الشركات العائلية... والمسئولية الاجتماعية

د/سامي السليمان

بعكس ما كان راسخا في الأذهان عن الدور غير الحيوي للقطاع الخاص للمشاركة في التنمية الاجتماعية،فقد أصبحت المسؤولية الاجتماعية لهذا القطاع من المبادئ التنموية الهامة التي يدعو إليها الكثيرون. فمع تحجيم دور الحكومة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أصبح للقطاع الخاص دور هام في المشاركة الجادة لإحداث التنمية. حتى أضحت المسؤولية الاجتماعية للشركات اتجاهاً عالمياً ومطلباً إقليمياً فرضته التحديات التي تواجهها المجتمعات. فقد تجاوزت المسؤولية الاجتماعية لشركات القطاع الخاص في الدول الكبرى صفة العطاء العشوائي غير المنظم وغير محدد الهدف ، أصبح للشركات الكبيرة دور تنموي أساسي وأصبح العطاء للتنمية جزءا لا يتجزأ من نشاطات تلك الشركات. ونظراً للمكانة الاقتصادية لمنطقة الخليج فقد تسابقت الشركات المحلية والشركات العالمية العابرة للقارات لتثبت انتماءها للمجتمع الذي تعمل في أوساطه. ومع ترسيخ وانتشار مفهوم المسؤولية الاجتماعية أصبح من الصعب على الشركات الكبيرة التغاضي عن دورها التنموي واحساسها بالمسؤولية الاجتماعية داخل المجتمع. ولا تكمن أهمية تلك المشاركة الاجتماعية فقط في مجرد الشعور بالمسؤولية وإنما أصبحت أمرا ضروريا لكسب تعاطف المجتمع واحترامه، وبالتالي ضمان النجاح. ونتيجة لذلك، سعت العديد من الشركات إلى إنشاء مؤسسات تنموية أو على الأقل عمل خطة سنوية منظمة واضحة الأهداف والمعالم لمساعدة الفئات الضعيفة في المجتمع ومحاولة تنميتها بشكل فعال. ولا تعنى المسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص مجرد المشاركة في الأعمال الخيرية وعمل حملات تطوعية، وإنما تتسع لتشمل مسئوليتهم تجاه أفراد المجتمع المتعاملين معهم والعمل على فتح مجالات للشباب؛ حيث يعد ايجادهم لمشاريع لاستيعاب البطالة مثلاً من اسمى ما يمكن أن تقوم به شركات القطاع الخاص من عطاء. ولكي تصبح المسئولية الاجتماعية مؤثرة فهي بحاجة لأن تأخذ شكلاً تنظيميا ومؤسسيا، له خططه وأهدافه المحددة بدلا من أن تكون جهودا عشوائية مبعثرة وخيرية قد تؤدى إلى الإتكالية. ويستدعى ذلك وضع خطة تغيير مجتمعي لنهضة الفرد، يكون أول المستفيدين منها شركات القطاع الخاص والمستثمرون.

فما هي المسؤولية الاجتماعية؟

عرف البنك الدولي مفهوم المسؤولية الاجتماعية للقطاع على أنه التزام أصحاب النشاطات التجارية بالمساهمة في التنمية المستدامة من خلال العمل مع موظفيهم وعائلاتهم والمجتمع المحلي والمجتمع ككل لتحسين مستوى معيشة الناس بأسلوب يخدم التجارة والتنمية، في آن واحد. كما عرفت الغرفة التجارية العالمية المسؤولية الاجتماعية على أنها جميع المحاولات التي تساهم في تطوع الشركات لتحقيق تنمية انطلاقا من اعتبارات أخلاقية اجتماعية. وبالتالي، تعتمد المسؤولية الاجتماعية على المبادرات الحسنة من رجال الأعمال دون وجود إجراءات ملزمة قانونا. لذلك، فإن المسؤولية الاجتماعية تتحقق من خلال الاقتناع والتعليم. ويعتبر أداء المؤسسات الاجتماعية شكلاً من أشكال تقرير الشركات والتنظيمات وإدماجها في نموذج الأعمال التجارية وعليه، فالمسؤولية الاجتماعية نظرية أخلاقية أو أيديولوجية يكون للكيان سواء أكان حكومة أو مؤسسة أو منظمة أو فردا مسؤولية تجاه المجتمع بأسره. ويمكن أن تكون المسؤولية الاجتماعية سلبية، مما يعني الاعفاء من اللوم أو المسؤولية، أو تكون المسئولية الاجتماعية إيجابية، مما يعني أن هناك مسؤولية للعمل بإحسان. كما أن المسئولية الاجتماعية واجب والتزام وليس صدقات وهبات. وتتعدى المسؤولية الاجتماعية كونها عملاً خيرياً بل تعتبر استثماراً اجتماعيا ومساهمة مباشرة نحو المستقبل. وحيث أن العطاء سمة إنسانية، موروثة تتناقلها الأجيال، وجزء من ثقافات الشعوب المختلفة، فقد أصبحت المسئولية الاجتماعية ضرورة ملحة للتنمية المجتمعية من خلال تنفيذ برامج تربوية وثقافية وصحية واجتماعية ورياضية، تمول من قبل المؤسسات المختلفة. ويعني ذلك العطاء المشاركة في التعامل مع متطلبات الحياة والمساهمة في التخفيف من حدة الضغوط التي يتعرض لها المرء في مواقع مختلفة. ويشكل العطاء الإنساني سبيلا للتعايش في المجتمعات ويمثل المشاركة دون شروط في كل فعل إيجابي من أجل مجتمع آمن ومستقر.وقد يتقافز إلى الأذهان تساؤل حول الجديد في موضوع المسئولية الاجتماعية. وفي هذا الخصوص ننوه إلى الآتي: النقلة النوعية وإعادة صياغة تركيبة شركات القطاع الخاص، حيث تحول بعضها إلى شركات مساهمة عامة، مما يعين على إدراج مفهوم المسئولية الاجتماعية في نظام الشركة ، كما أن اتجاه الشركات حول العالم، في ظل الأزمة المالية الراهنة، إلى تطبيق مفهوم استراتيجي واسع النطاق للمسؤولية الاجتماعية، لأنها ترى في هذه الأزمة فرصة سانحة لإعادة تقييم الأسس والمفاهيم التي تقوم عليها المسؤولية المتقدمة، فالتوجه نحو اعتماد مفهوم شامل للمسؤولية الاجتماعية، يدمجها في الأسس والنظم الإدارية الخاصة بإدارة الموارد البشرية، ومنها إلى إدارة المشتريات والموردين وخدمة العملاء وغيرها من الإدارات، كما تقلص في الوقت نفسه ميزانية المسؤولية الاجتماعية المحصورة في الأعمال الخيرية وخدمة المجتمع. وهناك حاجة إلى مجهودات كبيرة لنشر ثقافة المسؤولية الاجتماعية وثقافة العطاء التنموي بين قطاعات الأعمال والشركات العائلية. ويجب أن تنتشر هذه الثقافة من خلال إبراز الواجب الأخلاقي والديني الذي يتحتم على تلكم الجهات القيام به، وأيضا من خلال وضع القوانين المحفزة لقطاعات الأعمال والتي تجعل من عطائها حافزا لإنجاح وترويج الأنشطة التجارية، و التنمية المستدامة على المدى البعيد. فعلى المستوى العالمي وفي الدول الصناعية والتجارية الكبرى، أصبح هناك هدف لتحقيق تعاون متوازن بين كل من الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، أي القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع الثالث، في تحقيق التنمية دون الاعتماد كلية على جهة واحدة والإعفاء الكامل من المسؤولية لجهة أخرى.وقد يتساءل البعض عن أسباب تخصيص شركات العائلات للقيام بدور تعميق وتطبيق مفهوم المسئولية الاجتماعية. فلتوضيح تلكم الأسباب، نسوق الآتي:تمثل شركات العائلات النسبة الأكبر في اقتصادات معظم دول العالم، استمرارية أفراد الجيلين الأول والثاني في لعب دور هام في إدارة شئون الشركات العائلية ، التأسيس المبكر لمفهوم المسئولية الاجتماعية ، ما زالت روح المؤسس المحبة للعمل الخيري موجودة ، ضعف روح ومحبة العمل الخيري كلما ابتعد الزمن عن القرن الذي بعث فيه أفضل خلق الله صلى الله عليه وسلم. أما عن الكيفية التي نبدأ بها، فإننا نوصي بالآتي:إنشاء إدارة مسئولية اجتماعية منفصلة. فالمؤسسات بمختلف فئاتها ونشاطاتها مطالبة بتعزيز مفهوم المسؤولية الاجتماعية وتنمية ذلك المفهوم بين موظفيها. ولن يتحقق ذلك إلا بتبني البرامج المختلفة بشكل متواصل، مع مراعاة متطلبات واحتياجات المجتمع المختلفة ، إفشاء روح التطوع والعطاء داخل المنظمة ، تخصيص ميزانيات ووضع خطط استراتيجية وتنفيذية ، تحديد أوقاف بعينها للمساهمة في المسئولية الاجتماعية بدلا من الاستناد على ظروف الشركة.وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نتقدم بالتوصيات التالية:التعاون مع المؤسسات الاجتماعية الطوعية المتميزة والمنظمة ، تأسيس مفهوم المسئولية الاجتماعية بعيدا عن روح الأفراد أينما كانوا ، اختيار الأشخاص المناسبين المستقيمين الذين تطغى عليهم روح العمل الاجتماعي وحب العطاء ، تغليب روح العمل للدار الآخرة وكسب رضا الرحمن بدلاً من العمل للحياة الدنيا الفانية، وعدم العمل على تسويق الشركة والدعاية لها.

ديسمبر 5, 2010, 3 ص