السعودية وقطع العلاقات مع إيران

كان قطع السعودية علاقاتها الدبلوماسية مع ايران ردًا على مهاجمة المتظاهرين الإيرانيين سفارتها في طهران وقنصليتها في مدينة مشهد بعد حكم «الإعدام» في حق 47 شخصاً أدينوا بالإرهاب والقتل والخطف والتحريض والذي كان من بينهم نمر النمر الذي دانت إيران إعدامه، خطوة تندرج في اطار ايقاف التدخل الإيراني في شؤون المنطقة. حاولت الرياض طوال الفترة الماضية حل هذا الملف عبر الطرق الدبلوماسية والحوار ولم يأت هذا القرار- اقصد قرار قطع العلاقات الدبلوماسية- الا بعد عقود من الصبر السعودي على سياسات إيران الداعمة للإرهاب في المنطقة والتدخل في شؤونها الداخلية والسعي لزعزعة امنها واستقرارها وعدم الالتزام بحماية مقارها الدبلوماسية. لكني اعتقد ان جوهر المشكلة مع ايران عميق ويكمن في امرين رئيسين:

الامر الاول تعسر التحول من الشرعية الثورية الى الشرعية الدستورية. فايران لا تزال تتعامل كنظام ثوري لم يستطع التحول بعد الى دولة طبيعية ملتزمة بما تلتزم به أي دولة طبيعية من احترام للحدود الدولية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وهذه الثورية حولت الى نصوص دستورية، ففي مقدمة الدستور الايراني ينص «إن الدستور يعدّ الظروف لاستمراريّة هذه الثورة داخل البلاد وخارجها، خصوصاً بالنسبة لتوسيع العلاقات الدولية مع سائر الحركات الإسلاميّة والشعبيّة حيث يسعى إلى بناء الأمة الواحدة في العالم ..... ويعمل على مواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة في جميع أنحاء العالم. وتأكيدا لهذه الشرعية الثورية فقد سمى الدستور أعلى منصب في البلاد «القائد الأعلى للثورة الإسلامية»، ولم يسمّه «القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية». وبالتالي فطهران ترى بموجب الدستور ان التدخل في الشؤون الداخلية للدول وزعزعة امنها واستقرارها تحت غطاء انقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة في جميع انحاء العالم جزء من طبيعتها ومن واجبها والاساس الذي تستمد منه شرعيتها. نتج عن هذه الثورية استهانة ايران بسيادة الدول، وتجاهلها للاتفاقيات والأنظمة الدولية، وعدم تعاونها مع المجتمع الدولي، والسير دائما في اتجاه المصادمة والدخول في مواجهات مع الدول دون مراعاة لمعادلات الواقع الدولي، بمعنى اخر الشرعية الثورية هي استراتيجية التغير الجذري او نقطة اللاعودة.

الامر الثاني تعسر التحول من ولاية الفقيه الى ولاية الشعب. ولاية الفقيه هي الغطاء الشرعي لاستمرارية الثورة. فهي لا تختلف تماما عن النظام البابوي في العصور الوسطى الذي كان يتعامل معه بوصفه ممثلا للرب ووكيلا عن المسيح. فوفقا للدستور الايراني تنص المادة الخامسة «في زمن غيبة الإمام المهدي تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر؛ الشجاع القادر على الإدارة والتدبير» وفقاً للمادة 107. ووفقا للدستور ايضا فإن الفقيه (المرشد الأعلى للثورة الإسلامية) له الحق في قيادة الامة (الشيعية) باعتبار ان الحاكم الشرعي الاصلي وهو المهدي غائب. أي إن كل شيعي على مستوى العالم يكون ولاؤه الأول والأخير للمرشد الأعلى للثورة الاسلامية. وبالتالي حولت إيران الطائفية إلى نصوص دستورية من خلال تحويل شيعة العالم (من يؤمن منهم بمبدأ ولاية الفقيه) الى اجندة تحت ظل ولاية الفقيه، شكلت منهم تنظيمات مسلحة وشكلت منهم خلايا تجسس، شكلت منهم مليشيات عسكرية وحركات يكون ولاؤهم للولي الفقيه على حساب وطنيتهم وترابهم الطاهر. وبالتالي لم تستطع ايران طوال الفترة الماضية تحويل دولة ولاية الفقيه، الى دولة أجندة وطنية بثقافة شيعية وطنية بل كما قلت كرست مبدأ الولاء لأحكام الولاية العامة للفقيه على حساب مبدأ الولاء للوطن.

واخيرا انا اعول كثيرا على الجيل القادم في ايران الذي تخلى عن الفكر الثوري وتجاوز مفاهيم الثورة وعندهم ايمان ووعي حقيقي بالفكرة الوطنية ومفهوم الدولة. ولقد كانت احتجاجات الانتخابات الرئاسية الإيرانية والتي تسمى أيضاً بالثورة الخضراء في 2008 مؤشرا حقيقيا لهذا التحول الثقافي والسياسي لدى الجيل القادم الذي يتطلع الى تنمية حقيقية على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية الى علاقات طبيعية مع العالم. وكما قلت انا متفائل بشكل كبير بالجيل القادم في ايران وبالتالي لا بد من مد جسور من التفاهم والتواصل معهم وإشراكهم في الندوات والنشاطات وتخصيص بعض اللقاءات للحوار معهم.

د. ابراهيم العثيمين يناير 8, 2016, 3 ص