فئات المستشرفين والمدّعين وإخوانهم

توجد على هوامش أصحاب الفعل في المجتمعات فئات زائدة؛ لا فائدة فيها، ولا صدق نوايا، ولا حسن طوية. وليست مقادير الضرر الناتج عن وجودهم وتأثيرهم السلبي مقتصرة على تمتعهم بتلك الصفات الذميمة فحسب؛ بل يمتد إيذاؤهم إلى بناء شبكة من الفكر الهلامي، الذي لا ينتمي إلى أي مرجعية فعلية، ولا يدري أصحابه ما الذي يهذون به. وفي هذه الشبكة يقع كثير من ذوي الوعي المتدني، والذين لا يدركون الأشياء إلا من عناوينها، ولا يمحصون أنواع السلوك ومدى اتساقها مع الفكر المرتبط بها، أو دواعي تبنيه لدى بعض دعاة النقاء والطهورية ومدعي المعرفة الشمولية.

هنا تبدو الأمور أكثر خطورة، خاصة عندما يكون المنتمون إلى تلك الفئات من بعض المهن، التي يمثل ممارسوها قدوة لغيرهم في طرق التفكير والسلوك، كالمعلمين وموجهي الثقافة الشعبية في مناحي الحياة المختلفة. فتصبح تلك الأفكار مقترنة بنماذج حية لها تأثيرها في المجموعات المحيطة بتلك الشخصيات المحورية؛ وهذا الاقتران لا يستطيع في الغالب كثير من العامة التفريق فيه بين الفكرة وقائلها، أو بين المنطق الذي تحمله والأسلوب الديماغوجي أحيانا لدفع الناس إليها دون مراعاة ظروفهم وحاجاتهم.

ففي بعض حالات تماوج التيارات الفكرية المختلفة في المجتمع يأتي أناس هامشيون وطفيليون؛ لا ينتمون إلي أي تيار، ولا يملكون فكرا مستقلا، ليعيشوا في ظل التيار المتغلب، أو ليصطفوا مع أصحاب الأصوات العالية، ليس عن اقتناع بمبادئهم أو التعاطف مع حججهم؛ بل لأنهم وصوليون وفارغون، ويبحثون عن أقصر الطرق لتحقيق مصالحهم الذاتية. ومثل هؤلاء الطفيليين أصبح يُطلق عليهم في الآونة الأخيرة مصطلح «المستشرفين»، فهم يرومون الشرف بأفواههم ادعاء، من أجل أن تظنهم العامة كذلك. ويوجد منهم أناس في كثير من المهن، وفي مختلف الأعمار؛ كما تنتشر الظاهرة أيضا لدى الجنسين على حد سواء. ولن أسمي أمثلة لذلك، فالقراء المتابعون يعرفون أماكن تواجدهم، مثلما يشيرون إليهم في بعض الأحيان بأعيانهم.

أما الظاهرة الأخرى التي لا تقل عن الأولى خطورة، فهي تلك المتعلقة بأناس يسعون إلى التعالم، وادعاء الإحاطة بما يتحدثون عنه، ومعرفة كل من تناول ذلك الموضوع في شتى المجالات. فنجد مثل هؤلاء المتعالمين يعممون علمهم الضئيل بما جرى من عرض ودرس وتمحيص للموضوعات التي هم بصدد الحديث عنها، ليطلقوا الأحكام الشمولية، بأن هذه الفكرة لم يتناولها أحد من قبل، وأن لا أحد سبق أن تحدث عنها؛ دون أن يضيف حسب علمي، أو وفق ما أتيح لي الاطلاع عليه. وكم شعرت بحسرات عند سماعي أو قراءتي لتصريحات مثل هؤلاء الجهلة، مع يقيني بأني شخصيا أو أحد من أعرفهم أو من قرأت لهم قد تناول تلك الفكرة بإسهاب، وأن عددا من الناس ربما تعرضوا لتلك الموضوعات من قبل. لكن الادعاء العابر هذا يجعل صاحبه في نظر العامة في المجتمعات المتخلفة على وجه الخصوص شيئا عظيما، وهو الأمر الذي يسعى إليه. وفي هذا السياق أعجبتني عبارة سمعتها مرة من أحد الأصحاب يستعرض فيها وضع من جعلتهم العامة في مجتمعنا المحلي رموزا، ويقول: قلّما أجد أحدا منهم يثني على الآخر، أو يذكر شخصا غيره بأسبقية في المجال الذي يتحدث فيه. فالعامة تريد أشخاصا كاريزميين لا يشبههم أحد، ولم يسبقهم أحد!

د. فالح العجمي إبريل 21, 2017, 3 ص