مجرد ظل.. لحظات جمالية تستدعي التأمل

من أعمال حسين دقاس (اليوم)

قراءة: فوزية الصاعدي

تبقى الطبيعة المساحة المفضلة للفنان والفضاء الثقافي المفتوح في ذاكرة مليئة بالحكايات بلحظاتها المتجددة بالتغير الزمني؛ لتشكل مرجعا مهما لإبداعات الفنان حسين دقاس، فتخرج بصيغتها الجديدة والمختصرة في فسحة للاستمتاع بأجواء لونية متدفقة تثير الانتباه، وتستدعي التأمل نرى فيه الطبيعة مشحونة بالخيال بامتدادات لونية داكنة وفاتحة في تجاذب سحري وتحاور جميل بين توهج اللون ونقيضه المعتم، يبث فيه الطمأنينة والراحة ليقتنص لحظة سماها بـ(مجرد ظل)، يقدم فيه معرضه الشخصي الثالث المقام مؤخرا في داما آرت بجدة بتجربة فنية وتقنية عالية يعكس فيها صدى الذكريات في خطاب جمالي مميز..

تشريحات مجهرية: تتميز لوحاته بالحضور الشكلي للطبيعة كسمة غالبة والحضور التعبيري للإنسان، فتتحول الطبيعة في لوحاته إلى مساحة من الحلم والخيال بمعالجات لونية متنوعة أتت في بعضها كنتوءات منتظمة أشبه ما تكون ببراعم مرتبطة بنسيجه الشكلي تستعد للنمو والحياة أو تظهر كأنسجة أو خلايا نباتية تحت المجهر مشغولة بتضاريس توزعت بحسابات دقيقة كأنه يتيح لنا سبر أغوار الطبيعة والنفاذ إلى باطن دراسات جمالية لتشريحات مجهرية، فتخرج عن إطارها التقليدي وتتداخل مع بعضها لتصل لحد الانصهار لتعيش حضورا جديدا تحكي ذكريات مستعادة، يرى تولستوي أن: (الفن نظرة مختلفة حين يستبعد القيم الصورية ويتمسك بقوة الفن على نقل المشاعر).

كون الظل مرتبط بالزمن ويشترط وجود الضوء يرصد الفنان الزمن وتأثيره على الطبيعة التي تنمو وتتبدل بالمرور السريع للزمن بتبادل لوني مقصود بين العتمة والضوء ليمتد (الظل) كلحظات جمالية وجزء من ساعتنا وجزء من حياتنا اليومية، فالظل عند دقاس امتداد زمني لملامح لا تختفي جمالياتها مهما تغير الزمن بل تتوالد وتتغير فنرى مساحات لونية تسيل وتذوب تنبئ بالمتغيرات المحفوفة بالتجديد، فالظل هنا نافذة لحياة جديدة وامتداد لحياة الآخرين عاداتهم وتقاليدهم وخبراتهم الحياتية، وظلاله الممتدة على فضائه البصري التي تتلاشى فيها الطاقة الضوئية ما هي إلا لحظات من الراحة والسكون، يقول الفيلسوف غوته: (حيث النور على أشده.. يزداد الظل عمقا) والطبيعة هي المكان الذي نلتمس فيه الضوء والظلمة. طاقة لونية: تستقبلنا لوحاته بتدفق اللون المفتوح على حنين الذاكرة لإيقاعات الزمن ورائحة الطبيعة المزروعة باختزال على مساحات منسجمة بضربات لونية تعبيرية نراها كمساحات من المعرفة والحدس تتيح للمتلقي أقصى درجات الحرية والتأويل لتلك الامتدادات اللا نهائية لتحقق متعة المشاهدة لكل من يتأملها.

في خطابه الجمالي طاقة لونية لها محمولاتها الفكرية والنفسية وجملة من الأحاسيس النابضة بالحياة بمناخات لونية دافئة وباردة متداخلة تعكس تواصلا مع طبيعة تمردت على المألوف حاضنة لتنوع لوني يحمل الخير والنماء تظللها غيمات ضبابية تبعث الأمل والتفاؤل مانحا البناء الجمالي في لوحاته إيقاعا لونيا متناغما مريحا للعين مفتوحا على الحرية يحتفي بجمال الحياة من حولنا.

قراءة: فوزية الصاعدي إبريل 21, 2017, 3 ص