(أنا الإمام) هو الإصدار الأول للكاتب والإعلامي السعودي ياسر الجنيد الصادر عن دار الفكر العربي للنشر والتوزيع بالدمام في طبعته الأولى سنة 1432هـ.
وقد جاء هذا الإصدار في شكل (سيرة ذاتية) انتهج كاتبها من خلالها أسلوب المراوحة في سرد الأحداث بين (الكاتب) نفسه حينًا وبين (الراوي) حينًا آخر.
وفي مواضع أخرى من الكتاب يلمس القارئ اندماج شخصية الكاتب بشخصية الراوي إلى حد كبير بحيث تصبحان شخصية واحدة تتعامل مع السياق العام لمسار الأحداث وتفاصيلها برؤية ذاتية أو أحادية منبعها الكاتب نفسه، حيث تكاد تختفي (الثنائية) بين الكاتب وراويه تمامًا في نهاية الأمر ليبقى مسرح الحدث وتناوله والحديث عنه بشكل مباشر ومبسط للراوي -وحده- وخاصة في الثلثين الأخيرين من صفحات هذا الكتاب البالغ عددها نحو (80) صفحة.
وتتضح لنا هذه المراوحة السردية بين الكاتب وراويه الذي اختار أن يطلق عليه اسم (أحمد) في الثلث الأول من صفحات هذا العمل، حيث يقدم للقارئ نبذة يسيرة جدًا عن راويه لتكون بمثابة افتتاحية مناسبة رأى من الضرورة إيرادها في البداية لتعريف القراء بهذا الراوي، وكأنها مفتاح أساسي لا يمكن للقراء بدونه الولوج إلى مضمون النصوص القائم على ترابط الأحداث وتسلسلها مكانًا وزمانًا وعلى معرفة سابقة بالراوي إذ يرد الآتي:
(عاش أحمد حقبة زمنية مليئة بالمتغيرات الفكرية، وفي زمنين مختلفين يتعارك مع ما يجول في نفسه، وما يدور حوله من أفكار ومتغيرات يسير إلى اليمين تارة، ويسافر إلى اليسار تارة أخرى. كل هذا قبل أن يعلن دعوته التي أثارت الكثير من اللغط والاستهجان. بين دفتي هذا الكتاب سنقرأ الكثير من القصص التي يرويها أحمد قبل هذا الإعلان المفاجئ).
وفي الصفحات التالية مباشرة يتنحى الكاتب تمامًا عن القراء، أو عن أن يكون عاملًا وسيطًا بين النص والمتلقي مفسحًا بذلك المجال لراويه كي يسرد عليهم حكاياته عوضًا عنه.
ويظهر لنا هذا التنحي المتمثل في انسلاخ شخصية الكاتب عن شخصية الراوي، فيما جاء تحت عنوان (قبل أن أكون أنا) على لسان الراوي.
بل إن هذا الراوي قد تنحى قليلًا أيضًا هو الآخر تاركًا المجال لغيره ليتحدثوا عنه:
(تقول والدتي: إنني كنت في طفولتي كثير البكاء لا أقوى على الوحدة ولا أسمح بتركي وحيدًا للحظات.. في وقت كان والدي يكد في وظيفته الحكومية طوال النهار، وعندما يعود يتناولان طعام الغداء، وهما يتبادلان الحديث عن وضع المدينة وما جدّ واستجد، أو ما شاهدته والدتي في الأخبار التي تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي. لم تكن هناك قضية تهم مجتمع مدينتي أكثر من تلك القضية فالجميع يتحدث عنها).
وفيما تلا ذلك من صفحات الكتاب يتنحى الكاتب تمامًا من المشهد السردي ليترك للراوي -وحده- سرد الأحداث وتفاصيلها ومكانها وزمانها.
وفي كلتا الحالتين كان أسلوب الكاتب قائمًا على (السرد الحكائي) المباشر المبتعد عن التخييل والترميز أو توظيف (الفانتازيا)، والذي يعتبر في نظر كثير من النقاد ومتذوقي فن الكتابة هو الأسلوب الأمثل والأنسب من غيره من فنون الكتابة الأخرى لأدب (السيرة الذاتية) المعتمد -بطبيعته- على ضرورة أن ينطلق كاتبه من أرض الواقع وفق بعديه الأساسيين (المكاني والزماني).
وإذا كانت (الواقعية) في أبسط صورها هي كما وصفها لنا الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ -رحمه الله- ذات مرة بقوله: (كلما كان الكاتب أكثر تمسكًا بـ(المكان) كان أكثر واقعية) فقد حقق هذا العمل (الواقعية) التي وصفها لنا محفوظ في أبسط تعريف لها والمتمثل في تمسك كاتبه تمسكًا واضحًا بالمكان والزمان كأحد المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها (أدب الواقعية) وإحدى سماته البارزة.
لغة الكاتب كانت واضحة ومباشرة نقلت لنا صورًا متعددة لجوانب مختلفة من مراحل حياته التي مر بها منذ أن كان طفلًا صغيرًا يكاد لا يتجاوز سن الخامسة، ومرورًا بأيام صباه وسنوات شبابه الأولى حتى كبر وبلغ مبلغ الرجال، وأصبح -فيما بعد- زوجًا كعضو في مؤسسته الاجتماعية التي قضى في محيطها وبين أفرادها شطرًا كبيرًا من حياته بأسلوب جميل ورائع ينبئ عن كاتب متمكن من أدوات الكتابة وفنياتها:
(عندما كنت في الخامسة من عمري أتذكر أبناء حارتنا وبنات جيراننا كما أتذكر ألعابنا البريئة وقصصنا المخيفة. كنا نقضي ساعات في أزقة الحارة، وفي بيوتنا، فقد كان كل بيت في الحارة هو بيتًا لنا، نأكل ونشرب ونلعب، بل وحتى ننام في بعض الأحيان هناك كنا نكتسب الحب من بعضنا بعضًن ونهديه لعائلاتنا، كانت البراءة تسيطر على تصرفاتنا والأجمل أننا نتربى جميعنا بمفهوم الحارة…).
وفي مواضع أخرى يستعرض لنا الكاتب على لسان راويه بعضًا من جوانب الحياة الاجتماعية القديمة ومظاهرها التي عاشها وعاصرها وما زالت عالقة بذهنه بالرغم من مرور السنين:
(كان موسم الحج له أهمية خاصة في حياتنا وخاصة نحن -أطفال الحارة- كنا نعرف رغم صغر سننا أهمية هذا الموسم، وتلك الأيام التي يتخللها عيد الأضحى، كان اللباس الجديد يبهجنا، ولكن كان هناك أكثر من اللباس والحلويات. كان هناك تظاهرة اجتماعية فريدة لا تتكرر إلا في العيد، بل حتى قبل العيد نلامس فرحة المتسوقين من القرى المجاورة في سوقنا الشعبي الأسبوعي، والذي ما زلت أحن له وأستذكر أيامه…).
إن الموضع الوحيد في هذا الكتاب والذي تخلى فيه الكاتب عن شيء من واقعيته الفعلية يتمثل لنا فقط في إبرازه لعنصر (الأسطورة) التي لا تخلو منها -عادة- كثير من المجتمعات البدائية ذات التركيبة الاجتماعية البسيطة خلال مراحل نشأتها الأولى، وهو بعكس ما نراه حاليًا في المجتمعات المتطورة؛ إذ قضت الحياة المدنية الحديثة على الجانب الأسطوري في حياة أفرادها، أو لنقل: قللت منه إلى حد كبير.
وتظهر لنا استفادة الكاتب من هذا الجانب في حياته القديمة عبر حديثه عن أسطورة (النباش):
(تدور بيننا أساطير الزمن الجميل، وكان النباش هو إحدى تلك الأساطير، كنا نتناقل قصصه بيننا بكل براءة ليدب الرعب في قلوبنا، وتظهر على وجوهنا علامات الخوف، كنا نروي كيف يأتي هذا الوحش ذو الرجل الواحدة والملامح البشعة في الليل ليخطف الأطفال ويسرقهم من الطرقات، ويذهب بهم بعيدًا إلى اللامكان لكي لا يعودوا مرة أخرى…).
لقد كانت هذه الأسطورة التي أوردها الكاتب هنا بالنسبة لكتابه هذا أشبه ما تكون بـ (الخروج عن النص) كما يسميه (المسرحيون) أو المهتمون بالفنون المسرحية علاوة على ما أضفته من تخييل قلل من حدة السرد وواقعيته وجديتها، وخرج بالقارئ من الواقع وحقيقته الصارمة إلى الخيال وتحليقاته الماتعة بعيدًا عن الواقع وتحررًا من قيوده المفرطة في جديتها وصرامتها.
أما فيما عدا ذلك فقد كان الكاتب متمسكًا بـ(الواقعية) شكلًا ومضمونًا طيلة امتداد صفحات الكتاب، ولم يحد عنها قيد أنملة، وهو الأسلوب الأكثر مناسبة لفن كتابة (السيرة الذاتية) كما أسلفت.
وتأتي أهمية ما تضمنه هذا الإصدار في كونه رصدًا واقعيًا مباشرًا لحياة المجتمع الذي عاش فيه الكاتب، وعلى مدى عقود طويلة من الزمن من جوانب عدة: اجتماعية واقتصادية وسياسية ودينية وثقافية وفكرية... إلخ.
ومن أبرز وأجمل ما يلاحظه القارئ في هذا الكتاب أن مؤلفه لم يقف من الأحداث ومجرياتها موقفًا محايدًا، بل جعل نفسه في خضم هذه الأحداث، وجعل من وجوده جزءًا لا يتجزأ مما يدور حوله محللًا ومفسرًا ومتأملًا ومفكرًا وناقدًا لسلوكيات مجتمعه -أفرادًا وجماعات- منذ نشأته الأولى، ووجوده في هذا المجتمع كواحد من أفراده لسنوات طويلة متأثرًا بالإيجابيات والسلبيات التي مر بها مجتمعه كغيره من المجتمعات الأخرى نتيجة جملة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والفكرية والحضارية التي شهدها إنسان هذا العصر، وأثرت تأثيرًا واضحًا في سلوكه وتفكيره وأساليب معيشته.