لماذا توقفوا عند الرواية الأولى ولم يضيفوا إليها ؟

كتاب الرواية الواحدة: أسباب مختلفة تدفع للتوقف .. ولسنا ملزمين بكتابة الرواية

زكريا العباد وهاني الحجي- الدمام، الرياض

لماذا توقف كتاب الرواية الواحدة عند الرواية الأولى؟ هل هو رهاب تجاوز الرواية الأولى باتجاه عمل أفضل أم ردة فعل سلبية لتعاطي النقاد والكتاب والقراء مع الرواية الأولى؟ هل السبب ذاتي أم خارجي اجتماعي؟

بعض كتّاب الرواية الواحدة يقولون: هل هناك ما يلزم الكاتب أن يستعجل برواية أخرى لكي يرضي القرّاء والنقّاد؟ وهل من الضروري أساسا أن يكتب رواية ثانية إذا لم يكن لديه رغبة في ذلك؟ ألا يكفي أنهم يكتبون أجناسا إبداعية أخرى؟!.

   مواكبة الموجة

  في البدء ترفض القاصة والروائية ليلى الأحيدب أنّ تكون الكتابة  مرتبطة بشكل واحد، فهي  «ليست موضة أو موجة دارجة، الكاتب ليس مطالبا بأن يقدم عدداً معيناً من الروايات كي ينفي عن نفسه تهمة أو يثبت كفاءته وإبداعه!».

وتضيف: ما دام يكتب في أشكال أخرى فهو اختار مايلائم مزاج الكتابة لديه، أنا ضد هذا الإلحاح على شكل الرواية، وكأنها الشكل الرسمي للإبداع، وما سواها مماحكات عابرة! هذا الإلحاح على شكل الرواية خلق لدينا حالة من الاستنفار الكتابي، تحول إلى هاجس جماعي بضرورة أن تكتب رواية كي تكون مبدعا ومواكبا لما يسمى إبداعا! ولن يكتفي بذلك بل لابد أن يثبت الكاتب أنه مازال يمتلك لياقة الرواية فيكتب رواية ثانية وثالثة ورابعة.

  وتؤكد الأحيدب أنّ الكتابة ضد التصنيف وضد هذا الغالب الضيق. لذلك أنا لا أرى ظاهرة تستوجب تبريرا! مايستوجب البحث والدراسة والتبرير هذا النهم غير الواعي للرواية، هذا التعطش النقدي لتصنيف الإبداع وفق خانات مهمة وأكثر أهمية، بحيث إنك أصبحت تسمع دائما أن الكاتب سين أو صاد لديه رواية جاهزة ويبحث عن ناشر، بل كل من مسته الكتابة يريد أن يكتب رواية كي يكون كاتبا مواكبا للموجة! الناقد والشاعر والصحفي والمذيع والمبتعث.. كلهم لديهم رواية! وكأن الرواية وحدها هي الختم الرسمي للإبداع! هذه الأمية يجب أن تصحح، خاصة للكتاب الجدد الذين يعتسفون الكتابة وفق قالب الرواية لأنها هي الشكل الأقرب للضوء!

وتختم الأحيدب بالقول: أما الكتاب الذين عتقتهم الكتابة وانخرطوا في وهم الرواية فهؤلاء لا أمل في محو أميتهم لأن مايكتبونه من روايات ساذج وتقليدي وممل وسهل التنفيذ. خامة الكتابة فاخرة ونادرة، وقلة من يستطيع الحفاظ عليها، بعيدا عن وهم العقل الجمعين هذا الوهم الذي يلح على الرواية كشكل دارج ومهيمن قوي.

    واحدة ورديئة

ويقول الروائي بدر السماري الذي كتب رواية واحدة: لا أرى ذلك عيبا لو كانت رواية خالدة وعلى سبيل المثال نجد أن مارغريت ميتشل لم تكتب سوى «ذهب مع الريح» وهاهي صامدة، تقرأ بعد أكثر من سبعة عقود كأنها رواية جديدة، لكن المعضلة في رواية يتيمة ورديئة فنيا، والمتابع للرواية في السعودية سيجد الأمر تكرر كثيرا خصوصا في فترة ازدهار الرواية أو ماسمي بالطفرة الروائية وكان ذلك قبل عقد تقريبا، الذي حصل أن الكثير جرب كتابة الرواية بسبب الضوء مسلط على الروائيين.

 ويضيف: لهذا كتبت الكثير من السير الذاتية المحرفة التي بنيت على بطل واحد، وكثير منهم اكتفى بذلك لحسن الحظ، كان الكثير منها روايات خالية من التخييل السردي، وبلا قيمة أو مضامين أدبية بل إنها امتلأت بالوعظ والخطاب المباشر. ربما وصل لمبتغاه من الضوء، والبعض الآخر لربما اكتشف أن روايته الأولى لاعلاقة لها بفن الرواية فقرر الانسحاب، وهناك نماذج كتبوا ولعاً في الكتابة، وحين اتاحت لهم الحياة فرصا أخرى انصرفوا لها.

ويؤكد السماري أنّ هذا لايعني أن هناك نماذج لم تنجح في روايتها الاولى ولعلها تتريث في تكرار المحاولة كرواية ابن بخيت «شارع العطايف» أو حزام ابو دهمان أو بنات الرياض لرجاء الصانع. مازلت أتامل رواية ثانية منهم، وأعتقد أنهم سيتريثون كثيرا قبل إصدار الرواية الثانية وربما لايفعلون.. لا أدري بصراحة، الروائي الذي يكتب نصا حديثا فيه الكثير من التخييل السردي سأنتظر منه الجديد، أما من كتبوا رواية رديئة فأفضل ألا يعيدوا الكرة إلا أن بذلوا الحد الأدنى من الجهد الادبي، لكن الجميل في الأمر أن من سيكتب الرواية الأولى، وبعد انسحاب الضوء من الرواية، فهو يكتب حبا في الفن والرواية، لن تتكرر مسألة الأهداف الأخرى من كتابة الرواية كما حدث قبل عقد تقريبا.

أسباب مختلفة

ويقول محمد جميل أحمد، وهو شاعر وناقد سوداني مقيم بالرياض، إنّ أسبابا كثيرة قد تجعل كاتبا يتوقف عن إصدار عمل روائي ثان بعد روايته الأولى، لكن علينا، أولا، أن نفرق بين (التوقف) و(التأخر)، فالتوقف يتصل بالعجز أو بعدم الرغبة، أما التأخر ففيه وعد بالاستئناف. وفي خصوص التوقف بعضهم مثلا قد يتهيب إصدار عمل ثان، إذا كان عمله الأول قويا وناضجا ومستوفيا لشروط السرد الروائي. فيما بعضهم الآخر يخشى الفشل، إذا كان عمله الأول ضعيفا ومفككا.

   ويضيف: ليس التوقف عن مواصلة الكتابة بعد العمل الأول يتصل بسبب واحد. أعتقد أن تجربتي الأصلية ارتبطت بالشعر، ولهذا جربت الكتابة في الرواية من باب التنويع، وحين حصلت روايتي (بر العجم) على الجائزة التقديرية في مسابقة الطيب صالح للإبداع الروائي في دورتها الثالثة للعام 2005م، كان ذلك حافزا قويا لمواصلة التجربة السردية. فيما يتصل بموقفي لا أظنه داخلا في باب (التوقف) بل هو أقرب إلى (التأخر).

  ويرى أحمد أنّ دور النقاد قد لا يكون مؤثرا، لعدم وجود تقاليد مؤسسية لحيوية الدور النقدي في واقع الثقافة العربية. لكن بلا شك، أن الرواية الجميلة والقوية تلح على الناقد بالكتابة عنها؛ مثل روايتى: «ساق الغراب» أو «شارع العطايف» لكل من السعوديَين «يحيى أمقاسم»  و«عبد الله بن بخيت» . فرغم أن كلا من الروايتين تعتبران بالنسبة لكاتبيهما رواية أولى إلا أن تفاعل النقاد العرب مع الروايتين كان متميزاً وعميقا، فكلّ تجربة قوية تقترح تاريخها وانتشارها بحسب قوانين الإبداع ذاته، لا من خارجه. من جهة أخرى كان الروائي السوداني المعروف «أمير تاج السر» أصدر في بداياته رواية «كرمكول» التي لم تنجح، لكن ذلك كان دافعا له لمواصلة وتجويد الكتابة السردية. تختلف الأسباب إذن، وتتعدد وتتعقد أيضاً.

      تجربة خجولة

  الشاعرة تهاني الصبيحة، قالت: إن كتابتها للرواية كانت  «تجربة جديدة امتهنتها بخجل، وأوقدت شموعها على استحياء، خشية الوقوع في دائرة أخطاء السرد وحيثياته من حيث الزمان والمكان والعقدة وتسلسل الأحداث، ومع الأسف لم أجد قراءة نقدية واحدة تناولت العمل ليس تطبيلاً له، ولا إشادة به، وإنما لتحليل مضامينه وأهدافه وإضافة لمسات نقدية تفيدني مستقبلا لو فكرت بإطلالة سردية أخرى.

 وتضيف: وإن كنت على ثقة تامة بأن العمل سيلقى رواجاً – ولو بعد حين- لسمو مضامينه، هدفي الأسمى فيه هو رصد مواقف حياتية صادقة راقبتها عن كثب وبقيت حية في ذاكرتي تؤرقني كل حين. ومن هذه المواقف في الرواية مشهد (البطلة) وهي فراشة تحلق اللحظة البكر في الحياة ومن ثم يختطفها الضوء ليزج  بها في عتمة رجل عجوز يمثل جيلاً مختلفاً عن جيلها وفكراً مغايراً لفكرها، وكان علي هنا أن أنقل هذه الصورة البائسة إلى كل فتاة قد تجبرها ظروف الحياة على التخلص من العوز أو حياة الفقر بالزواج من صنم بشري لا يشعرها بوجودها كروح  تستحق الرعاية والحب.

  وتختم متناولة دور النقاد للعمل فتقول: النقد عندنا قائم على قاعدة (لذوي القربى)، يشيدون بالعمل بناء على مكانة الشخص وقيمته الذاتية لدى الناقد، فتباً للنقد حين ينحو هذا المنحى البائس.

      وقفة بناء

القاصة معصومة العبدرب الرضا، تحدّثت بإيحابية بالغة عن كتاب الرواية الواحدة، فقالت: طرق موضوع كهذا يحتاج إلى جهد ليس باليسير الوقوف على الأسباب بمعناها الفردي الخاص لكتاب الرواية الأولى، إنهم لم يديروا ظهورهم بل يدعون إلى انطلاقات جديدة إلى عطاء أدبي. فهل من يدعو إلى مثل هذه العطاءات يكون قد فقد بريقه وتبدد حماسه الإبداعي جراء ردة فعل سلبية على حد قولكم من ناقد أو آراء متذوق؟!

  وتضيف: لعل من الصواب أن نقول: إنهم بلغوا من النضج الفني والأدبي لقبول النقد كونه خير طريق لاستواء الشخصية الأدبية والمعرفية. وأكاد أقول : قد يكون السبب بفعل التروي والتريث لرسم صورة حياتية من خيوط المجتمع لينسجها في قالب روائي بعناية متصلة بأفكاره، أنيقاً متدفقاً بجمال الخيال.

 وتختم: من الحس الأدبي أن نلتمس لهم العذر، ومنع إسقاطهم في وحل ردود الفعل السلبية التي هي يقينا لا تعني لأي أديب أدنى اهتمام.

      رسالة الروائي

  يونس البدر الشاعر والمحاضر بقسم الأدب في جامعة الملك فيصل، قال:  في كل الحالات سيكون سبب غياب الكاتب عن المشهد ذاتياً، فإحجامه عن الكتابة والنشر أمر منطلق من ذاته، إذ سيكون إما عاجزاً عن الإبداع أو مستسلماً أمام أدواته الكتابية.

  وأضاف: إن العمل الأول للروائي هو محض تجربة ربما تكون صادقة وبريئة، فإذا كانت روايته مكتملة العناصر ومثيرة لجدلية بحجم المجتمع الذي صدرت فيه، فلا شك ستلقى عناية القارئ والناقد وستنال نصيبها من الحضور في الذاكرة الثقافية، وإذا كان النقد الإيجابي مستوجباً لمواصلة العطاء، فلا يجعل الكاتب من النقد السلبي مدعاة لترك الكتابة بل لا بد أن يعطيه ذلك حافزاً للتغير والتجويد.

ويبين البدر أن الكاتب الذي يستسلم بعد العمل الأول ويعتزل الكتابة، لا يبعد أنه كان منساقاً إلى هبة كتابية أدت إليها ظروف معينة في مرحلة زمنية معينة، وتسهيلات النشر ساعدت في نجاحها، وحين ينتهي من نشر عمله الأول بعد أن كتبه مشحوناً بمشاهداته الخاصة ومغامراته الشخصية ينصدم بعجزه عن مسايرة المسؤولية الصعبة  الملقاة على عاتق الروائي الحقيقي الذي يمتلك الطريقة التي يخاطب بها وجدان المجتمع بالحديث عن هموم المجتمع. إن كاتبة مثل صاحبة رواية (بنات الرياض) التي لم يعد لها وجود لا في مؤتمرات ولا في أعمال منشورة جديدة، ومع ما تضمنه عملها الأول من هنات ليست هينة، كيف نفسر غيابها إذا لم نفسره بأنه ضعف في الإمساك بأدوات الكتابة الروائية وربما عدم الامتلاء بالفكر والفلسفة والثقافة وسائر المقومات التي تصنع الكاتب وتسكن في لا وعيه عند الكتابة.

 ويختم البدر قائلا: الروائي لا يكتب مذكرات ولا إيميلات ولا مشاهدات شخصية؛ إنه يكتب رسالته للجمهور، وإذا لم يتوافر لدى الكاتب كل هذه المقومات التي تمكنه من الخوض في تجربة روائية جديدة فسوف ينهار أمام أي قشة نقد تقصم ظهره.

زكريا العباد وهاني الحجي- الدمام، الرياض مايو 3, 2014, 6:05 ص