اغتيال السفير هل يحدث تحولا في الموقف الروسي؟

من المتوقع أن يتعرض أفراد البعثات الدبلوماسية الى الاغتيال في مناطق الازمات، وأن يكون العامل الخفي لهذا الاستهداف له دوافع عديدة، قد لا يعلمها من نفذ هذه العملية، لكن كل المؤشرات تؤكد أن وقوع مثل هذه الجريمة من شأنه ان يؤدي ويحقق نتائج محددة، وعليه فإن اول المؤشرات انسحبت باتجاه جماعة فتح الله كولن، على اعتبار ان منفذ الجريمة حققت معه الاجهزة التركية سابقا بأن له علاقة بهذه الجماعة، كما ان المتهم الآخر هي الولايات المتحدة، على اعتبار انها فشلت في الانقلاب على الرئاسة التركية وفقا للخطاب الرسمي للحكومة التركية مما دفع بأردوغان لحرف مسارات السياسة الخارجية التركية باتجاه روسيا والتفاعل معها في معركة حلب، وفي درع الفرات، والامر الآخر ان ايران ليست لديها رغبة في حدوث تطور ايجابي بين تركيا وروسيا، ولهذا سارعت بالادانة، وايضا باغلاق قنصليتها في اسطنبول، بينما لم تضع السلطات التركية الحركات الإرهابية «داعش» ضمن المتهمين هذه المرة، كما ان عاملا آخر برز في اليوم التالي يشير الى أن المخابرات السورية ضالعة في الحادثة، حيث يرى بشار الاسد أن أية تطورات ايجابية في علاقة تركيا مع روسيا ستكون حتما على حسابه الشخصي.

الاحتمال الأخير يلقى حضورا كبيرا لدى أوساط تركية ترى أن هناك صلة تواصل وتعاون بين المخابرات السورية وجماعة كولن في سوريا، وأن الرئيس السوري، وبعدما استطاع استعادة قوته على الارض السورية، يرى أن حربه القادمة، يجب ان تؤدي الى خروج روسيا أولا من سوريا وقد تتبعها ايران ثانيا، ليثبت للعالم وللسوريين، أنه رئيس وطني ولم يقبل لا بالوجود الايراني ولا الروسي، وهذه المؤشرات تفيد بأن لدى انقرة معلومات ذات أهمية تطلبت حضور فريق أمني روسي متخصص الى تركيا مكون من 18 شخصا، للاطلاع على سير التحقيقات التي وقعت عليها المخابرات التركية.

هدف الجريمة، اولا تعزيز الفوضى في تركيا، ودفع البعثات الدبلوماسية للخروج، ولاشاعة وجود أجواء ارهابية فيها، بما يؤثر على الاقتصاد التركي، كما انه يدفع بامكانية حدوث انتكاسة للعلاقات التركية الروسية، ويؤثر على مساعي الرئيسين التركي والروسي للتوصل الى حل في سوريا، سيكون الاسد ضحيته، فيما ترى الاطراف الايرانية أن علاقتها وروسيا في سوريا محددة بمدى محاربة الارهاب من وجهة النظر الايرانية، وايضا تثبيت دعائم حكم الاسد، فيما يترك للايرانيين حرية ترتيب الاوضاع الداخلية وفقا لمصالحهم، وهذا قد لا يتحقق في ظل وجود روسي، وفي ظل وضوح شكل من اشكال الافتراق في الرؤية بعد سقوط حلب او الاتفاق على سقوط حلب.

الاسد لا يملك القرار في سوريا، والقرار اليوم بيد الروس 100% وان الجيش السوري واركان الجيش وقياداته هربت أمام مجاميع داعش في تدمر، حيث تم البحث عنه ولمدة يومين وعندما حاول الروس اعادة تنظيم الوحدات في تدمر هربوا ايضا، واضطر الاسد لاقالة نائب رئيس اركان الجيش وتقديم اعتذارات للروس، لسبب اكتشفه الروس بعد الحادثة، وهو ان الاسد يرغب ان يقاتل بالجيش الروسي والوحدات الخاصة الروسية وان يعتمد عليها في مواجهة داعش، فيما تؤكد المعلومات الروسية أن الروس غير مطمئنين لا للميليشيات ولا للحرس الثوري، لأن العتاد الروسي ينقل الى جهات مختلفة ويجري بيعه، وهذا مؤشر على رغبة هذه الجهات في توريط موسكو، وعليه عقدت صفقة مع انقرة وقامت تركيا بعقد صفقة مع المعارضة السورية، مضمونها العام الخروج من حلب باتجاه أدلب، وحل سياسي برعاية روسية تركية وتمثيل ايراني، تفرض فيه موسكو حلا سياسيا قد تقبل به المعارضة وقد يحاول الرئيس السوري البحث عن مبررات لرفضه، وقد يكون اغتيال السفير الروسي واحدا من الخيارات السورية المتاحة لافساد التوافق التركي الروسي.

تركيا في سوريا استطاعت التفاهم مع الروس على الغاء التوجهات الامريكية، باقامة اقليم كردي، وتفاهمت مع الروس في حلب، وحصلت على دعم روسي فيما يتعلق بأزمتها مع الحكومة العراقية، بسبب تواجدها العسكري في معسكر بعيشيقة، ومخافة الايرانيين والسوريين من ان تركيا قد تكون ساهمت ايجابا في تقريب وجهات النظر الروسية السعودية حول الاتفاق على خفض الانتاج النفطي، وخففت لهجة العداء بين الطرفين على خلفية الازمة السورية، دفعت وزير الطاقة الروسي لوصف الاتفاق بأنه انجاز سعودي روسي، في الوقت الذي تعتقد فيه جهات روسية بأن مساهمة روسيا ايجابيا بالتعاون مع السعودية، خاصة بعد لقاء نائب وزير الخارجية الروسي المتحدث الرسمي باسم الحوثيين والوفد المرافق له، وتأكيدات موسكو على دعم الحل السلمي والتوافق الوطني، يعد مؤشرا على دعم روسي للحل السلمي في اليمن، وهذا الامر لا ترحب به ايران ولا سوريا، كما انه يكشف عن امكانات لتعاون سعودي روسي مستقبلي.

البعض يعتقد ان هذه المؤشرات تأتي في ظلال مجموعة متغيرات جديدة في المنطقة تتمثل في الحضور البريطاني في المنطقة، ولما لبريطانيا من علاقات قوية مع المراجع الشيعية في العراق وبعضهم في ايران، ومع الاخوان المسلمين في مصر، وكذلك توجهات فريق ادارة ترامب المعلنة حول الموقف من ايران وتدخلها في المنطقة وانها السبب الرئيس في الفوضى والارهاب، وتسعير الطائفية وهذه حقيقة، وعليه ترصد الدوائر الاستخبارية استعجال القوى الشيعية للمصالحة السياسية رغم رغبة ايران افراغها من مضمونها، لكنها تكشف حجم المخاوف المقبلة، اضافة للحراك الاحتجاجي المدني والسياسي في جنوب العراق، حيث توقفت هذه الدوائر عند زيارة نوري المالكي وهروبه من الجنوب والتظاهرات بالضد منه ومواقفه وعلاقاته وفساده، ولهذا حاولت ايران الاستعجال بعدم اضاعة مكاسب حلب، وبدأت الحديث عن مؤتمرات لحزب الدعوة تدعو لتنحي حيدر العبادي المقبول امريكيا باعتباره ليس من جماعة ولاية الفقيه، والحديث عن المرحلة القادمة تحتاج لرئيس وزراء مثل نوري المالكي.

عمليا هناك عملية خلط للاوراق، والاستخبارات الايرانية والسورية تقوم بنشاط محموم، في اوروبا على الخصوص لاثارة العالم من الارهاب «السني» وداعش، لجعلها اولى الاولويات، كما ان ايران وسوريا يجمعهما هدف واحد وهو استنزاف الادارات الامريكية في المنطقة، وتوظيف فائض القوة الروسية، واشاعة العنف والارهاب في المنطقة لحين تمكن الطرفين من ابعاد اية مخاطر محتملة ضدهما، ولكن كم يحتاج ذلك من دماء واشلاء واجساد وانفجارات واغتيالات واتهامات؟ يقينا ان روسيا بحكم خبرتها الامنية في المنطقة اهتدت الى ان هناك أطرافا تعمل على استهداف علاقتها مع تركيا وقد تكون من نيران صديقة هذه المرة ما قد يدفعها لاعادة ترتيب علاقاتها مع دول المنطقة خلال الاشهر القادمة!!

علي البلوي ديسمبر 22, 2016, 3 ص