سليمان السياري

سليمان السياري

ينسب هذا للقول ، على غير حقيقة ما حصل فعلا ، لعالم الفلك الإيطالي الشهير غاليليو ، ربما لإظهار ما يعتمل في عقل هذا العالم الجليل ، ويضمره في نفسه المولعة بحب المعرفة ، ويعكس رغبته الدفينة في إظهار الحقيقة العلمية ، التي لم يعد يستطع الإفصاح عنها علنا ، اثر انتهاء محاكمته أمام الكنيسة عام 1633 ، وإرغامه قسرا على التوبة والتبرؤ من أقواله حول دوران الأرض ، والخلاص من التعذيب والموت حرقا ، إذا لم يتخلّ عن الهرطقة والآراء العلمية حول النظام الكوني ، الذي قاده البحث فيه إلى الخروج باستنتاج مفاده ، أن الأرض تدور دورتين الأولى حول محورها والثانية حول الشمس ، على غير ما تقرره تعاليم الكنيسة والاعتقاد السائد منذ أرسطو وبطليموس ، عن كون الأرض ثابتة وهي مركز العالم المعروف ، وكل شيء في الكون يدور حولها بما في ذلك الشمس والقمر .

تعود بدايات هذا الجدل المخيب لموقف وأفكار الكنيسة ومعتقداتها ، إلى ما قبل مائة سنة من ذلك التاريخ ، عندما وضع الطبيب البولندي المولع بعلم الفلك نيكولوس كبرينيكوس عام 1543، أول تخمين نظري عن عمل النظام الشمسي بناء على ملاحظاته الخاصة ، أوضح فيه أن الشمس وليس الأرض ، ربما تكون هي قطب الرحى في عمل النظام الكوني ، ثم تبعه جيوردانو برونو في أواخر القرن ، بتخمين مفاده أن مركز العالم يقع في نقطة خارج الأرض وبعيدة عنها ، الأمر الذي اغضب الكنيسة الكاثوليكية ودفعها نحو التحرك ، لإيقاف التجديف وما بدا لبعض القساوسة والرهبان أنه هرطقة وتطاول على المعتقدات الكنسية ، وتكذيب بما جاء في الكتابات المقدسة ، فستدعي برونو للمثول أمام المحكمة وطلب منه العدول عن آرائه وتسخيفها ، إلا أنه رفض التخلي عنها ، فتم إعدامه حرقا بالنار في مستهل عام 1600 .

في هذا الجو المشحون بالتوجس من العلم والعلماء واستنتاجاتهم ، من قبل الكنيسة والأوساط المحافظة في روما وأوربا أجمالا ، أكتشف غاليليو الذي كان يدرس الرياضيات والميكانيكا وعلم الفلك في جامعة بادو ، من خلال تطلعه الدائم نحو السماء بواسطة منظار فلكي ، صنعه لهذا الغرض في مطلع القرن بمعونة بعض طلابه ، أن ظلالا كثيفا من الشك يعتري ما هو سائد ، عن كون الشمس والقمر وحدهما يتحركان وأن ما حولهما من الكواكب ثابت ، بل من الجائز جدا كما تفيد بعض النتائج التي بين يديه ، أن يكون العكس هو الصحيح ، الأمر الذي يضعه في حال التصريح بما توصل إليه ، في مواجهة صعبة مع الكنيسة ، خاصة وأن واقعة إحراق جيوردانو برونو لا تزال ماثلة للعيان ، مما دفعه إلى التمهل وعرض مكتشفاته بحذر ، وربما بطريقة مسايرة ، على بعض الأساقفة الذين اشتهروا بالتجديد ، سعيا منه لنيل موافقة الكنيسة على أبحاثه قبل نشرها ، وهو ما حصل عليه فعلا في نهاية الأمر ، بعد أن أصبح صديقه البابا اوريان الثامن على رأس الكنيسة الكاثوليكية ، إلا أن الكنيسة مثل العملة النقدية لها وجه آخر ، تمثل في يسوعي المعهد الروماني المشهورين بالتزمت ، فما أن نشر غاليليو كتابه « حوار حول نظامي العالم الرئيسيين « عام 1632 حتى انبرى هذا الفريق لملاحقته ، حيث تم استدعاؤه للمثول أمام المحكمة الكنسية العليا بعد شهور قليلة من نشر أبحاثه ، بتهمة أن ما جاء به مخالف لما هو وارد في الكتابات المقدسة ويقود إلى الهرطقة ، وهي تهمه فظيعة عقابها الموت حرقا .

لقد أدرك غاليليو بمجرد استدعائه ، أنه وقع في الفخ الذي حاول جاهدا الإفلات منه خلال أكثر من ربع قرن ، هي الفترة التي أمضاها في محاولة تسويق أبحاثه ، وتكوين قاعدة لنظريته عن الكون في الأوساط الكنسية المجددة ، قبل أن ينتصر جنوحه العلمي على دواعي السلامة التي كان يؤثرها ، وينشر أبحاثه للجمهور الذي أقبل عليها بشراهة ، لمعرفته أن محكمة من هذا النوع لا تسمح لطرائدها بالإفلات ، وأن الحرية الوحيدة التي يمكن أن تمنحها للمتهم الماثل أمامها ، هي أن يقر بما ينسب له ، ولذلك فقد تذرع غاليليو بشتى الوسائل للتملص وتفادي المسائلة ، بما في ذلك حصوله على أذن من البابا اوريان لنشر أبحاثه ، وتقدمه في السن ومرضه وعجزه عن الحضور ، إلا أن شيئا من هذا القبيل لم يفلح مع كبار رجال الكنيسة وقضاتها الذين يعارضون أعماله ، حيث اقتيد من دون رحمة أو تقدير لمكانته إلى المحاكمة .

في المحكمة حاول غاليليو في بداية الأمر أن يكون منطقيا ويعارض الحجة بالحجة ، فحين واجهه رئيس المحكمة بالقول « إنه في حال القبول بالنظام الذي تقترحه يصبح من المحتم إلغاء الكثير من المقاطع المهمة في الكتاب المقدس وهو أمر مستحيل « أجابه غاليليو بثقة « أن الكتاب المقدس لا يشكل دراسة لعالمنا الفيزيائي والنية فيه تهدف إلى تعليمنا كيف نصل إلى السماء لا كيف تسير هذه السماء « إلا أنه سرعان ما تراخى وأذعن لمشيئة المحكمة الصارمة ، بعد أن هدده قضاتها باللجوء إلى تعذيبه للحصول على اعترافه بالخطأ والتوبة عنه ، وأعلن « أنه هنا ليطيع أرادة المحكمة « وأنه « بقلب مخلص وإيمان عميق يلعن ويحتقر كل خطأ وكل هرطقة ضد الكنيسة ويقسم أنه لن يقدم في المستقبل على تأكيد أي أمر من شأنه أن يعتبر مشينا بحق ما ورد في الكتابات المقدسة « وهكذا انتهت محاكمة غاليليو على غير ما يشاع من أنه قال وهو يخرج من قاعة المحكمة « ومع ذلك فهي تدور « فمن الواضح أنه لم يكن في وضع يسمح له بقول مثل هذا الكلام ، ولو قاله لكلفه ذلك حياته في الموقد الذي سبق واحترق فيه الكثيرون غيره ، إلا أنه من الواضح أيضا أن لسان حاله كان يقول ذلك من دون أن ينطق بكلمة واحدة ، فهو يعرف أكثر من غيره أن الأرض كانت تدور قبل إعلانه عن ذلك بمليارات السنين وأنها سوف تظل تدور كذلك لمليارات أخرى قادمة ، ويعرف أيضا أن ما اكتشفه حقيقة ليس في وسعه أو وسع أحد غيره الرجوع فيها .

S.alsayyari@hotmail.com

سليمان السياري أكتوبر 3, 2010, 3 ص