المدن الاقتصادية .. أفكار عميقة لتحويل المملكة إلى نمر اقتصادي

عهد الخير منح المملكة لقب عاصمة الدول الاقتصادية

نهار الشمري ـ جدة

إن فكرة إقامة المدن الاقتصادية في المملكة من الأفكار العميقة التي تساهم بصورة فعالة في تحويل المملكة إلى نمر اقتصادي عربي أو آسيوي أو إسلامي لتنضم إلى قائمة النمور الاقتصادية : ماليزيا وسنغافورة وأندونيسيا.

وقد قاد هذه المدن الاقتصادية العملاقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ بفكره العميق الساعي إلى إيجاد اقتصاد قوي يصل بالمملكة إلى العالمية. إن المدن الاقتصادية استثمار مشترك محلي وأجنبي فهي بالإضافة إلى توطينها للأموال المحلية تجذب أموالا أخرى من الخارج تستثمر في بلادنا الطاهرة. كما أن هذه المدن تتميز بوقوعها خارج المدن الرئيسة في المملكة. فمدينة الملك عبد الله الاقتصادية في ينبع ومدينة الأمير عبد العزيز بن مساعد الاقتصادية في حائل ومدينة جازان الاقتصادية في جازان ومدينة المعرفة في المدينة المنورة تؤكد حرص قيادتنا على تنمية المناطق الأخرى (خلاف الرئيسة) لكي تشهد نهضة تنموية متكاملة مثلما حدث في المناطق الرئيسة. والمدن الاقتصادية تساهم أيضاً في إيجاد فرص عمل للشباب السعودي الذي أصبح يمثل 60 بالمائة من عدد السكان. كما تؤدي إلى الحد من الهجرة الداخلية من المناطق النائية إلى المدن الكبرى ما يساهم في ايجاد توازن داخل التركيبة السكانية في البلاد، علاوة على ذلك كله تتحول المملكة من الاعتماد على النفط في دخلها إلى تنوع مصادرها من خلال المنشآت الاقتصادية الأخرى التي ستنتشر في كل بقعة من أرض المملكة، حيث تكون هناك استثمارات استراتيجية تعتمد عليها المملكة.

إن الرؤية المستقبلية الشاملة التي يتمتع بها خادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ـ في قيادة اقتصادنا وتنويع مصادره ستجعلنا من الدول المتقدمة خلال هذا القرن الحادي والعشرين وتكون المملكة العربية السعودية عاصمة المدن الاقتصادية في العالم وصاحبة الريادة في هذا المجال.

مدينة الملك عبد الله الاقتصادية :

مدينة الملك عبد الله الاقتصادية مدينة سعودية مستحدثة ذات طابع اقتصادي أعلن عن إنشائها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز عام 2005 وتقع في منطقة مكة المكرمة. تبلغ تكلفة مشروع المدينة 100 مليار ريال سعودي وتنفذه شركة إعمار. وتقع في شمال جدة بالقرب من مدينة رابغ الصناعية، حيث تمتد على مساحة 168 مليون متر مربع على ساحل بطول 35 كم في موقع متميز على البحر الاحمر، إذ تبعد المدينة أقل من ساعة واحدة عن مدينة جدة. كما تبعد مسافة مماثلة عن ينبع من جانب ومكة المكرمة والمدينة المنورة من جانب آخر.

ويحتل الميناء مساحة قدرها 2.5 مليون متر مربع، وسيكون وصلة ما بين المملكة العربية السعودية والعالم من جهة ووصلة ما بين آسيا وأفريقيا وأوروبا من جهة أخرى، حيث يمثل محطة إضافية على البحر الأحمر، تتوقف عندها البضائع المشحونة ما بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي. ويتميز الميناء بتجهيزات حديثة للغاية، حيث إنه مجهز بوسائل تعقب للسفن عن طريق الأقمار الصناعية ووسائل حديثة كثيرة، وسيقوم الميناء باستقبال الحجيج سنوياً، ويتمكن من استيعاب 300,000 حاج سنوياً. وتتضمن المرحلة الأولى منه مساحات مبنية قدرها 6.24مليون متر مربع، حيث يحتوي أيضاً على مختبرات للأبحاث والتطوير.

مدينة الأمير عبد العزيز بن مساعد الاقتصادية بحائل :

تقع مدينة الأمير عبد العزيز بن مساعد الاقتصادية في منطقة حائل شمال المملكة، وأجواء هذه المنطقة معتدلة، حيث تتراوح درجات الحرارة بين 10و40 درجة مئوية، وتعتبر منطقة حائل من أغنى مناطق المملكة بمصادر المياه الجوفية، حيث تملك المنطقة أعلى مخزون مياه في المملكة، وتنعم هذه المنطقة بالعديد من المزايا النسبية أهمها موقعها الاستراتيجي، حيث تقع في قلب منطقة الشرق الأوسط وبالقرب من دول شمال المملكة وعلى تقاطع طرق النقل البري والسكة الحديد وبالقرب من مطار دولي، وكذلك تحظى المنطقة بمقومات كثيرة منها كونها قاعدة عريضة وتاريخية للقطاع الزراعي، إضافة إلى المخزون الكبير من المعادن، وأيضا الإمكانات التاريخية والسياحية، إضافة إلى ما ذكر تمر منطقة حائل في السنوات الأخيرة بنقلة كبيرة من التطور الاقتصادي وإنشاء العديد من المرافق العامة كالمستشفيات والطرق والكليات والمدارس. ومن حيث التركيبة السكانية للمنطقة تعتبر المنطقة مجتمعا شبابيا، حيث يبلغ عدد السكان 600 ألف نسمة منهم 55 بالمائة أعمارهم أقل من 15 سنة، وتشكل نسبة الشباب ذوي الأعمار أقل من 29 سنة 83 بالمائة، وتعتبر هذه التركيبة من السكان مميزة عالمياً، ويشكل ذلك فرصة وتحديا في الوقت نفسه، حيث تكمن الفرصة في توافر الكوادر الشابة من المواطنين والمواطنات اللازمة للعمل في مدينة الأمير عبد العزيز بن مساعد الاقتصادية والتحدي في توفير الفرص الوظيفية المناسبة لهؤلاء الشباب والشابات.

مدينة جازان الاقتصادية :

تقع مدينة جازان الاقتصادية بمحاذاة البحر الأحمر على بعد 60 كم شمال مدينة جازان. تقام هذه المدينة على مساحة تبلغ حوالي 103 كم مربع بساحل شريطي طوله حوالي 12 كم ونصف الكيلومتر. وتبعد أقرب مدينة ـ وهي مدينة بيش ـ عن مدينة المستقبل المتوقعة حوالي 23 كم ناحية الشرق (خط العرض: 17 19’ 16”، خط الطول : 42 41’ 43). لا تقع مدينة جازان الاقتصادية في موقع توافر المواد الخام ومصدر العمالة الزائدة فحسب، لكنها أيضًا تقع بمحاذاة أهم طريق شحن على البحر الأحمر. ومما لاشك فيه أن قرب مدينة جازان الاقتصادية من المطار الدولي الجديد الذي يقع على بعد 20 كم جنوبًا سيزيد سهولة الوصول إليها والتوصل معها، بالإضافة إلى الطريق الجديد المقترح الذي يمتد شرقًا، وكذلك خط السكك الحديدية المخطط لإقامته لربط المدينة الاقتصادية مع مدينة جدة التي تقع على بعد حوالي 650 كم شمال غربي البلاد. ويعتبر موقع مدينة جازان الاقتصادية استراتيجياً، حيث يطل على شواطئ البحر الأحمر من ناحية الغرب ويحده الطريق الجديد من ناحية الشرق ويؤدي هذا الطريق إلى مدينة جيزان، ويحده من الشمال الطريق المؤدي الى بلدة بيش المجاورة التي تبعد حوالي 23 كيلو مترا،

مدينة المعرفة الاقتصادية بالمدينة المنورة :

تشكل مدينة المعرفة الاقتصادية واحداً من المشروعات الحضارية المتقدمة التي تشهدها المملكة العربية السعودية والرابعة من نوعها، حيث تستهدف إرساء مجتمع معرفي خاصة أنها تجاور جامعة الملك عبد الله وتعد امتدادا طبيعيا للنمو العمراني والاقتصادي للمدينة المنورة وفق تطلعات خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود تجاه المدينة المنورة وتجاه المؤسسات العلمية والتعليمية التي تخطوها المملكة في مشوار النهضة العلمية. وتقع مدينة المعرفة الاقتصادية التي تبلغ استثماراتها 33 مليار ريال ضمن النطاق العمراني للمدينة المنورة على بعد خمسة كيلومترات من المسجد النبوي الشريف وسبعة كيلومترات من مطار المدينة المنورة الدولي على امتداد طريق الملك عبد العزيز الذي يمثل المحور الرئيس في المدينة المنورة. كما توفر مدينة المعرفة المناخ العملي المناسب لجذب العلماء والخبرات من جميع النواحي والعمل على وجود البيئة المناسبة للبحث العلمي، فضلا عن توافر الإمكانيات التي تؤهلها لكي تكون قاعدة علمية في مجال المصرفية الإسلامية. وتعد مدينة المعرفة الاقتصادية الرابعة من نوعها في المملكة العربية السعودية، وواحدة من ست مدن اقتصادية سيتم إنشاؤها. كما يمثل المشروع أهمية خاصة نظرا للموقع الجغرافي الذي تحظى به مدينة المعرفة الاقتصادية التي أمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في يونيو 2006 بإنشائها بالقرب من الحرم النبوي الشريف في المدينة المنورة لتكون مدينة ذكية تستهدف إيجاد نشاط اقتصادي قائم على الصناعات المعرفية. ومن المتوقع أن توفر المدينة ما يزيد على 20 ألف فرصة عمل وتستوعب 150 ألف ساكن و30 ألف زائر، وتغطي مساحة من الأرض تصل إلى 4.8 مليون متر مربع، ويشغل البناء مساحة تصل إلى 8 مليون متر مربع. وقد وضعت مدينة المعرفة الاقتصادية بالمدينة المنورة خطة لتنفيذ المدينة على أربعة مراحل بتنفيذ البنية التحتية.

وتهدف مدينة المعرفة الاقتصادية إلى جذب العلماء والخبراء في مجال المعرفة من شتى أنحاء العالم، حيث ستوفر لهم الفرص في إبراز إمكاناتهم، ويسعى المطورون لتوفير الفرص المواتية للمستثمرين وأصحاب مشاريع البنية التحتية، وسيحرصون على تقديم المواهب والإمكانات التي تقود إلى تحقيق عائد مجز على الاستثمار.

وتم تأسيس هذه المدينة لتكون معلماً حضارياً لخدمة سكان وزوار المدينة المنورة، وصرحاً وطنياً وعالمياًً للتنمية الاقتصادية المبنية على الصناعات المعرفية.

ويعد مشروع مدينة المعرفة الاقتصادية واحداً من المشروعات المتقدمة، حيث ستساهم في تأسيس مجتمع سعودي معرفي متطور، خاصة أنها تقع في المدينة المنورة التي تعد منطلقا لتطور الاقتصاد الإسلامي الذي أصبح من أهم المساهمين في الاقتصاد العالمي، وأيضاً هي أول منطلق للأسس الإسلامية في التعاملات التجارية والتمويلية والتعاقدية، بما أهل المدينة لتكون قاعدة مستقبلية قوية تدعم الاقتصاد الناشئ في مجالات التجارة والتعليم والعقار القائم على الإسكان الذكي، إضافة إلى ذلك فإن المدينة تنمو بشكل سريع لاسيما في السنوات الأخيرة وتجد دعماً كبيراً، وحركة زوار متنامية نمواً مطرداً. وترتكز الاستثمارات في مدينة المعرفة على أربعة محاور رئيسة، أهمها : تطوير قاعدة تعليمية قوية تتماشى مع الأهداف التي وُضعت في إستراتيجية المدينة المنورة وإيجاد قاعدة مصرفية الإسلامية وربطها بأسس تعليمية وتطوير متوازن لجميع العناصر التي توجد مجتمعا متكاملا من جميع النواحي السكنية والخدمية والعمل على التطوير السكني والمراكز التجارية وإيجاد مركز للأعمال يحتوي على كافة القطاعات الخدمية، إلى جانب وجود خدمات مدعومة بشبكة ذكية تستخدم كافة التقنيات الحديثة مثل الإنترنت والاتصالات المتقدمة. كما أن مدينة المعرفة الاقتصادية بالمدينة المنورة تعمل مع عدة شركات استشارية عالمية لتحدد فيها الإطارات للصناعات المعرفية التي تتماشى مع اقتصاديات المدينة سواء الحالية أو المستقبلية. ويتحقق المردود الاقتصادي للاستثمار والسكن في مدينة المعرفة من خلال فترة الإنشاء التي تحقق جذب استثمارات تبلغ 33 مليار ريال بما يوفر وظائف وتجارة وخدمات في مختلف المجالات سواء على مستوى حركة النقل الجوي والبري، وتعد صناعة الإنشاء والتطوير من أهم الصناعات التي تشمل قطاعات كثيرة. وتسهم المدينة على المدى الطويل في زيادة الناتج المحلي بما لا يقل عن مليار دولار سنوياً، يعاد ضخها في اقتصاديات المدينة بصورة عامة، الأمر الذي يوفر وظائف جديدة ذات مردود ودخل أعلى من المستوى الحالي لأنها ستكون متخصصة في التقنية، التعليم، الصحة، والأعمال التجارية، ويرفع ذلك معدل الدخل ويسهم في نمو الاستثمار لأصحاب الدخول الجيدة ما يمكنهم من أن يدخلوا في استثمارات متعددة تحدث تأثيراً إيجابياً في زيادة الناتج الإجمالي المحلي للمدينة المنورة. وقد صُممت مدينة المعرفة الاقتصادية لتعكس نمط العمارة الإسلامية التقليدي للمدينة المنورة، ولتُعطي المشروع طابعا فريدا يعكس روح المدينة وعبق تراثها. كما روعي في تصميم المدينة تلبية احتياجات الزوار والسكان ضمن منطقة واحدة متكاملة الخدمات، شاسعة المساحات، تربط عناصرها وسائل مواصلات عصرية وتخدمها بنية تحتية مدعمة بشبكة اتصالات متطورة. وتتكون مدينة المعرفة الاقتصادية من عناصر رئيسة تشمل : مجمع طيبة للتقنية والاقتصاد المعرفي، كليات تقنية وإدارية، متنزه "أرض السيرة"، مجمعٌا للدراسات الطبية والعلوم الحيوية والخدمات الصحية، مركزٌا متكاملاٌ للأعمال، مناطق سكنية تشتمل على العمائر والفلل والشقق الفندقية، محطة للمسافرين عبر قطارات السكة الحديدية والطرق البرية، مجمعات تجارية تقدم أحدث خدمات التسويق، مسجد الملك عبد العزيز. ويشتمل أيضا المشروع على : منطقة تعليمية تشمل معهدا فنيا وإداريا، مركزا للعلوم الطبية والتكنولوجيا الحيوية، حديقة للتكنولوجيا المتقدمة للصناعات القائمة على المعرفة ومراكز الأبحاث والتطوير العلمي، منطقة تجارية تحتوي على 1200 محل بمستوى عالمي لخدمة منطقة المدينة، مجمعا كبيرا لنشاطات التجزئة يحاكي الأسواق القديمة في المدينة المنورة. كما يشتمل المشروع على محطة تجارية مزودة ببنية تحتية ذكية، وحدائق تكنولوجية وترفيهية وتعليمية، وحديقة خاصة تعمل بواسطة أحدث تقنيات الوسائط المتعددة والليزر والتكنولوجيا الرقمية للتعريف بالحضارة الإسلامية، بحيث تعكس إسهام الحضارة الإسلامية في المعرفة العالمية.

نهار الشمري ـ جدة يونيو 9, 2010, 3 ص