تحديات سوق العمل في الخليج العربي

أراكَ على نهجِ البطالةِ ساعيا

متى كُنتَ يا قلبي عن الرشدِ غاويا

ألستَ فؤادي سابقا قد وعدتنى

بتركِ اتَّباعِ اللهوِ، هل كنتَ ناسيا؟

لا شك في أن التطورات السياسية والاقتصادية في المنطقة والعالم قد أدت إلى حدوث منعطف بارز الأهمية في سوق العمل الخليجي، الذي يسعى بدوره إلى إقامة اقتصاد معرفي، هو بحاجة إلى كفاءات وطنية ماهرة تحقق التنمية المستدامة والمعتمدة على الذات.

وبما أن المفاهيم الحديثة للتنمية الاقتصادية ترتكز على تحسين إنتاجية الفرد من خلال تمليكه القدرات الأساسية للإنتاج وتحقيق الذات، فإن العمل هو عنصر أساس من عناصر الإنتاج، وبالتالي التنمية الاقتصادية.

وقد تفاقمت تحديات سوق العمل إلى درجة تهدد وجود دول المجلس، وتتلخص هذه المخاطر والتحديات في (1) ضغف النظام التعليمي وعدم مواءمة مخرجات التعليم مع حاجة سوق العمل، و(2) تذبذب أسعار النفط والاعتماد شبه الكلي على النفط وصناعة البتروكيماويات، و(3) تدني نسبة مشاركة العنصر النسائي في سوق العمل، و(4) ازدياد العمالة الوافدة ضعيفة المهارات والتدريب، و(5) ضعف وعجز السياسات العمالية غير المتلائمة مع احتياجات اقتصاد دول المجلس، و(6) انصراف المستثمرين في القطاع الخاص إلى أنشطة غير منتجة ولا تحقق قيمة مضافة.

تبلغ أعداد العاملين الوافدين في دول مجلس التعاون 24 مليون عامل جلهم غير مهرة، يشكلون ما يقارب 34% من السكان، لكن معدل نسبة المواطنين العاملين إلى القوى العاملة مخيفة جدا، حيث لا تتجاوز أكثر من 7.5%.

وتتصدر قطر النسبة الأقل، إذ تبلغ نسبة المواطنين العاملين فيها أقل من 3% من القوى العاملة. بينما لا تتعدى النسبة في المملكة 20%.

وفي الغالب، هي نسبة متدنية ومتكدسة في القطاع الحكومي الذي وصل حد التشبع، كما أن نسبتها آخذة في الانخفاض نتيجة زيادة وتيرة استقدام العمالة الوافدة.

وهناك إشكالية كبيرة تتعلق بضعف دور العمالة المواطنة في الاقتصاد المحلي وتزايد عدد المواطنين الباحثين عن فرص العمل، إذ يبلغ عدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص بحسب إحصاءات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بنهاية العام 1434 حوالي 1.4 مليون، مقابل حوالي 7 ملايين ونصف المليون من الوافدين، أي بنسبة 16% فقط من عدد العاملين في القطاع الخاص والخاضعين لنظام التأمينات الاجتماعية.

وبالإضافة إلى هذه الأعداد من الوافدين، هناك حوالي مليون ونصف المليون وافد يعملون في المنازل، ويبلغ السعوديون حوالي 61% من حجم العمل في القطاع العام البالغ أكثر من 1.2 مليون عامل، ويشكو من بطالة مقنّعة.

ويبلغ الكويتيون نسبة 20% من إجمالي القوى العاملة في الكويت البالغة 1.7 مليون عامل في القطاعين العام والخاص (2013).

ورغم تدني نسبة الكويتيين التي بلغت 24% في القطاع العام، إلا أن نسبتهم في القطاع الخاص لا تشكل إلا 4% فقط.

ويبلغ العمانيون العاملون 11.5% من حجم العمل في القطاع الخاص و86% من حجم القطاع العام.

وتُُعزى قلة عمل المواطنين الخليجيين في القطاع الخاص إلى تدني الأجور وغياب المزايا الأخرى وغياب الأمن الوظيفي.

وفي المجمل، يتميز القطاع الخاص بدول المجلس بالسعي لتعظيم مستوى مداخيله في المدى القصير، في الوقت الذي يوجد مشاكل اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى على مستوى دول المجلس.

ومازالت نسب البطالة مرتفعة في دول المجلس، بالرغم من التحسن البسيط الذي طرأ مؤخراً، فقد أظهرت أحدث البيانات الصادرة عن مصلحة الإحصاءات العامّة والمعلومات أن معدل بطالة السعوديين، قد تراجع إلى 11.7% بنهاية 2013 (6.1% للذكور، 33.2% للإناث)، مقارنةً بنحو 12.1% عن 2012 (6.1% للذكور، 35.7% للإناث).

كما أن ضمن الأعداد الكثير ممن وظفوا بشكل وهمي، من دون أي عمل فعلي. ويزيد المشكلة، أن دول المجلس تشهد نسبة عالية من النمو السكاني تبلغ 3.7% سنويا، إذ من المتوقع أن يدخل حوالي 400 ألف مواطن سنويا سوق العمل في السعودية وحدها.

ومن تحديات سوق العمل في الخليج العربي، تدني مشاركة العنصر النسائي في القوى البشرية المشاركة في العمل، وتشير بيانات المكتب الإقليمي للدول العربية التابع لمنظمة العمل الدولية إلى تدني مشاركة الإناث في القوى العاملة بالمنطقة.

إذ إنه في الوقت الذي تشكل النساء في دول مجلس التعاون الخليجي 38% من إجمالي القوى العاملة، لا تتعدى نسبة المواطنات الخليجيات العاملات 31%، مقابل متوسط عالمي يبلغ 51%.

وقد بلغ عدد النساء السعوديات العاملات في القطاع الخاص أقل من 400 ألف (حوالي 28% من العاملين المواطنين في القطاع الخاص).

وبالنظر إلى الأعداد المتصاعدة من النساء الراغبات في الحصول على وظيفة، نتيجة ارتفاع ضغوط الحياة المعيشية، فإنه من المتوقع أن يسبب هذا مشكلة البطالة بشكل أكبر، خاصة في ضوء تزايد مخرجات برنامج خادم الحرمين الشريفين من الإناث.

كما برز في الآونة الأخيرة تحد آخر يتمثل في تزايد الضغط الدولي على دول المجلس سواء من قبل منظمة العمل الدولية أو المنظمات المعنية بحقوق العمال وتوجيه اتهاماتها بانتهاك حقوق العمال وممارسة التمييز، وهو ما أوقع دول المجلس أمام تحديات خطيرة تهدد بفتح باب للتدخل الدولي ليس في قضايا التنمية الخليجية فحسب، بل وفي تركيبة مجتمعاتها السكانية والثقافية والاجتماعية. ولعل أبرز الأنظمة في سياسة العمالة الوافدة الذي يثار حوله الكثير من الانتقادات هو نظام الكفالة، حيث يعتبره كثير من المراقبين استغلالا للوافدين.

ويوجد إشكالية قانونية فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان، ورغم الجهود في هذا الصدد، فقد دعت بعض الدول المصدرة إلى وضع حد أدنى من الأجور وأنظمة لحماية العمالة، ما دفع بعض دول المجلس إلى حظر استقدام العمالة المنزلية من بعض الدول كرد فعل.

ويشكل الاعتماد على سوق النفط والغاز والصناعات البتروكيماوية في دول الخليج العربي إشكالية أخرى، حيث نما لديها اقتصاد ريعي، نما حوله قطاع خاص جله يعمل في النظام الزبائني المجزأ، ويعتمد على إعادة تدوير الريع.

فقد بلغ إجمالي إيرادات النفط أكثر من 92% من إجمالي الإيرادات الحكومية في كل من السعودية والكويت.

وفي عمان وقطر يشكل النفط والغاز 85% من دخل الحكومة، بينما تنخفض نسبة إيرادات النفط الحكومية في كل من البحرين (70%) نظرا لقلة مواردها النفطية، والإمارات (40%) نظرا لنجاحها النسبي في تنويع مصادر الدخل لديها. ومما يعقد هذه المسألة أنه لا مناص من مواجهة الحقيقة الساطعة التي تتمحور حول قصر عمر الثروة النفطية، وأن مصيرها يتسارع نحو النضوب.

تتركز جهود حكومات دول المجلس حول تقليص اعتمادها على العمالة الوافدة، بدلا من أن تركز على انتاج عمالة محلية منتجة وأن تصنع وظائف مجدية لمواطنيها. لذلك فإن خطط التوطين المتبعة من قبل دول المجلس في غالبها لن تحل مشكلة البطالة.

فخفض أعداد الوافدين ولو بنسب عالية سوف يسهم بالتأكيد في حل كثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، لكنه لن يسهم في حل مسألة البطالة، إذ أن هناك عدم تجانس بين قدرات وكفاءات المواطنين والأعمال التي تشغر بذهاب الوافدين.

كما أنه من المتوقع نتيجة خفض العمالة الوافدة أن ترتفع أسعار السلع والخدمات في المهن التي يشغلها الوافدون.

يبدو أن هناك اتفاقا بين كل الباحثين والمفكرين أن الحل الجذري لمشاكل سوق العمل في المنطقة يكمن بالدرجة الأساس في التعامل مع الأسباب الحقيقية للبطالة، وهي الخلل الجذري في سوق العمل.

ومن الأهمية بمكان التركيز على جودة نظام التعليم الحكومي الذي يضخ ملايين المواطنين إلى سوق العمل. فلابد من العمل على تأصيل العلم والمعرفة، وإنماء التقنية المطلوبة للإنتاج والبحث العلمي على المستويين المحلي والعالمي، مما سيؤدي بشكل مباشر إلى رفع المستوى الإنتاجي والمادي والإداري والفكري للفرد والعائلة والمجتمع، نتيجة تخريج قوى بشرية عاملة تنافس على المستوى العالمي.

ورغم التحسن الطفيف في جودة التعليم العام في المملكة، الذي رصدت له ميزانية مقدارها 120 مليار ريال للعام 2014، فنحن بحاجة لمراجعة المنظومة التعليمية بكاملها وتحديثها، ومنها جودة المدرسين والتركيز على التفكير النقدي والإبداعي.

وفي الوقت الذي نفذت فيه المملكة برنامجا طموحا في ابتعاث آلاف المواطنين للدراسة في الخارج عبر برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث، اتجه بعض دول المجلس الأخرى نحو استيراد فروع لجامعات غربية على أراضيها بلغت أكثر من أربعين فرعا.

من المهم تشجيع انتقال القوى البشرية الخليجية بين الدول الخليجية، فلدى دول المجلس كفاءات ومهارات يجب تهيئة مناخ العمل لها.

فلو أخذنا مثلا برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي الذي بلغ مجموع مخرجاته أكثر من خمسين ألفا خلال السنوات القليلة الماضية، كما بلغ عدد المبتعثين فيه أكثر من 150 ألف طالب في شتى التخصصات العلمية والهندسية والإدارية في جامعات عالمية جيدة.

وفي ظل عدم قدرة سوق المملكة على استيعابهم، فإن السوق الخليجية قد تكون المستفيدة الأولى من هذه الكفاءات لسد النقص لديها وتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة.

ولو اتفقت دول المجلس على معاملة المواطن الخليجي على قدم المساواة في الواجبات والحقوق مع العمالة المحلية في الدول الخليجية المضيفة، لساعد ذلك على الهجرة البينية بين دول المجلس بما يحقق توازنا أفضل في سوق العمل ويقلل البطالة ويساعد على توطين الوظائف، ويدفع دول المجلس نحو التكامل والوحدة المنشودة.

إن أكبر تحد اقتصادي اجتماعي حقيقي للنظام الخليجي ولسنوات وعقود مقبلة هو زيادة نسبة مشاركة العمالة الوطنية في القطاع الخاص، وبناء عليه، فإن المنطقة بحاجة إلى تحول جذري ينقلها من اقتصاد متقلب ومنغلق نسبيا، يعتمد على القطاع العام والعمالة الأجنبية الرخيصة، ويرتكز على النفط، إلى اقتصاد منفتح ومستقر وقائم على المعرفة والإبداع، ومتنوع يقوده القطاع الخاص، ويعتمد على القوى البشرية المحلية.

د. محمد الخالدي سبتمبر 1, 2014, 3 ص