الأمم المتحدة في اليمن..

تناقضات في السلوك بتعاونها والانقلابيين بما يخالف القرارات الصادرة عنها

عاشت الامم المتحدة في السنوات الاخيرة، اعاقة شبه تامة، فقد لعبت دورا في تبرير العدوان على العراق، واحتلاله، ولعبت دور شاهد زور في اليمن، وظلت في سوريا تبحث عن بصيص دور برتوكولي، على هامش التفاهم الامريكي- الروسي، وظلت مؤسساتها عاجزة عن القيام بمهماتها لولا الدعم غير العادي الذي تقدمه لها السعودية ودول الخليج.

ظلت عاجزة لانها لم تنتصر لكرامتها وارادتها وقراراتها الصادرة عنها، الامر الذي جعل الامين العام للامم المتحدة بان كي مون يعبر عن قلقه دائما دون النظر الى هيبة المؤسسة الدولية التي باتت عرضة للتحدي من فئات انقلابية تساوم على المرجعيات الدولية لحل الازمة اليمنية، وجدت في ظل احكام الحصار البري والجوي والارضي عليها، بأن تعمل على اثارة المجتمع الدولي عبر استهدافها المؤسسات ذات الطابع الانساني واستعمالها كغطاء لاداء مهماتها القذرة في اليمن، استخدام بيوت وسفارات دول العالم للاختباء وعقد اللقاءات والاجتماعات.

كانت خطة الاتقلابيين اللعب على مشاعر الرأي العام الدولي، تساندهم وسائل اعلامية مسمومة ومكشوفة الاهداف، ذلك لانها موقنة بأن المجتمع الدولي يساند الشرعية، وان لا مجال امامها سوى الاضرار بسمعة ومكانة هذه الشرعية، وحرف الانظار باتجاهات ذات طابع انساني، غير ان العالم والمجتمع الدولي لم يتوقف عند سياسة الحصار والتجويع التي تمارس للمدن اليمنية، وابرز مثال على ذلك محاصرتهم لمدينة تعز، ومنع مرور المساعدات الانسانية لها، ومصادرتها وبيعها في السوق بمبالغ مضاعفة، اضافة الى تجنيدهم الاطفال، واستخدام مستودعات المؤسسات الانسانية كالمستشفيات والمدارس وبيوت الرعاية ودور الايتام، كغطاء لنشاطاتهم واعمالهم السرية.

ان قوات التحالف العربي لديها احداثيات دقيقة لاهدافها، وان هذه الاحداثيات تتم مراجعتها، بخبراء عسكريون من الجيش الوطني اليمني والاستخبارات اليمنية التابعة للشرعية، وايضا يجري التأكد منها عبر استخبارات بشرية ميدانية، ناهيك عن الدور الكبير للتقنية في تحديد ماهية الاهداف وطبيعتها ودقتها ايضا، وعليه فان عنصر السلامة وارد جدا في اعمال التحالف العربي، وان معلومات دقيقة وردت لقوات التحالف عن مناطق اقامة قيادات حوثية واقامة علي صالح، وجرى التجاوز عنها لانها اماكن ذات صفة انسانية، كالمستشقيات، ودور العبادة، ومدارس اتخذوها وسيلة للابتعاد عن استهداف قوات التحالف لهم.

ان المملكة ومنذ بداية معركة استعادة الشرعية في اليمن عملت في اطار الشرعية الدولية والعربية والشرعية اليمنية، محصنة نفسها والتحالف العربي بالقرارات الدولية، وحددت منذ البداية قواعد الاشتباك الرئيسة، ولم تمانع من التنسيق الشامل مع الامم المتحدة ومؤسساتها والهيئات الدولية، فيما يتعلق بالجوانب الانسانية، غير ان هذه الجوانب استغلت من القوى الانقلابية للتزود بالسلاح، حيث اضطرت المملكة إلى فرض رقابة صارمة على المساعدات الانسانية وان تتم مراقبتها ومعاينتها قبل الذهاب الى اي منطقة في اليمن.

كما لم تتوقف الامم المتحدة عن قيام الانقلابيين باطلاق سراح قادة التنظيمات الارهابية في اليمن والتعاون معهم وتزويدهم بالسلاح، لدفع المجتمع الدولي لوضع محاربة الارهاب كأولوية، مثلما فعل بشار الاسد في سوريا، بينما قدمت المملكة للامم المتحدة معلومات كافية حول سير العمليات في اليمن، حيث أكد سفير المملكة في الامم المتحدة الدكتور عبد الله المعلمي أن «السعودية زودت الأمم المتحدة بكل المعلومات اللازمة حول سير العمليات في اليمن، والاحتياطات التي اتخذتها دول التحالف لمنع أو الحد من الإصابات بين المدنيين عموماً والأطفال خصوصاً».

ولعل ازدواجية الامم المتحدة وسلوكها المتناقض بمخاطبة الانقلابيين، وممن صدرت بحقهم قرارات دولية، واعتبارهم طرفا رئيسا يجب التعامل معه، يؤكد بأن الامم المتحدة فقدت هيبتها ومكانتها، عندما بدأت الاتصال بالانقلابيين والتعامل معهم بدلا من الدفاع عن القرارات التي صدرت عنها ودفعهم لاحترامها وتنفيذها، فقد اتهم نائب رئيس الوزراء اليمني وزير الخارجية عبدالملك المخلافي رئيس وفد الحكومة اليمنية إلى مشاورات الكويت، في تصريحات سابقة، الأمم المتحدة بمخاطبة الانقلابيين الحوثيين في اليمن، بصفتهم المسؤولين، خلاف القرار رقم (2216)، والصادر تحت البند السابع، وقال «بدلاً من أن تتجه الأمم المتحدة إلى وضع السبل لتنفيذ القرار رقم (2216)، والذي يدين ممارسات الحوثيين بوضوح وانتهاكاتهم لحقوق الإنسان بوجه العموم وحقوق الأطفال على وجه الخصوص في اليمن، راحت لتحاول إدانة قوات التحالف العربي التي تحاول تطبيق القرار».

وأشار المخلافي إلى أن الأمم المتحدة لا تتواصل بعدالة ومساواة مع جميع المناطق اليمنية، بل: «للأسف، الأمم المتحدة لا تتواصل مع جميع المناطق اليمنية، بما في ذلك العاصمة المؤقتة عدن، ولا تتواصل مع المنظمات المدنية والحكومية في تعز، ولكن يتوقف تواصلهم مع الناشطين الحوثيين والانقلابيين الموجودين في العاصمة صنعاء»! واضاف المخلافي: «بعد أن سيطر الانقلابيون على مقر وزارة الخارجية في العاصمة صنعاء، حدثت بعض المراسلات بينهم وبين الأمم المتحدة، والتي خاطبتهم بصفتهم مسؤولين، وهذا يخالف القرار رقم (2216)»

ما يلفت الاهتمام ان دول المجتمع الدولي والتي لها دورها في صناعة وحفظ الامن والسلم الدوليين، ترى بأن المملكة مساهم رئيس في حفظ الامن والاستقرار في المنطقة، وانها تقوم بدور هام في ظل الفوضى التي تجتاحها وفي ظل دعم الارهاب وتمويله من قوى اقليمية، وتشجيعه من قوى دولية، فقد اعلنت وزارة الخارجية الفرنسية في بيان صحفي، أن «باريس تقف خلف الرياض كقيادة عربية مسؤولة في المنطقة، تدعم حق الشعوب في الحياة وفي تقرير المصير، خصوصا في اليمن وسورية، وتؤيد التحالف العربي الذي تقوده ضد ميليشيات الحوثي في اليمن، كما تتفق القيادة السياسية في البلدين على أن عملية الانتقال السياسي في سورية يجب أن تتضمن بوضوح أهمية رحيل الأسد عن السلطة».

ان الموقف الروسي الاخير الذي جاء على لسان القائم بالاعمال الروسي في صنعاء وتعبيراته حول المجلس السياسي، والمتناقضة والموقف الرسمي الروسي الداعم للشرعية، والذي عبر عنه الوزير سيرجي لافروف في لقاء سابق مع نائب رئيس الوزراء اليمني وزير الخارجية عبد الملك المخلافي، والذي كان في حينه ضربة مؤلمة للانقلابيين ولايران التي كانت تتحدث عن احتمالية تدخل روسي ايراني مشترك في اليمن، ونفته موسكو، يأتي في اطار مجموعة الصراعات الدولية والاقليمية التي وجدت موسكو نفسها فيها، حيث حذرت المملكة من الانغماس الروسي في الازمة السورية، ومناصرة طرف على حساب الآخر، لكن هذه الاشارات تأتي في توقيت تسعى فيه موسكو الى عودة المفاوضات السورية السورية في جنيف، ولعل لقاء نائب وزير الخارجية الروسي في الدوحة مع قيادات في المعارضة السورية، يأتي في اطار لملمة روسيا للاوراق الفاعلة والمؤثرة في الازمة، والتوقعات بتصاعد العنف في سوريا وتحولها الى افغانستان اخرى، وهو ما يثير حفيظة الروس، ويجعلهم مستعجلين في حسم الازمة السورية، في ظل حرب غير عادية تجري في حلب هذه الفترة، وعليه فان الموقف الذي عبر عنه القائم بالاعمال الروسي في صنعاء يأتي في اطار استجداء الموقف السعودي والخليجي لدعم عقد لقاءات جديدة بين السوريين.

ان المملكة والتي كرست جهودها لحفظ الامن والاستقرار الاقليمي والدولي، والتي وجدت في الامم المتحدة بعض السلوكيات المزدوجة، لتؤكد دائما بانها باقية على احترامها وتعهداتها الدولية، ومكاشفتها المجتمع الدولي، واستقبالها الوفود الاممية للاطلاع على سير العمليات العسكرية وضوابطها وشروطها، مثلما على الامم المتحدة مسؤولية الاطلاع على كيفية استغلال الانقلابيين هذا التعاطف، واطلاقهم الصواريخ المهددة لاستقرار بعض المدن والقرى الحدودية، وكذلك تخزين الانقلابيين السلاح في المدارس، ومقرات الهيئات الانسانية والسفارات الاجنبية، وان على الامم المتحدة ان تكون أكثر وضوحا في تعاملاتها والقوى الخارجة عن الشرعية وفقا للقرارات الدولية الصادرة عنها، بدلا من اعتماد تقارير مزيفة وفاقدة للموضوعية والمهنية صادرة عن منظمات وهيئات مقربة من الانقلابيين، كما ان على الامم المتحدة ان تبدي اهتماما بالجانب الانساني في سوريا، في استخدام الغازات السامة وقنابل النابالم التي هددت الحياة البشرية لمجتمع مدينة حلب، وان تضفي طابعا من الاتزان في اعمالها الدولية، بدلا من التركيز على الازمة اليمنية فقط.

علي البلوي أغسطس 19, 2016, 3 ص