حد الإشباع ..!!

تذكرت في مجال الإعلام هناك نظرية مهمة تسمى نظرية الاشباعات والاستخدامات وهناك من صنفها كنموذج يسهّل فهمنا للفروض والتفسيرات التي طرحتها .. وهي مرتبطة بما يمكن توقعه ايجابيا من وسائل الإعلام المختلفة من خلال تعرض الجمهور لتلك الوسائل .. وهل مضامين تلك الوسائل ستشبع حاجاته ورغباته المختلفة .. فعندما يتوقع الفرد مباراة ممتعة ، أو مادة ثقافية ثرية ، أو حديثا شيقا ومفيدا من ضيف في برنامج فسوف ترتفع درجة الإشباع عند مشاهدة هذه المباراة ، أو ذلك البرنامج ، وهذا الضيف.

وحقيقة الأمر حين نتمعن في تلك النظرية نجد أنها يمكننا أن نطبقها على مجتمعنا في مجالات شتى وبعيدة عن الإعلام .. بل ان الاشباعات قد تتحول إلى تشبع وشبع في أمور شتى ..

فلسفة الإشباع لدينا هي مختلفة جدا لأنها تتحول إلى هوس وظنون لا يمكن إشباعها فالمتشبع لا يشعر بشبع حقيقي بل يلهث في جهة أخرى فإشباعه في حقيقته هو جوع من جهة أخرى .. فتبرز الحقيقة الكامنة في أن منشأ ابن آدم من تراب ولا يملأ جوفه إلا التراب

فمازلنا قوم لا نأكل ونحن جائعين فقط بل ونحن في حالة شبع يمكننا أن (ننقرش) وأحيانا إذا شبعنا نأكل لأجل مشاركة فلان وعلان .. ولا زلنا نملأ صحوننا أثناء بوفيهات المناسبات لنحصل على إشباع ، فنجد أنفسنا بعد قليل قد تشبعنا وتركنا الباقي في الصحن ليرمى في المخلفات .. أما مناسباتنا وخصوصا النسائية تجد كمية الطعام والحلويات والعصيرات التي تقدم تكفي أمثال الحضور عشرات المرات .. وتأتي راعية العزيمة فتقول (سامحونا على قل الكلافة).. 

وحتى المطاعم تتفنن في إعلاناتها عن وجبات تسمى حد الإشباع بل حد التخمة ، ويفيض غير مبالين بأننا قوم حسبنا لقيمات.

ومازال بعض هوامير الأسهم لا يصلون إلى حد الإشباع والتشبع من الخوض واللعب مع صغار (المطقطقين) على الأسهم ليشبعوا هم ويتركوا الصغار جائعين بلا إشباع . وعشاق المشاريع لا يشبعون فتجدهم جوعى لأخذ مشاريع البلد كلها وعدم ترك شئ منها فلا يكادون يضعون حجرا لمشروع إلا وأوراق مشروع آخر جاهزة ..

ومازال بعضهم تجد له عشرين وظيفة في وقت واحد فما بين رسمي ومستشار وعضو هنا وهناك فلا تكاد لجنة تخلو منه فهو لا يشبع من تساقط المكافآت عليه نهاية كل شهر.. وبعضهم مزواج في الليل والنهار لا يبالي بقيمة العقد ولا يهمه إلا ان يشبع ما يسميه رغبته فهو رحال بين الأحياء والمدن وطائف على كل الأنحاء ليحصل على ما يسميه (الغضي).

أما البعض فمازال جائعا للجدل واللغط في كل وسيلة فهو يثير شبهة هنا أو شكا هناك ويريد ان يشبع جوعه بالإثارة .. وآخرون لا يشبعون من السفر في كل مناسبة وبدون مناسبة وإن لم يجدوا فيصنعون مناسبة.

أما البنوك فلا تجدهم يشبعون من التهام رواتب البعض بتقديم القروض والرهن ، والتقسيط .. أما التجار فهم يغصّون بالأموال ولا يكادون يجدون فرصا او شبه مبرر لرفع سعر سلعهم لكسب أكثر إلا ويذهبون له .. أما الاتصالات فهي حالقة الجيوب ، وما تناثر العروض حولنا إلا شاهد أن باطنيتها من ديدان الجوع تتسع لكل وجبة مالية ولا يشبعها شيء .. وجوع المدارس الأهلية والمراكز الطبية غير فهي تجوع فترفع الأسعار بلا مبرر ومع ذلك لا تشبع ولا تتشبع.. وغير ما ذكرت كثيرون لا يشبعون وتعرفونهم عن كثب بينكم وحولكم .

ختام القول: فلسفة الإشباع لدينا هي مختلفة جدا لأنها تتحول إلى هوس وظنون لا يمكن إشباعها فالمتشبع لا يشعر بشبع حقيقي بل يلهث في جهة أخرى فإشباعه في حقيقته هو جوع من جهة أخرى .. فتبرز الحقيقة الكامنة في أن منشأ ابن آدم من تراب ولا يملأ جوفه إلا التراب .. وأظن أن هنا تكمن الاشباعات المتحققة .. فاشبعوا بجوع ولا تتشبعوا فتجوعون .

عبدالعزيز اليوسف مايو 28, 2013, 10:52 م