احرصوا على «الفتافيت»

الأجانب «أكلونا»... «الأجانب هُم اللي لاقينها».... «الأجانب...والأجانب...» كل هذه عبارات يتم تداولها في محيط سوق العمل السعودي أو في أي لقاء جانبي يضم أطياف المجتمع السعودي المختلفة، بينما في حقيقة الأمر أن أغلب هؤلاء الأجانب إن لم يكن كلهم قد دخلوا بلادنا بشكل نظامي وبطلب منا وبموافقتنا كذلك بل ودفعنا لهم مقابل دخولهم، وأيضا مكناهم من العمل في وظائف أو في مجالات نحن من اختارها لهم وإضافة إلى ذلك فرطنا في فرص أعمال تجارية استغلوها أمثل استغلال وهذا هو الهدف من هذه المقالة. في عام ٢٠١٦م فقط حول الأجانب لبلدانهم ١٥٢ مليار ريال مما يعني ١٣ مليار ريال كل شهر وهذا يساوي ٤٢٢ مليون ريال يوميا، أي ١٤ مليون ريال في كل ساعة! نعم ١٤ مليون ريال يحولها الأجانب في كل ساعة تمر علينا، علما بأن أغلب تلك المبالغ هي مبالغ مستحقة لهم ومحولة بشكل نظامي ولا تشمل أي مبالغ محولة يجنيها الأجانب من التستر ولا تشمل أيضا المبالغ التي يصرفها الأجانب داخل المملكة.

ولو أمعنا النظر في تلك المبالغ وتأملنا مصادرها بخلاف الوظائف التقليدية، لوجدنا أنها ليست نِتاج مشاريع نووية بل هي نتيجة مشاريع أبسط مما نتخيلها بل وننظر لها بمثابة «فتافيت»، والفتافيت هي كلمة باللغة العربية تعني: ما تساقط من الشيء بعد المبالغة في تكسيره ودقه إلى قطع متناهية الصغر، رغم أن تلك الفتافيت هي التي أوصلت تلك الأرقام للخانات الإثني عشر، وإذا كنتُ جيدا في الحساب فإن المليون ريال سنويا يمكن الوصول له بتحقيق مبيعات يومية قدرها ٢، ٧٧٧ ريال فقط! ليس ذلك فحسب بل إن المليارات من أرباح شركات الاتصالات تتحقق من خلال فواتير لمكالمات هاتفية تبلغ تعرفتها هللات فقط، وهذا أمر واضح عند مراجعتنا لفواتير هواتفنا المحمولة والتأكد من أن آلاف الريالات التي ندفعها سنويا ليست سوى هللات تتراكم كل لحظة وكل ساعة وكل يوم، بينما يُصر «بعض» شبابنا على الركض وراء الصفقات الخرافية، فنجدهم لا يسعون مثلا إلا في بيع أراضٍ مساحاتها مئات الآلاف من الأمتار، ولا يتوسطون إلا في المشاريع المليارية، وهو أمر حميد وطموح جيد يجب استهدافه لكن من المفترض قبل ذلك أن نحسب كم من السنوات نحتاج لتحقيق صفقة واحدة فقط من تلك الصفقات المليارية وما هي احتمالية تحقيقها، لأن الأيام تمضي وسنين العمر لا تنتظر، بينما غيرنا يراكم «فتافيت» من خيراتنا بشكل يومي ليصنع منها «كيكة» كبيرة.

لذا فهذه دعوة لكل شبابنا للنظر للأمور بواقعية ومنطق أكثر والبحث وتقصي كل تجارة يستهدفها الأجانب في بلادنا، والابتعاد عن القصص الأفلاطونية والوقوف على الأرض، فمصباح علاء الدين لن يضيء في طريق الجميع فجأة، و«شنطة» علي بابا لن ترتمي بين أحضان الجميع فجأة، ولو عدنا لقصص نجاح أغلب رجال الأعمال السعوديين أو غير السعوديين وخاصة العصاميين منهم، سنكتشف أنها بُنيت على مراحل ولم تكن فجأة، فهم بدأوا صغارا وكبروا ولم يُولدوا كبارا فلماذا يُصر البعض على تغيير هذه الفطرة! وأنا هنا لا أتحدث عن فرص عمل وظيفية بقدر ما أتحدث فرص تجارية من الممكن أن تجعل من كل باحث عمل «صاحب عمل».

كل تركز اقتصادي (احتكار) يستهدفه الأجانب هو بمثابة دليل استثماري لكل منا، وكل عملية تسترك هي فرصة لا يجب التفريط بها، وخاصة إذا كانت أرباحها قليلة ولكن دائمة وثابتة، إن صح حديث (قليل دائم خير من كثير منقطع)، فتأملوا ماذا يحدث في البقالات الصغيرة، وانظروا كم يحقق أصحاب ورش تصليح وصيانة السيارات، وتعلموا مما يُحاك في مبيعات الجملة وكذلك مقاولات الصيانة والتشغيل الصغيرة وغيرها من الفرص التي لم أنتبه لها، كون مشاريع كهذه لا تتطلب رؤوس أموال ضخمة بينما في ذات الوقت تدر إيرادات ثابتة وإن كانت قليلة، حينها سنصل لأرقام لم نكن نحلم بها. الطموح أمر جيد لكنه لا يتحقق إلا من خلال واقع عملي، والأحلام أمر جميل لكنها تبقى خيالا يحتاج لترجمة على أرض الواقع، يقول ليوناردو دافينشي «الزمن الذي نلهو به يلهو بِنا». دمتم بخير.

بندر السفير إبريل 27, 2017, 3 ص