الفساد لا يحتاج لمكافحة

سَعدت يوم الأحد الماضي بالمشاركة في إحدى جلسات (المنتدى الدولي لمكافحة الفساد)، برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز أمير المنطقة الشرقية، بفندق سوفيتيل الخبر، والذي نظّمته الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» بمناسبة اليوم الدولي لمكافحة الفساد، بمشاركة نخبة من المختصين، وبحضور عميد الأكاديمية الدولية لمكافحة الفساد السيد مارتن كرونتر. وتم على هامش هذا المنتدى، ‏إطلاق خدمة «قـيّـم» عبر تطبيق نزاهة الإلكتروني لتقييم أداء الأجهزة الخدمية الحكومية، إضافة لتوقيع مذكرة تفاهم مع الأكاديمية الدولية لمكافحة الفساد، وتدشين الصفحة الإلكترونية لأندية نزاهة؛ وهي جهود تشكر عليها «نزاهة»، لكنني لا أظن أن تلك الجهود ستمكّن «نزاهة» من القضاء على الفساد في المدى القصير على أقل تقدير؛ لأن عمليات التحري والفحص التقليدية تحتاج لجيوش من الموارد البشرية والمالية وتحتاج أيضا لفترات زمنية طويلة؛ كي تُحكم «نزاهة» قبضتها على الفساد، وهذا ما لا يمكننا تحمّل أعبائه في هذا التوقيت، خاصة وأن أغلب صور الفساد لدينا معروفة وتتمثل في فساد التوظيف والمشاريع واستغلال السلطة والرشاوى. توعية المجتمع بمخاطر وأضرار الفساد وإيجابيات حماية النزاهة أمر حضاري يجب ألا نتوقف عنه أبدا ويجب توجيهه بشكل خاص للنشء وللأجيال القادمة، لكننا يجب أن نعي تماما أن ذلك ليس سلاحنا الفتاك للقضاء على داء الفساد والذي يُعتبر مرضا كسائر الأمراض المنتشرة في كافة أنحاء العالم منذ قديم الأزل، له مسببّات، وبإذن الله له علاج، فهو من الأمراض التي تقتات على الفوضى والغموض والتعاملات اليدوية التقليدية بعد ضعف الوازع الديني بلا شك، وأكاد أجزم أن ترياق هذا المرض يتمثّل في ٣ محاور رئيسية. المحور الأول: «الشفافية»، وأقصد بأن تكون الشفافية «حقيقية»، وليست كلمة استهلاكية، ومثال على ذلك أن يتم الإعلان وبوضوح تام وفي وسائل الإعلام «المُتَابَعة» تفاصيل مسابقة وظيفية ما أو مناقصة مشروع مثلاً وتوضّح فيه التفاصيل الفنية والوقت المتاح وآليات الترشّح، وبعد ذلك يتم الإفصاح عن نتيجة تلك المسابقة أو المناقصة والمعايير التي مكّنت الفائز بها إضافة لما يتبع ذلك من إيضاح للعموم لما تم عمله من إنجاز في تلك الوظيفة أو في ذلك المشروع، والأمر ذاته ينطبق على آليات الصرف والنفقات العامة الرئيسية وكذلك عند اتخاذ أي قرارات جوهرية. المحور الثاني: «الأتمتة»، ومثال على ذلك استبعاد العمل اليدوي البشري التقليدي في الخطوات والإجراءات للتقدم لمسابقة وظيفية مثلاً أو مناقصة مشروع ما وجعل جميع الخطوات إلكترونية «بحتة» بعيدة كل البعد عن أي تدخل بشري قد يكون ثغرة لضعاف النفوس، حينها يُمكننا آلياً وبكل شفافية التقدم أو الترشح عبر بوابة إلكترونية يتم من خلالها الإطلاع الكامل وبوضوح على كافة التفاصيل ومن ثم متابعة حالة الطلب حتى الانتهاء من تلك المسابقة أو المناقصة ومعرفة من فاز بها. المحور الثالث: «الحوكمة»، وهي فصل الملكية عن الإدارة، ومثال على ذلك التعريف وبشكل شفّاف آلي بأصحاب الصلاحيات في كل مرحلة من مراحل أي مسابقة أو أي مشروع أو عند صرف أي نفقات عامة رئيسية أو عند اتخاذ أي قرارات جوهرية؛ مما يحدد وبشكل مسبق بما لا يدع مجالاً للشك من اعتمد نتائج تلك المسابقة أو من وافق على ترسية ذلك المشروع أو من اتخذ هذا القرار أو صرف تلك المبالغ. ومن المهم بمكان أيضا ألا نغفل عن مخرجات التعليم والجانب الأكاديمي لما يتعلق بمكافحة الفساد وحماية النزاهة، حيث احتفلت الأسبوع الماضي الأكاديمية الدولية لمكافحة الفساد «والتي لم يمض على تأسيسها ٥ سنوات فقط» بتخريج الدفعة الثانية من طلبة برنامج ماجستير مكافحة الفساد، حسب تصريح عميد الأكاديمية، وهنا يجب أن تكمن الشراكة الإستراتيجية المتوقعة بين الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» ووزارة التعليم. الخلاصة.. الفساد لا يحتاج لمكافحة قدر ما يحتاج لأنظمة مُحكمة وتطبيق آلي صارم وشفّاف، وهذا ما يجب أن يتمحور حوله دور «نزاهة». دمتم بخير

بندر السفير ديسمبر 15, 2016, 3 ص