اتفاق إيراني تركي يخرج الأكراد من المعادلة ويضمن بقاء الأسد

تخوف تركيا من اقامة الاكراد كيانا لهم أجبرهم على دخول شمال سوريا

منذ عدة أشهر وتركيا تقدم قدما للأمام وترجع أخرى إلى الخلف، وكل صيحاتها وصراخها حول الأزمة السورية، كان مرتبطا بشكل دائم بحراك الجماعات الكردية، حتى عندما تهيأت لتركيا فرصة التفاهم مع السعودية؛ لمحاربة داعش، كانت متخوفة من أن يساهم الامريكان في تعزيز النفوذ الكردي، وضاعف ذلك الهاجس سقوط الطائرة الروسية، حيث بدأت موسكو عمليا في انضاج الدور الكردي، وتغذيته للوصول إلى منبج وجرجاس الحدودية مع تركيا، في وقت حرمت الطائرات الروسية على تركيا الاقتراب من الحدود السورية.

التغيير في الموقف التركي جاء مع ابعاد رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو، والذي ظل مصمما على ضرورة أن تتسم السياسة الخارجية التركية بشيء من اخلاقيات العمل، أي ألا تتراجع تركيا عن مواقفها، رغم ضغط العامل السياسي والاقتصادي، اضافة إلى أن الدوائر الروسية ظلت تؤكد أن قرار اسقاط السوخوي اتخذه اوغلو، وهو ما يعترف به رئيس الوزراء التركي السابق، وهو السبب في خروجه من السلطة، لصالح يلدريم.

رئيس الوزراء التركي «بن علي يلدريم» رئيس قادم من قطاع الهندسة والمقاولات والانشاءات، ولهذا فانه يعمل بواقعية ولا يقيم وزنا للقضايا الإعلامية والاعتبارية السياسية، فهو يصمم ويحضر المواد وينفذ، ولهذا اختصر الطريق على رئيسه اردوغان بالتراجع المحرج عن قراراته السياسية، سواء كان ذلك بالموقف من إسرائيل او الموقف من الأزمة السورية، حيث أعلن يلدريم قبيل الانقلاب الفاشل، بانه بصدد تصفير المشكلات مجددا مع سوريا وإسرائيل وروسيا، وكانت هناك مؤشرات واتصالات ولقاءات سرية ساهمت في إذابة الجليد التركي الروسي، أما مع إيران فيبدو ان الاتراك والايرانيين على الرغم من الاختلافات السياسية والدينية، اكتشفوا انهم الخاسر الرئيس من الأزمة السورية، وتحديدا اذا ما تمت فعلا تجزئة سوريا، فتركيا متخوفة من ان الامريكان يعملون سرا مع الاكراد لاقامة كيان كردي، فيما تراقب ايران ارتفاع وتيرة الاحتجاجات والمطالب الكردية في مهاباد الكردية الايرانية.

الملفت ان دراسات وتحليلات وتصريحات بدأت تصدر بأن سوريا لن تظل كما هي عليه إثر ولادة سايكس بيكو، وانها مجزأة عمليا بين الكرد والعرب والعلويين، وان هناك أحاديث حول اقامة دولة علوية كبرى تشمل علويي تركيا، وهذا الأمر اثار فزع تركيا وايران معا، رغم ان ايران كانت منخرطة في تعزيز المشكلات التركية.

زيارات مكوكية عديدة قطعها حقي فيدان، مدير الاستخبارات التركية، بين انقرة وموسكو وطهران، وهناك اشارات إلى لقاءات سورية تركية تمت في طهران وموسكو أيضا، تم الاتفاق فيها على وحدة الأراضي السورية، ومنع قيام كيانات كردية، وتجفيف منابع ومنافذ الارهاب عبر الأراضي التركية، ودعم التسوية السياسية في سوريا، جعلت الأسد منضبطا وأكثر هدوءا بعد انقلاب تركيا الفاشل، حيث التقط الأسد المعلومات، وبدلا من أن يشمت باردوغان، رفض دعم الانقلاب الفاشل واعتبره اعتداء على الشرعية، لا ومنع استقبال قيادات عسكرية كان متوقعا نزوحها باتجاه سوريا، عندما طلبوا اذنا بدخول الأراضي السورية، جعلت الرئيس التركي اردوغان يعتبر هذا الموقف شريفا أكثر من المواقف الامريكية والغربية.

الأكراد في العراق واقعون تحت عصا الرحى التركية والايرانية، فحزب الاتحاد الوطني الكردستاني التابع لجلال طالباني مقرب من إيران، والحزب الديمقراطي الكردستاني التابع لمسعود برزاني مقرب من تركيا، وفي ظل التفاهم الايراني التركي، فان على كردستان العراق أن تدعم موقف تركيا وإيران باتجاه ما يحول دون قيام كيان كردي في سوريا، ولهذا جاءت لقاءات بن علي يلدريم مع رئيس اقليم كردستان مسعود برزاني مؤخرا في قصر «جان قايا» بانقرة، فيما قام رئيس وزراء اقليم كردستان السابق نائب الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني، برهم صالح، بزيارة طهران، والتقاء نائب رئيس الجمهورية الايرانية اسحاق جهانجيري، مؤكدا في لقائه بجهانجيري «إن ايران تعتبر حليفا استراتيجيا لنا، وقال: إن العلاقات مع الجمهورية الاسلامية الايرانية تحظى بأهمية خاصة بالنسبة لاقليم كردستان العراق».

عملية «درع الفرات» كما أعلنت عنها انقرة تستهدف تأمين الحدود التركية، خاصة بعد سلسلة التفجيرات الارهابية الأخيرة، وايضا منع قوات سوريا الديمقراطية من السيطرة على منطقة جرابلس الحدودية والاستراتيجية، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وتأمين شريط حدودي للقضايا الإنسانية، حيث سيتم منع حالات لجوء جديدة الى تركيا، وهذه الاهداف تعني مواجهة تنظيم داعش والاحزاب الكردية التي تعتبرها انقرة ارهابية، حيث ان تركيا تعيش فعلا هاجس تغيير في الجغرافيا السياسية على حدودها. وبيّن الرئيس التركي أن بلاده لن ترضى بالمكيدة التي يُراد تنفيذها في سوريا، ولن تقبل بفرض الأمر الواقع، مؤكّدا أنهم سيستخدمون جميع الإمكانيات لحماية وحدة الأراضي السورية، بما في ذلك تولي الأمر بشكل فعلي في حال الضرورة.

الزيارة المفاجئة التي سيقوم بها الرئيس الروسي بوتين الى تركيا لحضور مباراة ودية بين فريقين تركي وروسي، ليست سوى رسالة دعم روسية للرئيس التركي اردوغان، ورسالة خارجية حول ابعاد العلاقة التركية الايرانية، مثلما ارسلت موسكو رسائل حول استخدامها لقاعدة عسكرية ايرانية، وتأكيد ايران وروسيا مجددا على تعاونهما العسكري، الأمر الذي يوحي بأن ثمة متغيرات جديدة في المنطقة فرضها بشكل رئيس التباطؤ الامريكي والتراجع والانسحاب من المنطقة.

هل ستفرض موسكو وانقرة وطهران وضعا جديدا في سوريا، فالزيارات المكوكية التي قام بها مستشار الرئيس الروسي نائب وزير الخارجية بوغدانوف الى المنطقة ولقاءاته باقطاب المعارضة السورية، وزيارته المملكة ولقاء ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتراجع عن تصريحات القائم باعمال السفير الروسي في صنعاء، والتأكيد الروسي على دعم الشرعية اليمنية، تؤكد أن روسيا تعمل بقوة على فرض منطق احترام القانون الدولي، والحيلولة دون التدخل الخارجي في احداث التغيير السياسي بالقوة، وان موسكو التي ترى أن العالم الغربي يجب أن يتفهم ولادة نظام تعددية دولية جديدة، وان على الطرف الأمريكي أن يعلن أنه وخلال السنوات الماضية منذ التسعينيات فشل في ارساء نظام العدالة الدولية، بعد سلسلة حروب غير مكتملة في المنطقة.

هذه المعطيات ستكون لها آثارها السلبية على المعارضة السورية، خاصة وان تركيا بدت أكثر واقعية في البحث عن مصالحها القومية، في ظل تردد امريكي، وشكوك متبادلة وعدم ثقة بين الطرفين التركي والامريكي، فاغلاق الحدود ومواجهة داعش والاكراد، وقطع الامدادات، سيكون وضعا أفضل للرئيس السوري بشار الأسد، على الرغم من الاعلانات التركية، بأن على دول المنطقة ان تقبل بالامر الواقع وان تتعامل الى حين مع الواقع السوري، الامر الذي يجعلنا فعلا امام تحولات جديدة، قد تؤدي الى قيام الاسد بزيارة تركيا وزيارة وزير الخارجية التركي الى دمشق.

المعارضة السورية التي استطاعت ان تكون مؤثرة في حلب مؤخرا، والتي قادت عمليا لمثل هذه التوجهات والتحالفات، ظلت دائما تنتظر موقفا امريكيا أكثر ايجابية من الماضي، وهي اليوم وقد اغلقت امامها المنافذ المختلفة، من تركيا والعراق، ولم يبق امامها الا المنفذ اللبناني ويسيطر عليه حزب الله والمنفذ الاسرائيلي والاردني في المنطقة الجنوبية، حيث يتخوف الاردن من حلب جديدة على حدوده هذه المرة، أما المنفذ الوحيد والذي ظل عاملا دون واسطة، فهو المنفذ الرباني وقناعة السوريين، بأنهم وفي ظل هذه التضحيات لن يتراجعوا تحت وقع الواقعية السياسية الجديدة في المنطقة.

علي البلوي أغسطس 26, 2016, 3 ص