الخوف من الدبلوماسي السبهان

كانت الدول تتخوف من الدبلوماسيين على اعتبارهم جواسيس بثياب مدنية، وانهم يحيكون المؤامرات على هذه الدول والمجتمعات، ويجمعون عنها المعلومات، ويصادرون إرادتها، ويتحكمون في مواردها، وهل كان السفير ثامر السبهان من هؤلاء السفراء؟

اعتقد جازما ان العراق اليوم ساحة مفتوحة، وان العراق اصبح بلدا بلا اسرار، وان المعلومات تباع بالكيلو، وان تجار الصفقات الرابحة يتجاوزون الحدود السياسية والطائفية، وان هناك من يرى ضرورة بقاء الامر الواقع لادامة حركة المصالح والمنافع، سواء كانت ايران، او قوى سياسية او افراد، فالوضع في العراق مؤلم، وما كشفه وزير الدفاع خالد العبيدي يوضح جانبا من جوانب الصورة المظلمة.

اللافت ان وزارة الخارجية العراقية، والدكتور ابراهيم الجعفري - وهو شخصية دمثة ومهذبة - كانت - كما يبدو - مدفوعة دفعا لاصدار بيان حول السفير ثامر السبهان، بينما تفيد المعلومات بأن السفير الايراني، يستدعي الشخصيات العراقية والدينية استدعاء، يشمل الشتم والتأنيب والتحقير والعقوبة، ولا يعد ذلك تدخلا في الشؤون الداخلية.

ويأتي قاسم سليماني حاكم العراق الفعلي الى النجف قبل بغداد احيانا، وكذلك علي شمخاني، فيما يتسابق رؤساء الكتل والمؤسسات الامنية في كيفية نيل الرضا الايراني حتى وان كان منزوع الكرامة.

اللافت ان فترة السفير السبهان في العراق تعتبر فترة ذهبية في العلاقات والتعاون بين البلدين، لان السبهان كان سفيرا فوق العادة، سفيرا بصلاحيات، وسفيرا للتعاون مع الحكومة العراقية، ودعمها في محاربة الارهاب، ولكن الموقف السعودي من محاربة داعش واستعادة الفلوجة لم يرض ايران، فهي ترغب في ان تظل تنفخ في كير الطائفية لأبعد مدى، بينما جاء الدعم السعودي لحكومة حيدر العبادي لمواجهة تنظيم داعش الارهابي على غير ما ترغبه ايران.

فقد أظهرت الرياض أنها ضد الارهاب مهما كانت طبيعته سواء كان سنيا أو شيعيا، وظل السفير السبهان يؤكد على دعم وحدة العراق وهويته، وعلى اتصاله بكافة المكونات العراقية دون تمييز، ملتقيا بمراجع الشيعة قبل مشايخ وعلماء السنة، وظلت ابواب السفارة مفتوحة للجميع، وتواصل مع جميع الكتل والرموز العراقية، دون تشكيك او تمييز او اساءة لأحد.

القضية ليست السفير السبهان، العارف بتفصيلات الخارطة السياسية والدينية والاجتماعية العراقية، وانما المشكلة تقع على الحكومة العراقية، فهناك فارق بين الدولة والمؤسسات التي يقوم السبهان بتمثيل المملكة فيها، وبين التعامل مع ميليشيات لا تخضع اساسا لسلطة الحكومة العراقية.

فالدول تعمل على تعزيز اكبر من التعاون، والدول لا تصبح اداة لا تملك جزءا من ارادتها الوطنية، لتصبح ألعوبة في يد دولة أخرى، فالدول ترتبط بعلاقات ووشائج متداخلة، فلا يمكن منع شيعة العراق من الولاء للعراق ولعروبتهم، مثلما لا يمكن منعهم من التواصل مع شيعة ايران على اساس اجتماعي وثقافي، وايضا ينطبق الامر على السنة، وعلى بقية الاديان والقوميات العراقية، كما ان ما يقوم به السفير السبهان من اتصالات والجسم العراقي يقوم بمثله وأكثر سفراء الدول الأخرى، دون ان يظهر العراق اية مخاوف بسبب نشاطهم.

إن الحديث عن طلب استبدال السفير بسفير آخر مضحك، وفيه تعبير عن الافلاس السياسي، فالسفراء، يعملون في خدمة بلدانهم، وفي توثيق العلاقات، وفي الدفاع عن مصالح دولهم، وفي تقريب وجهات النظر وتعزيز الوشائج، لكن لماذا لم تمنع الحكومة العراقية، من يتطاول على السعودية، ومن يعلن عن تهديد امنها واستقرارها، من يتدرب ويتسلح على اراضيها، للاساءة للمملكة، من يستغل بعثات الحج العراقية، لصالح الحرس الثوري الايراني، من يقتل ابناء وطنه بحجة الاساءة للسنة، من يضع اسماء مجرمين على صواريخهم الموجهة للسنة، وبالتالي يتهم السفير السبهان بتأجيج الطائفية.

من المسؤول عندما يخرج نوري المالكي بالريموت كنترول الايراني، ليتهم المملكة بدعم الارهاب، في وقت ظلت حكومته ولسنوات ترفض التنسيق الامني، غير انها اضطرت لذلك عندما أصبح التنسيق يتم من خلال الطرف الامريكي.

لم يذكر لنا أحد من مسؤولي العراق، تعريف الارادة والسيادة الوطنية، عندما يأتي وزراء دفاع امريكا الى بغداد ومسؤولون امريكيون كبار يهبطون في مطار بغداد الدولي، لكنهم يرفضون ان يستقبلهم مسؤول عراقي واحد، ويستدعون الكبير قبل الصغير للقاءات تنفيذ الاوامر وليس اكثر.

اما حكاية ان السفير السبهان ذو خلفية امنية وعسكرية، فهو سفير بالمحصلة، وليس رئيس ميليشيا في بغداد، كل علاقاته مع الحكومة العراقية، وعلاقاته مع النخب العراقية الرسمية والاهلية، ولم يكتب على السفير ان كانت له علاقة او اتصال بتنظيمات ارهابية، واذا ارادت الميليشيات التعبير عن الولاء لايران، فان هذا يكشفهم أمام الرأي العام العراقي.

ففي بدايات حكومة المنطقة الخضراء كان كبار رجال الدولة يجلبون جلبا، وان واقعة يرويها من عمل في المنطقة الخضراء، انهم كانوا يستدعون الوزراء ويرشونهم بالماء، ويزدرونهم لساعات طوال في صالات الانتظار، ليخرج عليه سكرتير يبلغه بالمطلوب عمله، السفير السعودي كان واضحا وشفافا ولم يسئ لا لشخصية دينية او سياسية او وطنية.

تجاوز المهام الدبلوماسية، تهمة جديدة، ولا اثر لها في معاهدة فينا، ولا تعكس قوة الاعتداد بالقانون الدولي، وهي استيراد ايراني، ومن الاولى للحكومة العراقية، إن ارادت خير العراق، ان تركز جل اهتمامها على صناعة الامن والاستقرار، وان من يستهدف امن العراق وشيعة العراق وسنته، ليسوا السعوديين، وليس تنظيم داعش، تلك الصناعة التي استثمروها ووظفوها لخدمة بقاء الهيمنة والسيطرة الايرانية، لخدمة زعماء الميليشيات السياسية.

كان الاجدى والاحرى بهم ان يقولوا: لا لوزير الدفاع الامريكي ولوزير الخارجية، ولقاسم سليماني عندما اجبرهم على الاجتماع عنوة، وقرر عنهم ما تراه ايران يخدم مصالحها.

نعلم بان ايران لديها هاجس داخلي، وهاجس امني في العراق تراه في الافق، فشيعة العراق، لم يبيعوا وطنهم وهويتهم وكرامتهم من أجل ايران، ولا من أجل السعودية، بل انهم عرفوا أن مشكلة العراق الحقيقية ليست في داعش التي صنعوها ذات ليل، بل ان مشكلتهم الحقيقية في جارتهم ايران، التي جعلتهم اداة ووسيلة لخدمة مصالحها.

ايران لا يعنيها الشيعة ولا السنة ولا تحسب لأي منهم حسابا الا اذا كانت مصلحتها تتطلب ذلك، ايران هي من فجر المرقدين، هي من قتل الحكيم والجلبي، وقبلهم الخوئي، وهي تذرف الدموع، كمن يقتل القتيل ويمشي في جنازته.

إن العراقيين «سنة وشيعة» هم أعرف الناس بايران. إن العرب الاحواز من الشيعة وقلة من السنة، ومع ذلك تعلق لهم ايران اعواد المشانق كل يوم، لان الشيعي بالمفهوم الايراني ان تكون بلا هوية ولا وطن، لان وطنك هو ولاية الفقيه والدفاع عن ايران لا اكثر.

علي البلوي سبتمبر 1, 2016, 3 ص