الراجحي وجسره المضيء

جمعتني الظروف بالدكتور خالد الراجحي في المنتدى الاقتصادي الاخير في ديسمبر الماضي 2013 مع الصديق العزيز القديم الدكتور سالم الغامدي والدكتور عبدالرحيم الغامدي. كنا وقوفا في بهو فندق الريدكارلتون بانتظار افتتاح المنتدى الذي سيقام فيه برعاية وتشريف صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن بندر بن عبدالعزيز، أمير منطقة الرياض، كنا قد تجاذبنا أطراف الحديث حول كتاب الدكتور خالد الاخير « جسر من ضوء» المشحون بذكريات الدكتور خالد وغربته أثناء دراسة الدكتوراه في «قلاسقو» احدى المدن البريطانية جنوب اسكتلندا. كان الدكتور خالد يتحدث عن تلك التجربة وهو ممسك بيد الدكتور عبدالرحيم الغامدي زميله في دراسة الدكتوراه حيث كانا تحت إشراف دكتور واحد، كما انه الوحيد الذي صرح باسمه داخل الكتاب مما اظهر عمق العلاقة ومتانتها.

 يتحدث الدكتور خالد عن هذه العلاقة فيقول «فمن الطلاب من يؤثر تخرجه عليك بشكل غريب لدرجة شعورك بالغربة من اختفائه من مكتبه، وأخص بذلك أخي الدكتور عبدالرحيم الغامدي، فقد شعرت بغيابه عن الجامعة بعد تخرجه بفراق عجيب، وبأثر سلبي مزعج لم أستطع التأقلم معه الا بعد أن انتهت دراستي والتي كانت بعده بأشهر».

في الكتاب آراء نقدية ترق وتقسو حسب الحاجة كتحليله للاكاديمي والتنفيذي. فيرى ان الاخير يفكر بطريقة القفز على الحواجز والبحث عن انهاء المهمة في الوقت المناسب وفي نسبة اكمال معقولة. اما الاول (الاكاديمي) فيفكر بطريقة مشية السلحفاةعقب افتتاح المنتدى استأذن الدكتور خالد ودخل الى القاعة ثم اتخذت انا والدكتور سالم والدكتور عبدالرحيم مكانا قصيا داخل القاعة. كانت القاعة مكتظة بالحضور والمشاركين الذين جاءوا من أنحاء مختلفة من المملكة، على مختلف تخصصاتهم وأجناسهم مما اضطر الكثير منهم للوقوف كما لم تحل أزمة هذا الجم الغفير جلب مقاعد إضافية فقد ظل بعض الحضور منتظرا عند باب القاعة. بعد انتهاء الافتتاح ذهبنا ثلاثتنا لتناول العشاء في احد المطاعم الايرانية. وعلى تراقص الكباب السلطاني على انغام الأرز بالزعفران مع كشك الباذنجان، أكملنا حديثنا من عبق الذكريات ومرحلة الدكتوراة. كنت انا والدكتور سالم نتحدث عن محبوبتنا درم، تلك الأرملة الحسناء القابعة في شمال إنجلترا، بالمقابل حدثنا الدكتور عبدالرحيم عن محبوبته قلاسقو وعن ذكرياته مع الدكتور خالد الراجحي. كان الحديث مليئا  بالشجن والذكريات الجميلة.

بعد وجبة العشاء الشهية المغموسة بالذاكرة اللذيذة، تفرقت بنا الدروب تلك الليلة حاملين شوقنا مع مذاق ذلك العشاء الايراني الفاخر الذي علق بذاكرة فمي ليمتزج بحكايات الحنين والشوق المعبئين في  ذاكرتي السمعية.

بعد ذلك اللقاء بأسابيع، ذهبت كعادتي الى مكتبة جرير ابحث عن كتاب ما، وفي أثناء التجوال وتمرير العين بين الرفوف وقعت عيناي على كتاب الدكتور خالد «جسر من ضوء» فرحت به فرحة بالغة فقد اتاح لي الكتاب ان استعيد تلك الذكريات الجميلة، والماضي الرائع الذي عشته في أحضان تلك المدينة العروس.

في الكتاب ومضات عن بداية الدراسة تبدأ من اول ركوبه الى الطائرة مودعا عروس الصحراء وتنتهي بتوديع عشيقته قلاسقو. في الكتاب حكاية دراسته للدكتوراة بتفاصيلها. في الكتاب أيضا حكاية عشقه لمدينة قلاسقو، المدينة الاسكتلندية العريقة بكل اماكنها ومقاهيها وشوارعها الضيقة. في الكتاب آراء نقدية ترق وتقسو حسب الحاجة كتحليله للاكاديمي والتنفيذي. فيرى ان الاخير يفكر بطريقة القفز على الحواجز والبحث عن انهاء المهمة في الوقت المناسب وفي نسبة اكمال معقولة. اما الاول (الاكاديمي) فيفكر بطريقة مشية السلحفاة، بهدوء ولكن بدقة ووصول مكتمل حتى لو تأخر الوصول قليلا. ولا يخلو الكتاب من معارك صغيرة هنا وهناك يخوضها الكاتب بفروسية مع المشرفة المتميزة والمعروفة جدا لكنها كما يقول «بنص عقل». فهي كما يقول الكاتب تصاب بحالة من الجنون الذي يؤثر على قراراتها وعلى ردود افعالها. ففي خضم النقاش الراقي تقول وبشكل مباشر وبلا مقدمات ولا مؤخرات: خالد! اذهب وأعد كل شيء، كتبته فكل ما قدمته خطأ! وقد يكون ما تقصده عمل اشهر من التعب والسهر واكثر من خمسين صفحة من الكتابة.

يقول أبو ريما لقد نكأت الجراح يا دكتور خالد واثرت الشجن فقد عملتها كثيرا مع مشرفي الدكتور احتشامي ولا اعتقد ان تحليل الدكتور عبدالرحيم سوف يجدي معه. على ان هذه قصة اخرى لعلي أرويها لاحقا، لأثبت أن تحليل أستاذنا عبدالرحيم له خصوصية بني الزهرة.

لا يخلو الكتاب من طرائف وفكاهة أحيلك هنا الى واحدة منها وامل ان تغريك بالكتاب كله:

ففي إطار تحليله للشخصية المصرية وانها لا تقول لا اعرف اطلاقا فلكل سؤال عنده اجابة. يقول المؤلف بينما كنا نتمشى في مدينة قلاسقو انا والدكتور محمد صديقي المصري عزيز مررنا بتمثال لأحد الفرسان في احد الميادين، وتوجد هذه التماثيل للفرسان عادة بثلاثة أشكال مختلفة: اما ان يكون الفارس على فرس مرفوع القدمين، او بقدم واحدة مرفوعة، او ان تكون القدمان على الارض، وتفسير ذلك بأنه اذا كان الفرس رافعا لقدميه فإن الفارس يكون قد قتل في احدى المعارك، وان كان رافعا لقدم واحدة فإن الفارس يكون قد اصيب في المعركة ومات بعدها، وان كانت قدما الفرس على الارض فان الفارس مات بشكل طبيعي. فلما سألت الدكتور محمد مختبرا إياه عن تفسيره لأشكال تلك التماثيل لم يتردد بالاجابة. قائلا : «بص يا خالد اذا كان رافع لقدميه يكون الفرس مع الفارس (بيرقص) واذا كان رافع واحدة بس بيكون الفرس بس هو اللي (بيرقص) واذا كانت على الارض بيكون تعب (وبيستريح)».

وبعد:

ايها الدكتور العزيز

كيف اشكرك على ساعة عشتها مع عبق الذكريات وعرقها..

وفي النهاية اقول عن عشيقتي درم

ما شاء فليكتبْ عليَّا الدهرُ، إنّي لا أُبالي

إذ كان خَصْرُكِ في اليمينِ وكأس حبك في الشِّمال

د. ابراهيم العثيمين ديسمبر 27, 2013, 6 ص