دور هيئة المقاولين في حماية قطاع التشييد والبناء

يعد قطاع التشييد والبناء من اكثر القطاعات الاقتصادية التي تعتمد على الانفاق الحكومي مقارنة بغيره من القطاعات الاخرى التي قد تتأثر بشكل غير مباشر من حجم النفقات في الميزانية العامة. ويندرج ضمن قطاع التشييد والبناء 18 شركة مساهمة عامة تتداول اسهمها في السوق المالية بالإضافة الى شركات اخرى يختلف حجم نشاطها التشغيلي واغلبها قد يندرج ضمن المنشآت الصغيرة أو المتوسطة. وتتعدد الانشطة التي يشملها قطاع التشييد والبناء فمنها نشاط توريد وانتاج مواد البناء ونشاط صناعة الجبس والخرسانة الجاهزة ونشاط صناعة الانابيب ونشاط المقاولات والصيانة والتشغيل ونشاط صناعة الاسمنت بالرغم من تصنيفه كقطاع مستقل من هيئة السوق المالية.

وقد واجه قطاع التشييد والبناء عدة عقبات خصوصا في نشاط المقاولات حيث شهدت بعض المشاريع الخدمية والتنموية التابعة لجهات حكومية تعثرا نتيجة عدة عوامل من اهمها توقف التدفقات النقدية لارتباطها بإجراءات لم تكن مناسبة لبعض المقاولين الفرعيين والذين يطلق عليهم مجازا بمقاولي الباطن.

فمثلا قد يواجه بعض مقاولي الباطن تأخر سداد مستحقاتهم من المقاول الرئيسي للمشروع نتيجة ضغوط مالية يواجهها المقاول الرئيسي، خصوصا في حالة اعتماد المقاول الرئيسي على التسهيلات الائتمانية لتمويل نشاطه التشغيلي حيث ان ذلك يقترن بربط استلام مستحقات المقاول الرئيسي من الجهة الحكومية بحساب مصرفي، وعندها يقوم المصرف بموجب اتفاقية التسهيلات الائتمانية بخصم قيمة المستحقات المالية المودعة في حساب المقاول الرئيسي لتحصيل قيمة التزامات المقاول الرئيسي المصرفية. ولا يتبقى من قيمة المستخلصات المالية المودعة في حساب المقاول الرئيسي إلا جزء يسير قد يغطي احيانا بعض المطالبات المالية لمقاولي الباطن.

وقد يتساءل البعض عما آلت اليه مبالغ التسهيلات الائتمانية وعن احتمالية ذهاب جزء منها لتمويل نفقات مقاولي الباطن، والاجابة عن ذلك انها مسألة واردة وهي بطبيعة الحال السيناريو الذي من المفترض ان يقوم به المقاول الرئيسي ولكن قد يشهد بعض المقاولين ضغوطا مالية تدفعهم لتأجيل صرف مستحقات مقاولي الباطن.

وقد حاول نظام المنافسات والمشتريات الحكومية تدارك هذه الحالة من خلال الفقرة ج من المادة 53 والتي تنص على انه يجوز للجهة الحكومية سحب العمل من المقاول الرئيسي وفسخ العقد إذا تعاقد لتنفيذه من الباطن دون إذن خطي مسبق من الجهة الحكومية. كما اشارت الفقرة ج من نفس المادة الى جواز تعميد طرف ثالث لتنفيذ العمل على حساب المقاول الرئيسي. وقد تضمنت المادة الرابعة من الشروط العامة لنموذج عقد الاشغال العامة نصا مطابقا للفقرة ج من المادة 53 من ذات النظام.

ومن الممكن ان نلمس من سياق نص الفقرة ج من المادة 53 وجود سلطة تقديرية لدى الجهة الحكومية في تعميد مقاول الباطن لذلك العمل المسحوب من المقاول الرئيسي، بالإضافة الى دفع مستخلصات العمل مباشرة الى مقاول الباطن إلا ان هذا التفسير غير ملزم للجهات الحكومية، كما ان الجهة الحكومية قد تخشى من عدم انجاز العمل بالشكل المطلوب إذا كان مقاول الباطن يفتقر للتصنيف المهني المطلوب حسب نظام تصنيف المقاولين.

وبناء على المادة 72 من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية التي تمنح وزارة المالية اختصاص اعداد نماذج العقود، فقد قامت الإدارة القانونية بوزارة المالية بجهد ملموس من خلال تطوير صيغة نموذج عقد الاشغال العامة واقترحت تغيير المسمى الى نموذج عقد الانشاءات العامة. وقد عالجت الادارة القانونية بوزارة المالية ما أشرت اليه من قصور في فقرة ج من المادة 53 من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية، حيث احتوت الفقرة 8 من المادة المقترحة 38 في صيغة عقد الانشاءات العامة على إلزام المقاول بصرف مستحقات مقاولي الباطن ومستحقات العمال والموظفين، كما منحت الفقرة المقترحة لصاحب العمل (مثلا: جهة حكومية او شركة) الحق بتسديد مستحقات مقاولي الباطن مباشرة في حال عدم قيام المقاول الرئيسي بتسديد تلك المستحقات.

وقد اقترحت وزارة المالية تعديل بعض مواد نظام المنافسات والمشتريات الحكومية حتى يتماشى مع نموذج عقد الانشاءات العامة والذي يدفعني لاقتراح تعديل المادة 66 من اللائحة التنفيذية لنظام المنافسات والمشتريات الحكومية، من خلال إضافة شرط من شروط صرف المستخلص الختامي للمقاول الرئيسي وهو شرط حصول الجهة الحكومية على خطاب من المقاول الفرعي (الباطن) يشير فيه الى استلام كافة مستحقاته المالية. وقد اشارت المادة 66 من اللائحة التنفيذية الى وجوب تنفيذ المتعاقد لكافة التزاماته التعاقدية قبل صرف المستخلص الختامي، إلا ان تلك الالتزامات قد يفهم منها الالتزامات تجاه الجهة الحكومية فقط، ولذلك تجدر الإشارة الى تنفيذ التزامات المقاول الرئيسي مع مقاول الباطن لمعالجة العقبات التي قد يواجهها مقاولو الباطن مع المقاول الرئيسي.

ومما سبق يتضح اهمية وجود جهة تبادر بمعالجة التحديات التي يواجهها قطاع التشييد والبناء خصوصا متابعة مشروع نموذج عقد الانشاءات العامة والعمل على حث الجهات الرقابية والتنفيذية على انجازه في اقرب وقت ممكن، بالإضافة الى التعديلات المقترحة لنظام المنافسات والمشتريات الحكومية ولائحته التنفيذية.

وأعتقد ان الجهة المناسبة لتولي هذا الملف الحيوي هي الهيئة السعودية للمقاولين حيث يعد تأسيسها من ابرز المستجدات الايجابية لقطاع التشييد والبناء. وقد اشارت ديباجة قرار مجلس الوزراء رقم 510 بتاريخ 23 من ذي القعدة 1436هـ الى ان انشاء هيئة للمقاولين يعد احد الترتيبات الخاصة لمعالجة تأخر او تعثر مشاريع تنموية وخدمية تابعة للجهات الحكومية. ولذلك من المتوقع ان يشهد قطاع التشييد والبناء تحسنا ملحوظا في الاداء خلال السنوات القادمة، خصوصا بعد ان تضمن اختصاص هيئة المقاولين بعدة مهام منها حصر العوائق التي تواجه المقاولين ووضع الحلول لمناقشتها مع الجهات الحكومية المختصة، بالإضافة الى تقديم التوصيات لمراجعة الانظمة المتعلقة بقطاع المقاولات.

طارق الصقير ديسمبر 28, 2016, 3 ص
اضف تعليق

التعليقات

  • جميع المشاركات و التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها. ولا تعبر عن رأي لـ "اليوم الالكتروني".
  • جميع المشاركات و التعليقات تخضع للتدقيق و يحق لـ " اليوم الالكتروني" التعديل.
  • التعليقات غير الهادفة أو التي تسيء إلى شخص أو جهة بأي حال من الأحوال لا تنشر.
comments powered by Disqus