بينها من منازعات، لأنَّ المنظَّمات أو الهيئات القائمة على التحكيم المؤسسي تكون لديها قوائم بالمحكمين من أصحاب الخبرات المتراكمة، ممَّا يساعد أطراف النزاع على اختيار المحكّم الملائم، علاوة على أنَّ لديها لوائح تنظيم عمليَّة لإجراءات التحكيم التي تتسم بالسهولة وعدم التكلفة، كطلب التحكيم والردِّ عليه، وتشكيل هيئة التحكيم، وردِّ المحكّم، وبعض القواعد الخاصة بإجراءات التحكيم، وهذا الأمر يمكِّن الأطراف من تفادي طول الوقت الذي يستغرقه الاتفاق على مثل هذه القواعد الإجرائيَّة، إلى جانب الإمكانات الإداريَّة والتنفيذيَّة الأخرى التي تضعها مراكز وهيئات التحكيم بين يدي الأطراف.

وقد واكبت المملكة العربية السعودية التطورات التي تشهدها الساحة الدوليَّة ولم تتخلَّف عنها، واتجهت نحو التحكيم المؤسسي، وقد ظهر ذلك جليّاً في ما تضمَّنه نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/‏34) وتاريخ 24 /‏5 /‏1433هـ، حيث نصَّت المادة (3) من هذا النظام على أنَّه: «يكون التحكيم دوليًا في حكم هذا النظام إذا كان موضوعه نزاعًا يتعلَّق بالتجارة الدوليَّة وذلك في الأحوال الآتية: 3/‏ إذا اتفق طرفا التحكيم على اللجوء إلى منظمة، أو هيئة تحكيم دائمة، أو مركز للتحكيم يوجد مقرُّه خارج المملكة».

كما ظهر ذلك جلياً أيضاً في صدور قرار مجلس الوزراء بإنشاء مركز للتحكيم التجاري باسم: «المركز السعودي للتحكيم التجاري» للإشراف على إجراءات التحكيم الخاصة بالمنازعات المدنيَّة والتجاريَّة.

وقد تمَّ على إثر ذلك إنشاء المركز السعودي للتحكيم التجاري تلبية لمتطلبات تنمية الأعمال التجاريَّة وحلِّ النزاعات التي تنشأ في هذا الخصوص، والإسهام في استقطاب الاستثمارات الأجنبية، مما يساعد على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والتجاري من خلال تسهيل إجراءات الفصل في المنازعات التجارية التي تتطلَّب السرعة، لأنَّ البطء في الإجراءات سيؤدي بلا شك إلى وقوع أضرارٍ من شأنها التأثير سلباً على الحركة التجاريَّة والاستثماريَّة.

ولهذا فإنَّ المركز السعودي للتحكيم التجاري جاء ليعمل على إرساء دعائم الطمأنينة لكبرى الشركات متعدِّدة الجنسيَّات التي ترغب في اللجوء إلى التحكيم عند نشوب أيَّة منازعات، حتى يتسنَّى لها حماية مصالحها التجارية واستثماراتها، لأنَّ التحكيم المؤسسي أصبح الآن هو التحكيم المفضَّل لدى الكثير من الشركات بصفة خاصة، ولدى الدول السائرة نحو النهضة الاقتصاديَّة بصفة عامة، وهذا ما يفسِّر تضمينه في الكثير من العقود الدولية والمحلية على حدِّ سواء.

ومن ثم، فإنّ المركز السعودي للتحكيم التجاري سيمنح الأطراف الضمانات اللازمة التي تحثُّهم وتشجِّعهم على اختيار هذا النوع دون غيره من أنواع التحكيم، وذلك من حيث اختيار القواعد الإجرائيَّة، أو اقتباس شرط التحكيم الذي تتمُّ صياغته وإدراجه في عقودهم، أو الاسترشاد به لصياغة شرط تحكيم في العقد، إذا رغبوا في تسوية ما يقع بينهم من منازعات عن طريقه.

كما أنَّه يقدِّم قائمة للمحكمين من ذوي الكفاءات العالية في كافة الأنشطة والمجالات، يتم اختيارهم وفق ضوابط ومعايير دقيقة، حتى يكونوا مؤهَّلين بدرجة عالية للقيام بالمهام الموكلة إليهم عند إسناد مهمة التحكيم إليهم. إلى جانب إيلاء مهمَّة تدريب محكّمين جدد عناية خاصة لتأهيلهم وإعدادهم على النحو الأمثل.

د. سعود العماري مايو 18, 2017, 3 ص