التصحر والهروب

من منا لا يعرف التصحر أو على الأقل لم يسمع به، ومن منا لم ير الصحراء أو يطأ ذلك التراب الأصفر المتغير الحرارة حسب الأجواء المحيطة به، ولكن هل منا من عرف التصحر في المشاعر أو على الأقل عاشر متصحري المشاعر. يعيشون بيننا في كل مكان ويكاد عددهم يبلغ الآفاق نظرا لابتعادهم الكبير عن الأخلاق الإسلامية والتي تنادي دوما وأبدا بالبعد عن التصحر في التعامل واستحضار الرفق والرحمة في جميع المجالات حتى في الألفاظ، ولكن هيهات لبعض البشر البعد عن تصحرهم والذي أصبح متأصلا في جنبات أجسادهم حتى أيقنوا أنه لابد منه.

الصحراء ما ان تتلقى المطر حتى تهتز وتربو وتخرج خيراتها بأمر من الله سبحانه وتعالى وحين يتغير اللون الأصفر للون الأخضر الجميل يتهافت الناس عليه ليسكنوه، فتسكن أرواحهم لسعة المساحات وامتداد النظر، وما ان يتغير هذا اللون حتى يصبح المكان بلا قيمة فيُهجر ويُترك حتى يعود لما كان عليه من جمال وقتي. وهاهو الحال مع متصحري المشاعر والذين تهتز مشاعرهم لعارض معين فتتغير صحراء مشاعرهم إلى جميل الطبائع والتي ما تلبث أن تعود لسابقتها بعد زوال هذا العارض بفترة مما يجعل من حولهم يعودون لهجرهم وتركهم من جديد. ولكن هذه الصحراء إن تم الاهتمام بها وتعهدها بالماء ظلت على جمالها الدائم وظل روادها في الإقدام عليها وكذلك الطبائع إن ظل تعهدها بحسن التعامل ورد الإساءة بالحسنة والتحمل سيكون التغير من التصحر إلى نقيضه ولو بعد فترة طويلة ولكنه سيتغير لأن الطبائع ليست موروثة بل هي مكتسبة.

تصحر المشاعر ليس أقل خطرا من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وإن كان القتل ينهي الحياة مرة واحدة فإن التصحر يقتله آلاف المرات لينتهي به الأمر ككائن متصحر جراء المعاملة التي سُقيت له. هل تعتقدون أن حسن الخلق والتعامل بين الزوجين سيغني كل منهما عن اللجوء لأي أمر خارجي، هل تعتقدون أنه لو وجد حسن التعامل للأبناء سيضطرون للهروب للغير للبحث عن الحب أو اللجوء للمسكر والمخدرات للهروب من تصحر الاهل، هل تعتقدون أن حسن التعامل للعمالة سيحد من ظاهرة هروبهم، إن كنتم تعتقدون هذا الأمر بل وتعرفونه فلماذا التصحر في التعامل وأنتم تعلمون أن (الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نُزع من شيء إلا شانه)، أزيلوا تصحر مشاعركم وأحسنوا اختيار اللفظ والتعامل، ابتسموا لأبنائكم، احتضنوهم، صلوا أرحامكم، احسنوا لجيرانكم، سامحوا، اجعلوا صحراء حياتكم خضراء مزدانة بألوان الزهور تهدونها لكل من تحبون وسترون الفرق في تغير حياتكم وحياة من حولكم، لا تلوموا الزمن والجيل فالزمن واحد والجيل واحد لم يتغير وما تغير هو أنتم ومشاعركم التي تصحرت وأصبحت تبحث عن كل شيء يسعدها من المال وحب الدنيا إلا (حسن الخلق والتعامل) وهو أصل السعادة وزوال التصحر.

هند المسند إبريل 21, 2017, 3 ص