نكنس تحت البساط

هل الحل لنظافة مدننا "نفخ" و"تسمين" قيمة عقود النظافة؟ تُرسى مناقصات بمئات الملايين أو قد تصل للمليارات لتنظيف مدننا، ومع ذلك فالانطباع العام عن مستوى النظافة لا يكتنفه الرضا إجمالاً! لي أخ حكى لي كيف أن هناك ترتيبات وتربيطات بين عمال النظافة، إذ يبدو أن اهتمامهم منصب على فرز القمامة؛ لانتقاء ما له قيمة ويمكن بيعه من علب ألمونيوم وورق وزجاج، بل إن بعض فرق التنظيف تنتقي هذه المواد تاركة الشارع أو الزقاق أو "السكة" غارقة في أوساخها. ما الذي يحدث للمليارات التي ننفقها؛ للحفاظ على نظافة مدننا وبلداتنا وقرانا؟ لا أحد يعلم، فيما يبدو، بمعنى أن العقود ترسى وبعد ذلك المقاول وضميره، فالرقيب عليه رقابته "حانية".

ما دام مجتمعنا بحاجة إلى عمل معين فلا بد لنا من القيام به

في هذا السياق، حدثني أحدهم مؤخراً مصراً أنه من المهم تعيين مشرفين نظافة مواطنين، ليراقبوا من الميدان وليس من مكاتبهم..ليراقبوا قيام فرق النظافة التابعة للمقاول بعملها. الأمر بحاجة لتمعن، فمن يراقب المراقب؟ ومن يشرف على المشرف؟ بمعنى أنه لا بد من التمعن، فليس حل الأوساخ في الشوارع زيادة قيمة عقود النظافة، بل تطوير الآلية التي يدار بها هذا الجهد المؤثر على الصحة العامة وعلى البيئة وعلى الانطباع العام عن جودة الحياة في مدننا.

الحل، هو التعرف على المنظومة الإدارية والإشرافية المسئولة عن النظافة في البلديات والأمانات. قبل أشهر سألت أحد المعنيين: ما القيمة الاجمالية لعقود النظافة السنوية؟ وما زلت أنتظر الإجابة حتى الآن. القصد أن التكلفة مليارية، ولذا فالأمر يستحق كل عناية حتى تصبح مدننا نظيفة بالفعل، ولن يحدث ذلك بمجرد انفاق المزيد من المال، بل ببذل المزيد من الجهد لإدارة المهمة إدارة ناجزة. وبطبيعة الحال، ما زال هناك من يعيش محلقاً أنه لا يليق بنا إلا أعمال محددة؛ هي الأعمال "الراقية"، لكن ما دام مجتمعنا بحاجة إلى عمل معين فلا بد لنا من القيام به، وإلا كيف سنعتمد على أنفسنا؟ وما دام أن هناك ابتعادا وزهدا في أن يدير ويشرف المجتمع على نظافته؛ فلنطمئن أن شوارعنا لن تصبح بمستوى النظافة التي نطمح له. لعل علينا ايجاد طريقة لتأهيل وتدريب منظومة إشرافية محترفة للعناية بالنظافة والصحة في مدننا، وهذا أمر بحاجة لتأهيل وتدريب وبحاجة كذلك لدفع رواتب ومكافآت مجزية. أما الاستمرار فيما يحدث الآن من تضخيم عقود النظافة حتى تصبح مدننا نظيفة فهذا أمر لن يحدث أبداً. ولاختصار الكلام والإجابة على السؤال، فجزء مهم من الحل تأهيل مشرفين ميدانيين تأهيلاً عالياً؛ ليشرفوا على حسن تنفيذ متعهدي النظافة للعقود، ولا بد أن أشير هنا إلى أن متوسط دخل مشرف النظافة في الحكومة الأمريكية يعادل 23600 ريال شهرياً، وعلى مستوى الولايات يتراجع الدخل إلى النصف لكنه يبقى عالياً. فمن المتخصص الذي يشرف على نظافة مدننا؟ وكيف نحفزه ليقوم بالمهمة الصعبة؟

د. إحسان بوحليقة يناير 27, 2014, 6 ص