في زمن الطيبين كما يقال كان الجار يعرف تفاصيل جيرانه؛ ويأنس برؤيتهم على الدوام ويجتمع معهم في مختلف مناسباتهم، وﻻ يكاد يمر أسبوع إﻻ وللجيران موعد مع مناسبة تجمعهم بعفوية ﻻ تكلف فيها، يلعب الأبناء مع الأبناء، ويتسامر اﻵباء في مجالس ترفرف عليها بيارق البساطة والصدق والمروءة.
في ذلك الزمن كان الجار كالوالد يعتني بجيرانه إذا غاب عائلهم لظروف عمل أو سفر طارئ، وكانت الجارة تبذل كل معروف لجاراتها؛ وكنا ﻻ نعدم في ذلك الوقت من صحن قادم من جيران، ومثيله خارج إليهم وكل من الطرفين يريد أن يشرك جاره في ألذ ما أنتجه مطبخهم في ذلك اليوم.
في المناسبات العامة كالعيدين ورمضان والزواجات كانت الاجتماعات العائلية باذخة بقصص، وحديث لا تمل الأذن سماعه، ومن أبرز الأحاديث الدائرة في اللقاءات الأسرية حديث عما تم في مناسبات العيدين في كل حي من الأحياء يذكر ساكنوه ما أنجزوه في تلك المناسبة.
أتذكرون يا بني جيلي تلك الوﻻئم الممتدة على طول زقاق الحي في العيد، وأهل الحي كلهم مجتمعون على الطعام يتبادلون الأحاديث والتهاني.
كيف غاب ذلكم المنظر الجميل؟
كم هو رائع ما كنا نعايشه ونحن صغار، وما كان يتحدث به آباؤنا عن تلكم العلاقات اﻻجتماعية الخلابة بلغة الفخر، وكأننا في ورشة عمل عفوية تسرد خلالها التجارب.
نحن مسؤولون كآباء ومربين وأهل رأي ومجتمع واحد عن عمل مراجعات لواقعنا مع وسائط التواصل الاجتماعي في ذلكم الزمن كان اﻵباء حريصين على استقامة أبنائهم، وحفاظهم على الفريضة في المسجد فتجد الأب ذاهبا إليه واﻷبناء أمامه.
وكان اﻵباء يحرصون على تعلم أبنائهم علوم الطيب، كالكرم والشجاعة وطرق الترحيب بالضيف، والوفاء، والنخوة، فضلا عن قيمة الجار ومكانته، وصيانته وأهل بيته في غيابه وحضوره وكأني بهم يستحضرون معاني طرقها عنترة في أبياته:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مثواها
في تلك الفترة الراحلة كانت القيم في جثمان رجال يسيرون على الأرض، ترى الصدق والأمانة، والتعاون، وتفقد الأهل والأحباب والتضحية، والصبر على القلة، وضعف ذات اليد، والسؤال عن الجار؛ ومشاركته في فرحه وترحه وصحته وسقمه.
كانت هذه العلاقات الجميلة قبل أن تجتاحنا غارة التقانات الحديثة بمختلف وسائطها، ليتحول حديث اللسان في المجالس إلى حديث الأنامل على شاشات الأجهزة؛ وحتى أصبحت المجالس العائلية فضلا عن مجالس الجيران خرساء بلا لسان، جافة بلا روح مما انعكس على الترهل في العلاقات على مختلف المستويات.
نحن مسؤولون كآباء ومربين وأهل رأي ومجتمع واحد عن عمل مراجعات لواقعنا مع وسائط التواصل الاجتماعي التقاني التي أضعفت تواصلنا الاجتماعي روحيا.
( تشفير)
لفاروق جويدة:
كان الحنين إلى الماضي يؤرقنا
واليوم نبكي على الماضي ويبكينا