عوامل عديدة اشتركت في اغتيال هذا الصرح العريق «1-2»

شارع الملك خالد.. شانزليزيه الخبر والشرقية

وسط شارع الملك خالد عند تقاطعه مع التقاطع الأول عام 1968 قبل تغيير اتجاه السير فيه (تصوير: سعيد صلاح)

بقلم د. عبدالله المدني

من يزر شارع الملك خالد في الخبر اليوم فسيجده جثة هامدة لا حراك فيها كالحراك الذي عرف به أيام مجده الذهبي في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات وصولا إلى أوائل التسعينيات حينما بدأ شكله يتغير ولم يعد جاذبا لرواد التسوق والتنزه من الجنسين من مختلف الأطياف.

فعلى من يقع اللوم؟ هل على ملاك أبنيته الذين لم يجددوها لزمن طويل ففعلت عوامل التعرية فيها ما فعلته فصارت كئيبة آيلة للسقوط، أم اللوم يقع على بلدية الخبر التي أهملت أرصفته وطرقاته وتشجيره وإزالة ما تفرع على جوانبه من مناظر ومحلات نافرة، أم أن المُلام هم المواطنون والمتسوقون الذين وجدوا في المولات التجارية الحديثة بديلا أفضل فهجروه، أم أن اللوم يقع على الزمن الذي تغيرت فيه المفاهيم والاذواق والحاجات والاهتمامات فصار الحفاظ على هذا المعلم التجاري الاثير أمرا لا يستدعي أدنى اكتراث؟

في اعتقادي أن كل العوامل السابقة اشتركت في اغتيال هذا الصرح الذي له في قلوب أبناء الخبر مكانة سامية يذكرهم بزمن جميل لن يتكرر، وبأوقات تنزه وترويح حلوة، فكانت النتيجة تحول ما كان يسمى يوما «شانزليزيه الخبر والمنطقة الشرقية» في عقود القرن الماضي، وتحديدا منذ عقده الخامس، إلى مجرد شارع عادي لا يختلف عن أي شارع في أي مدينة سعودية.

ومع بعض التجاوز يمكن أن نشبه ما وصل إليه حال شارع الملك خالد بما حدث لشارع الحمراء في بيروت الذي كان في يوم من الأيام أجمل شوارع منطقة الشرق الأوسط قاطبة، جمالا وأناقة واكتظاظا بالسياح والمتسوقين والمشاهير من كل أنحاء الدنيا فانقلب حاله اليوم إلى ما لا يسر الناظر.

ومثلما لا يعرف الجيل اللبناني الحالي عن ماضي شارعه البيروتي الأشهر والاجمل، فإن الأجيال الجديدة في الخبر وعموم المنطقة الشرقية لا تعرف الكثير عن شارع الملك خالد وتاريخه وتحولاته وأسباب شهرته وتجاره وبضائعه ومحلاته الأنيقة وأصحاب مبانيه. لذا ارتأينا أنْ نستعيد ذكريات الأيام الخوالي المحفورة في الوجدان لهذا الشارع العريق، ونقدم لهم، من خلال هذا البحث، ما خفي عنهم.

البداية كانت في منتصف الخمسينيات تقريبا حينما انتهى السادة صدقة وسراج كعكي من بناء عماراتهم الحديثة على جانبي الشارع، وخصصوا أدوارها الأرضية للمحال التجارية، وأدوارها الثانية أو الثالثة للسكن مع ترك ممرات فسيحة تفصل بين تلك المباني. ثم كرت السبحة فظهرت مبان مماثلة وأحيانا أكبر مساحة وعلوا، من أملاك الشيخ سعود الدغيثر والشيخ عبدالرحمن سرور الصبان وغيرهما.

وقتها حاول أصحاب هذه المباني بذل المستحيل لإقناع تجار شارع الملك سعود الذي كان محور النشاط التجاري، وكان ملاصقا آنذاك لساحل البحر، بالانتقال إلى المحلات الحديثة في شارع خالد، وكان من ضمن ما قدموه من اغراءات الإعفاء من دفع الإيجار لمدة معينة. وهكذا وافق البعض على العرض، خصوصا وأن بلدية الخبر بالتعاون مع شركة أرامكو كانت قد انتهت من سفلتة شوارع المدينة بعد تخطيط شوارعها تخطيطا عصريا مستوحى من تخطيط مدينة نيويورك، حيث تسير الشوارع متوازية في استقامة واحدة من الجنوب إلى الشمال مع تقاطعات مستقيمة ومتوازية أيضا من الشرق في اتجاه الغرب. غير أن القليل من تجار شارع الملك سعود تمسك بموقعه وآثر الانتظار فخسر كثيرا، بل ودفع مبالغ خيالية لاحقا في صورة «خلو رجل» من أجل الاستحواذ على محل صغير في شارع الملك خالد.

في عقد الخمسينيات بدأت المتاجر الحديثة تظهر تباعا على جانبي الشارع بفترينات أنيقة وبضائع غير مسبوقة من كل لون وصنف، وصارت مقصدا للمتسوقين من كل الجنسيات، ولاسيما الأمريكان العاملون في شركة أرامكو سواء في الظهران أو بقيق أو رأس تنورة، خصوصا وأن أرامكو تعمدت تحويل الخبر من بلدة ساحلية محدودة المساحة والإمكانيات إلى مدينة مزدهرة قريبة من مقرها الرئيسي في الظهران كي توفر كافة الخدمات التي تحتاجها ويحتاج اليها موظفوها الأجانب وعائلاتهم مثل خدمات التسوق والمصارف والخياطة والحلاقة والخرازة وإصلاح الأجهزة المعطوبة وغيرها.

في وصف الشارع، الذي حمل بداية اسم «شارع الأمير خالد» قبل أن يتغير إلى «شارع الملك خالد» ابتداء من 24 أبريل 1975 أي بُعيد تولي المغفور له الملك خالد بن عبدالعزيز مقاليد الحكم نقول: هو شارع بعرض عشرة أمتار تقريبا وطول 2.5 كيلومتر تقريبا، يبدأ جنوبا من شارع الظهران، الفاصل بين الخبر الجنوبية والخبر الشمالية، ويسير باستقامة واحدة إلى أن ينتهي شمالا عند شارع البيبسي كولا في التقاطع الثامن والعشرين، ويتخلله 28 تقاطعا مستقيما ابتداء من التقاطع صفر. يحد الشارع من الغرب شارع الأمير محمد الموازي له ومن الشرق شارع الأمير ناصر الموازي له أيضا. وعلى جانبيه تصطف مئات المحلات التجارية المتلاصقة، لكنها تقل تدريجيا كلما اتجهنا شمالا لصالح الورش (مثل ورشة خشيم وحلبي ومخرطة محسن المهندس وأولاده) والمدارس (مثل مدرسة الخبر الأولى) ومنازل الأثرياء (مثل منزل الوجيه حمد بن أحمد القصيبي واخوانه) والمعامل (مثل معمل تعبئة مرطبات السوبر كولا والكندادراي)، ومعارض السيارات (مثل معارض العيسى وكلاء سيارات شفروليه وهولدن وصن بيم)، ومحطات الوقود (مثل محطة الدوسري). هذا علما بأنه في البدايات وحتى مطلع السبعينيات كانت هناك ضمن مباني الشارع فراغات بين المحلات لتسهيل حركة المتسوقين والمشاة لكنها سرعان ما أغلقت ببناء محلات إضافية كنتيجة لازدياد الطلب من قبل التجار على إيجاد موقع قدم تجاري لهم في الشارع.

تلك الفراغات استخدمت في الماضي كأماكن لمقاه شعبية كانت توصل لأصحاب المحلات وضيوفهم برادات الشاي أو برادات القهوة بالحليب، كما كانت تقدم لرواد الشارع التعميرة الحجازية والمرطبات والسندويشات وأطباق الفول الحجازي/‏ الحضرمي ذات المذاق المميز. من أشهر هذه المقاهي، التي كان معظمها مملوكا للأشقاء الحضارم، «مقهى بورسعيد» في الخمسينيات والستينيات الذي تمدد من خلف مباني الشارع إلى واجهته وكان مكانا لتجمع الناس للاستماع للراديو في زمن لم يكن فيه كل الناس يملكون جهاز مذياع خاصا بهم. اضافة إلى هذا المقهى كان هناك «مقهى الشجرة» ومن بعده مباشرة «مقهى كوكب الشرق» بين التقاطعين الثالث والرابع.

الجدير بالذكر أن شارع الملك خالد كان يطل عليه أيضا أول ثلاثة فنادق تأسست في المدينة وهي بحسب تاريخ ظهورها: «فندق النقادي»، الذي تحول لاحقا إلى متجر الوجيه البحريني المرحوم عبدالله علي خاجة ذي الأدوار المتعددة لبيع البضائع الأمريكية الفاخرة من ألبسة رجالية وساعات وكاميرات وحقائب، ثم استـُخدم موقعا لـ «سوبرماركت بلوكي» لصاحبه سيد رسول الهاشمي وأخيه سيد سليمان من مواطني دبي، و«فندق النصر» الذي كان مكونا من ثلاثة أدوار ذات مساحات متوسطة، و«فندق الجابر» الذي ظل قائما إلى أن تم هدمه في أواخر الثمانينيات.

كما كان يطل على الشارع في الخمسينيات «معهد الثقافة العربي» لصاحبه الشيخ عبدالعزيز الحصان، وهو أول معهد أهلي تأسس بالمنطقة الشرقية في عام 1959 للتدريس المسائي، ومحو الأمية، ومساعدة المواطنين على إجادة مهارات مسك الدفاتر والمحاسبة والكتابة على الآلة الطابعة وغيرها من العلوم التي كانت مطلوبة وقتذاك للحصول على وظائف في البنوك الناشئة، علما بأن المعهد المذكور كان يحتل الدور العلوي من مبنى من دورين واقع بين التقاطعين الثالث والرابع.

أما فيما يتعلق بالمحال التجارية الواقعة على جانبي الشارع، فسوف نكتفي في الحلقة القادمة بسرد أسماء المتاجر المؤسسة، دون التطرق إلى تلك التي ظهرت في فترة ما بعد التأسيس.

■■ أكاديمي بحريني متخصص في العلاقات الدولية ومهتم بالتأريخ الاجتماعي

image 0

عمارة الدغيثر في الشارع كما يظهر إلى اليسار الجزء الذي كان يشغله البنك الأهلي (من أرشيف مجلة قافلة الزيت)

image 1

الشارع في السبعينيات من التقاطع صفر وتبدو إلى اليمين وكالة ستاتكو للسفر والسياحة (تصوير: عبدالله المدني)

image 2

صورة للأقواس التي أقيمت في شارع الملك خالد في عام 1965 ترحيبا بمقدم الملك فيصل

image 3

وسط الشارع في جزئه الواقع بين التقاطعين الثاني والثالث وتظهر إلى اليمين مكاتب الخطوط السعودية وفي مقابلها مقر البنك الأهلي

بقلم د. عبدالله المدني مارس 24, 2017, 3 ص