أمريكا وسوريا: انقلاب على الانقلاب

سعد محيو

المفاجأة كانت كاملة:

إدارة أوباما انتقلت بين ليلة وضحاها من سياسة اليد الممدودة مع سوريا، إلى سياسة اليد المُهددة بالثبور وعظائم الأمور . وهذا بعد ردح من الوقت امتنعت فيه الإدارة، كما قال وليد المعلم في “وول ستريت جورنال”، عن “إعطاء أي شيء لبلاده” . حفلة الانتقال هذه كانت مناسبتها الصراع المتجدد على لبنان . والفرصة أتت مع زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد “التاريخية” إلى لبنان التي أطلقت غير صافرة إنذار في واشنطن، وبالطبع في تل أبيب، وجعلت الولايات المتحدة المنكفئة في الشرق الأوسط تبادر إلى الهجوم وبكل الأسلحة .

محور الصراع الآن بين سوريا وحلفائها الإقليميين واللبنانيين وبين أمريكا وأنصارها في الشرق الأوسط، ليس فقط المحكمة الدولية، بل أيضاً مصير القرار الدولي 1559 الذي كان بمثابة خريطة طريق أمريكية فرنسية لانتزاع لبنان من المحور السوري الإيراني ووضعه في الفلك الغربي .

وحتى ما قبل تدخّل واشنطن الكثيف في الأزمة اللبنانية الأخيرة، كان الظن في دمشق وطهران أن حاجة الولايات المتحدة إلى فترة من الهدوء تتمكّن خلالها من استكمال “إعادة نشر قواتها” في العراق وأفغانستان و”تهدئة” الجبهة الفلسطينية، سيدفعها إلى غض النظر عن جهود دمشق لإحالة أوراق القرار ،1559 ومعه المحكمة الدولية، إلى المفتي .

بيد أن الظن كان في غير محله . فمن جيفري فيلتمان إلى سوزان رايس، مروراً بالناطقين باسم أوباما وكلينتون، كانت الولايات المتحدة تُلقي بثقلها كاملاً إلى جانب المحكمة و،1559 وتنطلق لجعل لبنان أولوية في جدول أعمالها تسبق حتى الأولوية الفلسطينية، كما أشار قبل أيام تقرير خطير ل”نيويورك تايمز” . وهذا كان واضحاً من التحريك الأمريكي لمجلس الأمن في اتجاه التمسك بالمحكمة الدولية، حتى ولو “اتفق” اللبنانيون على تجميدها أو حتى إلغائها، وعلى بث الروح مجدداً في القرار 1559 .

هذه التطورات المتسارعة دفعت إلى الواجهة ثلاثة أسئلة دفعة واحدة:

كيف سترد دمشق على هذه الاستفاقة الأمريكية المتأخرة حيال الوضع اللبناني؟

أي تأثيرات لهذا النوع من الاستقطاب الدولي الإقليمي الجديد على مسار الأزمة اللبنانية؟

ثم: هل ثمة ملحقات ما لهذه الاستفاقة بالنسبة إلى استراتيجية أوباما الهادئة مع إيران، والتي ارتكزت في معظمها على رفض سياسة المجابهة البوشية؟

بالنسبة إلى السؤال الأول، ستحتاج دمشق إلى وقت كي تستطلع مدى جدّية هذا الهجوم المعاكس، وما إذا كان مؤشراً على انتقال واشنطن من لعب دور المُنظم والمُرتب إلى دور” المُعرقل والمُفسد” (Spoiler) في الشرق الأوسط . وهي ستقرر، وسريعاً على الأرجح، اختبار النوايا والإرادات الأمريكية في هذا الشأن . لكن أين؟

هذا ما يقودنا إلى السؤال الثاني، حيث يمكن توقّع بالونات اختبار من أنواع مختلفة في لبنان، تسبق التوجّه الراهن لقوى المعارضة اللبنانية نحو الحسم السياسي، وربما غير السياسي، لمسألتي المحكمة و1559 معاً . ودمشق، التي صمدت غداة غزو العراق عام 2003 وبعد إخراجها من لبنان عام ،2005 تثق في أنها قادرة الآن على القيام بلعبة الكباش الجديدة مع واشنطن، خاصة وأن موازين القوى الأمنية تميل بشدة لصالح حلفائها في لبنان .

ماذا الآن عن السؤال الثالث: الأبعاد الاستراتيجية لهذه الاستفاقة الأمريكية على مسألة المجابهة مع إيران؟

 الخليج الإماراتية

سعد محيو نوفمبر 2, 2010, 3 ص