«حساب المواطن» هل من مزيد؟

بعد 132 يوما من تاريخ هذا المقال وبالتحديد في يوم 1 يوليو 2017م الموافق 7 شوّال 1438هـ سيتم البدء برفع أسعار الطاقة، التي تشمل الوقود والماء والكهرباء بالمملكة العربية السعودية، وبالتأكيد ستتضرّر فئات مختلفة من أفراد وأُسر المجتمع السعودي، خاصة ذوي الدخل المتوسط والمحدود بسبب ارتفاع تلك المصروفات وربطها بالمعدّلات العالمية، ولحماية هذه الفئات من تلك العواقب تم إنشاء برنامج حساب المواطن، الذي أعتبره فكرة رائعة وأشدّد هنا على كلمة (فكرة) لأن الأروع من ذلك أن يتم تطبيق تلك الفكرة بالشكل النموذجي، الذي يكفل وصول الدعم المناسب لكل شرائح المجتمع المستهدفة، كون أمر رفع أسعار السلع والخدمات أمرا مهما وواردا في كل دول العالم، ولكن الأهم من ذلك هو دعم الفئات ذات الدخول المتوسطة والمحدودة والأكثر عُرضة للانكشاف المالي والعجوزات، التي قد تُفرز لنا إشكالات أمنية واقتصادية واجتماعية جمّة نحن في غِنى عنها. ورغم اطلاعي البسيط على تفاصيل هذا البرنامج الحيوي ومحاولتي استقراء ما قد يتمخّض عنه إلا أنني لم أنجح بوضع تصوّر لصيغة الدعم وآلياته وفئاته المستهدفة بسبب الغموض، الذي يكتنف هذا البرنامج، ولا أظن حتى القائمين عليه يملكون تلك الإجابات، لأن الأهداف في تغيير مستمّر والفئات المستهدفة وبرامج الدعم لم تحدّد بعد حتى أصبح هذا الأمر حديث الشارع وموضع استغراب البعض وتندّر البعض الآخر وتهكّم آخرين، وكم أتمنى أن يتدارك القائمون على هذا البرنامج ذلك مبكراً، وأن يتم توضيح معالم هذا البرنامج ومدخلاته ومخرجاته بشكل يشرح للمواطن البسيط الكيف والكم الذي سيعمل به هذا البرنامج، وأن يتم عمل محاكاة Simulation لكل فرد وأُسرة لتوضيح طريقة عمل هذا البرنامج وأوجه ومبالغ الدعم لكل الشرائح المستهدفة والآليات، التي يمكن من خلالها ترشيد استهلاك الطاقة؛ لأن ذلك هو المغزى الحقيقي لهذا البرنامج، كون اللغط الحاصل الآن قد يغيّر اتجاه بوصلة البرنامج مما يُضعف تفاعل المواطنين معه فيخفت نجمه وتنحسر كفاءته وجدواه.

ولكن السؤال المهم في هذا التوقيت الأهم: هل الأفراد أو الأسر ذوو الدخول المتوسطة والمحدودة هم الفئة المتضررة الوحيدة جرّاء رفع الأسعار؟ أم هنالك فئات أخرى متضررة يجب أن نتداركها؟ ولا أعني بالتأكيد هنا ذوي المداخيل المرتفعة أو الأثرياء ولا ألمّح للمنشآت الكبيرة والعملاقة، فهم فئات لديهم الملاءة المالية لتغطية تلك الأسعار من خلال احتياطيات وأرباح مبقاة تراكمت عبر السنين «اللهم زد وبارك»، بل أعتقد أن هنالك فئة متضررة أيضاً من رفع الأسعار لم ننتبه لها إضافة للأفراد والأسر ذوي الدخل المتوسط والمحدود، وهي فئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي لا تختلف عن الأفراد والأسر ذوي الدخل المتوسط والمحدود من حيث الملاءة المالية «نسبة وتناسب»، فالمنشآت الصغيرة والمتوسطة تصارع أمورا عدة منذ نشأتها وتواجه بعض الإجراءات الحكومية، التي قد توئدها مبكراً، خاصة فيما يتعلق بتراخيص البلديات وإصدار تأشيرات العمل، إضافة إلى أن تلك المنشآت لا تتمتّع بطبيعة أنشطة وحجم أعمال تغذّيها بهوامش ربح مجزية، لذا إن لم نأخذ ذلك بعين الاعتبار فقد نخسر شريحة كبيرة من تلك المنشآت، التي نحن في أمسّ الحاجة إليها لزيادة المساهمة في الناتج المحلي كما نصّت عليه رؤية 2030. وعليه فإن إهمال هذا الأمر سيحدث صدعاً في جدار إيرادات الدولة غير النفطية، التي نعوّل عليه كثيراً للتخلّص من متلازمة النفط الاقتصادية، ليس ذلك فحسب بل إن بإغلاق أبواب تلك المنشآت سيعود مُلّاكها وموظفوها لصفوف الباحثين عن عمل، وبالتالي ستعود حلول البطالة لمربّعها الأول. يقول توماس أديسون: دائماً هناك طريقة أفضل، لذا أقترح أن يتم إدراج برنامج موازٍ لبرنامج حساب المواطن، يسمّى مثلاً حساب المنشآت الصغيرة والمتوسطة ويتم من خلاله دعمها فيما يتعلّق بأسعار الطاقة بعد تصنيف تلك المنشآت بناء على طبيعة أنشطتها وحجم مبيعاتها وأرباحها والملاءة المالية لملّاكها وحجم الضرر، الذي قد يُحدثه ارتفاع أسعار الطاقة عليها. الخلاصة: المنشآت الصغيرة والمتوسطة تحتاج إلينا اليوم ونحتاج إليها غداً.

بندر السفير فبراير 16, 2017, 3 ص