دورة حياة

قبل أكثر من 15 سنة لم يكن بمخيلة أي منا أننا سنأكل الكعك بأكواب صغيرة أو ما يعرف بالكب كيك Cup Cake، ولكنها حصدت شعبية جارفة وخلال أشهر قليلة فقط مدعومة بتسابق وتهافت الكثير من رواد الأعمال وخاصة الإناث منهم على الاستثمار في هذا المنتج بشكل أفقي لبعضهم أو بشكل عمودي كثيف للبعض الآخر؛ لتلبية الطلب غير الطبيعي والمفاجئ لمتذوقي الكب كيك آنذاك، لأن الأمر في ظاهره كان مغريا من الناحية الاستثمارية، وبالتالي انتشرت المتاجر التي تقدم الكب كيك في كل حدب وصوب، ولم نكن نرى أو نسمع فيما يتعلق بالحلويات أو المخبوزات في تلك الفترة سوى الكب كيك،ولكن السؤال الأهم أين كل ذلك الصخب الآن؟ وأين هي الآن من خارطة رغبات العملاء؟ وأين ذهبت كل تلك الاستثمارات؟ بل إن أغلب تلك الاستثمارات إما أن تكون قد تلاشت، أو تغير نشاطها بسبب التغير السريع غير المتوقع في توجهات المستهلكين، وهذا ما تؤكده دورة الحياة الاقتصادية Life Cycle لهذا النوع من المنتجات والتي انطلقت به من القاع بسرعة الصاروخ وصولا للقمة وبذات السرعة عادت به للقاع مرة أخرى مخادعة بذلك كل التوجهات الاستثمارية الكثيفة.

وقبل أكثر من عشر سنوات أيضا لم تكن وجبة (السوشي) Sushi اليابانية الشهيرة والمكونة من «أرز» معروفة لدى كثير من سكان المملكة العربية السعودية، بل كانت المسألة محصورة لفئة معينة فقط من الأسر الذين تعرفوا على هذه الوجبة من خلال سفرهم المتكرر لخارج المملكة، بينما أصبحنا نلاحظ خلال السنوات الثلاث الماضية كثافة لمطاعم السوشي في كافة مدن المملكة الرئيسية على أقل تقدير وذلك بدعم من ذات العملاء الذين دعموا الكب كيك مسبقا وتخلوا عنه فجأة، فوجبة السوشي أغرت المستثمرين من جديد قبل بضع سنوات وتوغل بها الكثيرون منهم وضخ بعضهم استثمارات كبيرة، بينما في مفهوم دورة الحياة الاقتصادية ومن وجهة نظر شخصية أعتقد أن الاستثمار في هذا المنتج تجاوز القمة وهو في طريقه للقاع وقد تتضرر بعض استثمارات هذا المنتج المبالغ فيها.

وقبل بضع سنوات استقبلنا بكل ترحاب ما يعرف بالفوندو (وهو تغطيس أو إذابة بعض المخبوزات أو الفواكه بالشوكولاته الساخنة) بنفس الحفاوة والكرم الذي استقبلنا به الكب كيك وكذلك السوشي وبنفس ما سنستقبل به منتجات أخرى مستقبلا، حتى وصل الفوندو لقمة دورة حياته الاقتصادية سريعا مما اعتبره البعض أمرا مغريا للاستثمار وبغزارة وهو ما أخالفه جملة وتفصيلا؛ نظرا لقصر دورة الحياة الاقتصادية لمثل هذه المنتجات الخاضعة وبشكل كبير لسلوك المستهلكين والذي يصعب التنبؤ به مما يعتبر أحد أكبر التحديات، لذا ومن خلال تلك الأمثلة عبر التاريخ يجب التعامل بطريقة خاصة مع هذا النوع من الفرص الاستثمارية واستخدام الأدوات الاستثمارية المناسبة لاستغلال تلك الفرص أفضل استغلال.

وإذا ما أردنا وصف الوضع الحالي فإننا نتحدث عن قطاع التغذية والمتمثل في المطاعم والمقاهي بالتحديد هو أحد وسائل الترفيه بالمملكة العربية السعودية فالأمور هنا قد تخرج عن السيطرة في بعض الأحيان وقد تنافي المنطق في أحيان أخرى، فتجد أن الإقبال الرهيب على بعض «الموضات» الغذائية يولد الكثير من الظواهر السلبية مما يتسبب في نهاية مبكرة لكثير من البدايات الطموحة، حيث نتسابق كسعوديين وسعوديات بشكل يشكك في حجم النعم التي رزقنا الله إياها على تلك «الصرعات» الغذائية والحرص على التقاط الصور معها وكأننا مودعون لها كما قال أحد الحكماء، فتتراكم طوابير الانتظار وتخرج الأمور عن السيطرة وتنخفض مستويات الخدمة بسبب الإقبال الذي دائما ما يفوق التوقعات والذي تعززه ثقافة المجتمع الإندفاعية تجاه كل ما هو جديد وهو أمر دارج في كثير من المجتمعات، فلا يجد حينها المستثمرون أو المستثمرات حلا لهذه المعضلة «المغرية» سوى الاستثمار بشكل عمودي وافتتاح اسطول من الفروع الأخرى لتلبية الطلب الرهيب وخدمة هؤلاء العملاء رغم أن تكلفة التشغيل ومصاريف التأسيس لهذا النوع من الأنشطة تعتبر مرتفعة جدا مقارنة بغيرها، كما أن حجم العمليات معقد وليس بالهين، فينخدع هؤلاء المستثمرون والمستثمرات بهذه الطلبات قصيرة الأجل وبهذا الاندفاع المؤقت والذي تعززه دورة حياة هذه «الصرعات» الغذائية المدعومة بثقافة المجتمع، وبعد ٣-٥ سنوات كحد أقصى تتشبع الزبائن من هذه «الصرعة» الغذائية وتظهر «صرعة» أخرى بشكل طبيعي، تبدأ حينها جموع الزبائن بالانسحاب تدريجيا تاركة وراءها سلسلة من المتاجر الخاوية ذات التكلفة التشغيلية الباهظة التي تُحرج أي مستثمر أو مستثمرة وتضغط عليهم لخفض الكثير من المصاريف الإدارية والمالية العمومية كالرواتب والإيجارات بسبب انحسار المبيعات، عندها سينعت البعض تلك المشاريع بالفاشلة بينما هي ليست كذلك، بل إن طريقة تعاملنا معها لم تكن مثالية من الناحية الاقتصادية.

وإذا ما أردنا إيجاد حل لذلك نظرا لجاذبية هذا النوع من الفرص الاستثمارية، حيث تصلنا العديد من الاستفسارات وخاصة من شباب وشابات الأعمال عن أفضل الطرق للتعامل مع هذا النوع من الفرص الاستثمارية مع الأخذ بالاعتبار دورة حياتها الاقتصادية القصيرة، فمن الناحية التجارية توجد عدة أدوات للتعامل مع وضع كهذا، لكن أفضل تلك الأدوات هي «موازنة الأسعار» ومراجعتها بشكل دوري كما هو حاصل مع مؤسسة النقد عند مراجعتها لأسعار الفائدة بشكل دوري وربطها بالتضخم، حيث إن رفع أسعار تلك المنتجات بشكل طردي دون توسع أو استثمار مبالغ فيه خاصة مع انطلاق دورة حياتها الاقتصادية حتى وصولها للقمة يضمن دخلا أعلى دون أعباء إدارية ومالية عمومية تُذكر، وبعدها يتم خفض الأسعار تدريجيا مع نزول مؤشر دورة الحياة الاقتصادية لتلك المنتجات من القمة للقاع للمحافظة على حجم الطلب، وبالتالي لن تصطدم تلك المشاريع بعد انتهاء دورة أي منتج بمصاريف إدارية ضخمة نتيجة انحسار الإيرادات ولن تضطر في هذه الحالة لتسريح موظفين أو إغلاق فروع، بل وفي ذات الوقت ستكون قد حصدت إيرادات جيدة مدعومة بموازنة الأسعار كما هو موضح بالرسم البياني المرفق.

بندر السفير يناير 19, 2017, 3 ص