الحصانة الداخلية لمواجهة التحديات الخارجية

تتعرض المملكة كغيرها من الدول لمصادر مختلفة من التهديد، وعلى درجات مختلفة، والحصانة الداخلية، هي العصب الصلب في مواجهة اية تهديدات، وعليه كانت كلمات ولي العهد مختصرة لكنها لخصت جوهر التحدي القادم، وعلينا ان نكون أكثر حصانة من الداخل، والدول الفاعلة والمؤثرة خارجيا، تعيش حالة من السلامة الوطنية، والامن القومي والسياسة الخارجية للدول تعتمد على سلامة الامن الداخلي، وتعتمد على الامن الغذائي، وقد كانت المملكة ذات يوم قد وصلت الى هذه الكفاءة، سواء في الزراعة واللحوم والاسماك، وفي تنويع مصادر المياه، وقد تعرضت هذه الكفاية الى ضغوط خارجية ذات يوم، ساهم فيها، بعض من كانوا يرون عدم اغضاب امريكا في كل شيء، فيما كانت نتائج السياسات الزراعية، التي انتجت المراعي ونادك والمحاجر الصحية، والثروة السمكية والمياه، والتنوع الزراعي، قد حصدت اعترافات مؤسسات دولية، وحصدت غضب وزارة الزراعة الامريكية والاسترالية ايضا.

اليوم لدينا تحد ماثل، والدولة تنبهت لهذه التحديات، وعمدت الى تنويع مصادر علاقاتها الدولية، وكذلك تنويع اماكن استثماراتها الخارجية، وكذلك تنويع مصادر السلاح، والبدء بعمليات انتاجه، اضافة الى تنويع دول الابتعاث الخارجي، وكذلك التخصصات العلمية، لتأتي دورة تنويع مصادر الدخل، والتحول الوطني 2020 والرؤية السعودية 2030، وهذا يؤكد لنا اولا نجاعة السياسات الزراعية السابقة والتي تحتاج الى اعادة قراءة وانصاف ايضا، وفي ذات الوقت تحتاج اعادة بناء، فالدول التي تنتج زراعيا تستطيع المقاومة أكثر، والدول التي تكتفي غذائيا تكون سياساتها أقل تعرضا للابتزاز والتهديد.

التحديات والصعاب ليست سلبية على الدول والمجتمعات، واكثر الدول استفادت من الحصار ومن ضعف الامكانات ومن الاخطاء ايضا، فكثيرة هي الدول التي بدأت بالتصدير، كانت قبله بسنوات مستوردة، وعندما بدأت المملكة بانتاج القمح، جاء من يؤكد فشل التجربة قبل ان تبدأ، وهناك من حاول افشالها، دول واشخاص، فالدول التي ترغب ان تستقل بارادتها، ليس امامها من خيار الا ان تقاوم وتتحمل، ولكن حتما ستصل، واذا كان انتاج القمح مكلفا في البداية، الا انه وبعد سنوات، كانت المملكة تصدر القمح، وفي امريكا الفائض من الانتاج يبدد في البحار، وللحيوانات، كي تحافظ على العرض والسعر، وايضا هم يحاربون الانتاج ان كان منافسا، في اي مكان.

هذه التجارب، تؤكد بأن السعودي قادر على العمل والانتاج والانجاز، بعيدا عن عمليات التبسيط، واشاعة حالة عدم الثقة، التي انتجت ثقافة الاستهلاك على حساب الانتاج، غير اننا اليوم، في اطار رؤية جديدة تهدف الى اعادة البناء على اسس جديدة، ليس اولها ترتيب الافكار والعلاقات، وعمليات الادخار والانتاج، وقد نحتاج وقتا لذلك لكن في الشأن الزراعي والحيواني والسمكي، لدينا امكانات متوفرة، وتجارب حية، ولدينا خبراء متخصصون، وهم من ابناء هذا الوطن ومن لديهم غيرة عليه، في ظل «عالم غاب» جديد يتم فيه التطاول على سيادات الدول والتعرض للقانون الدولي.

العراق عندما حوصر، لم يكن ذلك بسبب اسلحة الدمار الشامل التي اتضح كذبها، ففي تلك السنين، لا تمر قطعة الكترونية من بلد الى بلد دون معرفة او مراقبة، ولكن كان نجاح العراق في مجالين، الاول في مجال الزراعة والاستنبات، وزراعة القمح، وتأميم النفط، وايضا في حركة البعثات العلمية، والجامعات المختلفة، ولعل من يطالع قانون بريمر او دستور بريمر يكتشف بأن فصولا سرية قضت بمنع العراق من الاستنبات الزراعي، وان اسرائيل اول ما احتلت فلسطين بدأت بالزراعة والمصرف الزراعي، فالزراعة هي بداية الامن والسيادة والاستقرار في مختلف المجتمعات، واليوم نحن بحاجة ماسة لاعادة البناء والتخطيط الزراعي بعيدا عن تلك الرسائل المثبطة للعزائم، والتي تبرع بها البعض طوعا وكرها.

نحن مستهدفون لاسباب عديدة وكثيرة، ليس أقلها «جاستا» ونعلم بأننا نمتلك ادوات تأثير عديدة ايضا، لمواجهة «جاستا» وغيره، وبخاصة بعد استهدافه دول العالم بسيادتها، واستهدافنا في ديننا، وفي مسؤولياتنا الوطنية والعربية والاسلامية، ولكن ظلت المملكة على مدار تاريخها السياسي، تمتلك قدرا كبيرا من الحكمة، ولها علاقات متجذرة والقوى الحية في امريكا وغيرها، ومراهنتها وخياراتها صائبة دائمة، ومع ذلك فان التجارب تعلمنا الدروس التي نستفيد منها في حماية انفسنا وتحصينها من اية اعتداءات خارجية، او محاولات لتسميم الاجواء الاقليمية او العبث بأمننا الوطني.

يعد الشعب السعودي من بين أكثر الشعوب العربية حصانة ووطنية وانتماء وطنيا، ومن يراهن على وجود ثغرات هنا او هناك، فهو واهم، فقد تم جس النبض مرات عديدة، وظنوا مخطئين، بأن الوهن يأتي من هذا المكان أو ذاك، ولم يحصلوا على مرادهم، وعادوا خائبين مدحورين، قد نختلف مع بعضنا البعض، لكننا لا نختلف على الدين والوطن والقيادة، واذا فرضت الامور علينا امتحانا صعبا- لا سمح الله- فمعدن واخلاقيات السعوديين في الصعاب مختلفة جدا، وستجدهم أكثر رأفة والفة وتسامحا وتعاون وقوة، بشكل يبهر الجميع ويسقط في يد الاعداء.

ان التحديات والصعاب تخلق انسانا مختلفا، تعيد بناءه على مستوى هذه التحديات، تجعلنا صفا واحدا، سنته وشيعته ومختلف مكوناتنا، وان من يراهنون ان تؤثر هذه التحديات على اجتماعنا واستقرارنا واهم جدا، ولا يعرف تاريخ المجتمع السعودي ولا القبائل العربية، فمن مر بالشدائد ذات يوم، او بالفقر والوانه، وبالحاجة ايضا، لا يمكنه الا ان يكون انسانا حريصا وانسانا يقدر حق هذه النعم، وهذا الاستقرار الذي نعيشه.

ان التوجه للانتاج الزراعي والصناعي، واعادة بناء توجهات المواطن السعودي، وفقا لحاجات الدولة، ولمواجهة التحديات المختلفة، ستكون واحدة من الامور الرئيسة في بناء الامن والاستقرار الداخلي، وفي تعزيز الحصانة الوطنية، وتعزيز استقلالية قرارنا السياسي، لأن اعتماد سياسة الاكتفاء الذاتي الكامل أو الجزئي من السلع الاستهلاكية يعتبر خيارا إستراتيجيا يجب علينا وعلى الدول العربية عدم التنازل عنه مهما كلف من ثمن.

ان التكامل في الانتاج، والتنوع فيه، يمكن ان يحدث عبر تنويع العلاقات النوعية، بين دولنا ومجتمعاتنا ومع الاصدقاء في دول العالم التي نتطلع معها لبناء غد انساني، بعيدا عن عمليات السلب والنهب والتخريب الاقتصادي، وتعميم الفوضى، وتسليع الحياة الانسانية، فهو تكامل فيه ميزة اخلاقية وانسانية لا يكون على حساب كرامة الشعوب وارادتها، وخصوصيتها، وهو التكامل المبني على اسس واقواعد اخلاقية وايمانية حثنا عليها الاسلام العظيم.

علي البلوي أكتوبر 6, 2016, 3 ص