العلاقات العامة بعد ربيع 2011م

ترتبط صناعة العلاقات العامة منذ بروزها باستخدام وسائل التواصل مع الجمهور للحفاظ على سمعة أشخاص أو منظمات حكومية وتجارية وغير ربحية، لكن وسائل الاتصال بالجمهور تغيرت مؤخرا بصورة جذرية لتترك أجهزة العلاقات العامة أمام ثلاثة خيارات الأولى أن تستمر بصورتها التقليدية، أو أن تلاحق تكنولوجيا الاتصال بصورة سطحية وبلا تأثير، أو أن تتحول إلى جيل جديد أكثر ذكاء وفاعلية.

عندما كنت أكتب رسالة الماجستير حول استراتيجيات هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في إدارة وسائل التواصل الاجتماعي (Social Media) كان من المثير بالنسبة لي أن أجد أغلب المراجع الغربية تعد ما عُرف بالربيع العربي عام 2011م ميلادا لعصر جديد في ممارسة نشاطات الاتصال والعلاقات العامة، لكن الأكثر غرابة أن هذه المنطقة العربية لم تتعلم من تجربتها شيئا يُذكر في ممارساتها الاتصالية.

في العالم العربي لا تزال الكتب الجامعية والدورات التدريبية المتعلقة في نشاطات العلاقات العامة (إلا ما رحم ربي) تردد حكايات (إيفي لي) أبي العلاقات العامة، واسطوانة نموذج الاتصال التقليدي المرسل والمستقبل والرسالة ورجع الصدى ثم بيئة الاتصال، في حين أن إدارة النشاط الإعلامي والعلاقات العامة في الغرب بنت نماذج جديدة وسياسات تستجيب لواقع جديد لم تعد فيه الرسالة محور الاتصال ولم يعد من السهل التفريق بين المرسل والمستقبل.

وفي حين أن الغرب ظل ممسكا بثمار التراكم المعرفي لتوظيف التطبيقات السابقة واختبار استراتيجيات اتصال جديدة وتطويرها لتتناسب مع عهد جديد من العلاقة بين المنظمات والجمهور، ظهر نوع جديد من التطبيق السطحي لتكنولوجيا الاتصال كبديل للعلاقات العامة في بعض المنظمات عن طريق تطبيقات تشبه في طريقة التواصل مع الجمهور أسلوب إثارة الضوضاء.

هذا الأسلوب الذي ظهر في الهند والصين لسد الفجوة المعرفية بين إدارة الاتصال التقليدي والجديد، يعتمد على تقديم حلول تقنية لحاجات وظيفية، لكن المشكلة هي أن هذه الحلول تتطلب أسئلة أكثر ذكاء وعمقا، وممارسات أكثر تطورا لإنتاج حلول مناسبة لحاجات حقيقية لإدارة الحوار القائم بين المنظمة وجمهورها والمجتمع الذي تؤثر وتتأثر به.

أما النوع الثالث الذي ينطلق من نظريات الاتصال واستراتيجيات العلاقات العامة ويعمل على تطوير نماذجها لتتناسب مع وسائل التواصل الحديثة فوجودها نادر في المنظمات العربية غير أنها موجودة في مجموعة معروفة من بيوت الخبرة الأمريكية والأوروبية والتي تُدير حملات المرشحين بكفاءة عن طريق مزيج مقنن من وسائل التواصل التقليدية والحديثة باستراتيجيات تختلف بحسب الموقف.

محليا ومن خلال دراسة حالات معينة لمرتكزات الحملات التي تقوم بها مجموعة من الشركات السعودية الكبرى (ولا أريد تسميتها)، فإن المحصلة هي أن بعض هذه الشركات تبدو وكأنها تؤمن بالعلاقات العامة التقليدية جدا فقط، وبعضها بدأ من حيث ينتهي الآخرون بالبحث عن حلول إلكترونية لممارسات سطحية، أما الأخطر فهو أن العلاقات العامة لا تبدو موجودة في دائرة صناعة الاتصال.

هذا النوع الأخير يمكن أن نعتبره نوعا رابعا تختص به المنطقة العربية حيث تعتمد على صيغة الخطاب الإعلاني (المصلحي) لتسويق سلعة بمحاكاة هرم الرغبات والحاجات التقليدي، ومع أن هذا النوع يحقق نجاحات فقط في بعض أشكال الأسواق التنافسية مثل (احتكار القلة) مع ميل تطبيقات هذه القلة إلى التشابه، مثل خدمات الاتصالات والبنوك والطيران الداخلي وغيرها.

ومع هذا سيكون على هذه الجهات أن تُدير علاقاتها بحذر في زمن التواصل الاجتماعي فترسيخ العلاقات المصلحية لا يخلق ولاء للمنظمات، وربما ينتهي إلى مقاطعات أو محاولات لتشويه السمعة أو استمالة صاحب القرار لمزيد من فتح الأسواق وفي حالات كثيرة يغري (القلة) المنافسة بتغيير سياساتها لتستفيد من الأزمات التي يخلقها هذا النوع من العلاقة للمنافس لزيادة حصته في السوق.

أخيرا أتمنى للمهتمين بالفارق الكبير بين التطبيقات والممارسات الموجودة لدينا في مجال العلاقات العامة والدول المتقدمة دراسة مرتكزات وتطبيقات الحملات الانتخابية في صراع الرئاسة الأمريكي طوال الشهور الماضية وتوظيفها لوسائل الاتصال ونظريات الاتصال والوسائل التقنية الحديثة.

مشاري العفالق نوفمبر 2, 2016, 3 ص