( رجالنا مبتئسون والرائعون فيهم يموتون مبكرا. أنت لست منهم. أنت طفل جميل ، حاذر أن تصير رجلا. اترك لهم فتوحاتهم ورجولاتهم الوهمية، فأنت لست في حاجة إليها مطلقا ).. لا أدري لماذا منذ قرأت هذه العبارة قبل خمس سنوات في رواية " شرفات بحر الشمال " للروائي الجزائري واسيني الأعرج، وأنا أشعر أن ثمة يد تهزني بعنف، وتوقظني من سبات عميق. كنت أعتقد أني نسيت العبارة مع الزمن، لكنها تخرج من أقصى أعماق الروح، كلما رأيت من يحاولون وأد طفولة صغارهم، أو طفولتهم وهم كبار.
مشكلتنا أننا نتعامل مع الطفولة كمرحلة زمنية، ندفنها حينما نعتقد أننا كبرنا, وأن الطفولة مضاد وجودي للرجولة. وهكذا، نخسر أجمل مافي الحياة، نفقد الطفل الذي في دواخلنا، الطفل الذي يفتح لنا أبواب المطر، ومساءات الحنين، و"كرنفال" الموج. وبدلا من أن نربي صغارنا على العناية بطفولتهم كما ينبغي بمباهج الحياة، نسخر من براءتهم وعفويتهم وسجيتهم، بدءً من: " لاتبكِ. أنت رجل، والرجال لايبكون" : وانتهاءً بـ " لاتكن طفلا تلعب هذه الألعاب ". نقذف في وجوه أطفالنا هذه العبارات، ولاندري أننا نطعنهم في حقيقة الأمر، ندعوهم إلى السجون التي ارتضيناها لأنفسنا في مجالس الابتسامات المغلفة و"التحايا" المعلبة، ندعوهم إلى رجولات وهمية، وفروسية على أكوام القش.
وحدهم الفنانون والشعراء والفلاسفة الحقيقيون، والاستثنائيون من البشر يدركون خطورة وعمق هذه الفكرة ومصيريتها، لذلك لايتنازلون عن الطفل الذي يقاسمنا كل شيء، يرص جسده بجانبنا، متشبثاً بثيابنا خوفا من السابلة الغرباء. الطفل الذي يأخذنا إلى عمق الحياة، ويبلل قلوبنا بالدهشة، ويؤثث صباحاتنا بـ " أغصان مبتهجة" و" أقواس قزح ". الطفل الذي يعلمنا كيف نركض تحت المطر، وكيف ندس البرد في جيوبنا، والغيوم في حقول الروح. الطفل الذي يعلمنا كيف نكون كما نحن عليه، لاكما يريد الآخرون أن نكون. وحتى لانصبح نسخا مكررة من رجال الشمع الذين يستقبلوننا في زوايا المتاحف الهرمة، علينا أن نفتح النوافذ لهذا الطفل، ونبتهج.
قبل أيام، كنت أمارس المشي في كورنيش الخبر، ولمحت امرأة مسنة تصارع أقدامها الأرض. تقف قليلا، ثم تواصل المسير، حتى اقتربت وزوجها الكهل من الأرجوحة أو كما يحلو لنا أن نسميها " المراجيح " .. لتقذف بجسدها فجأة في الهواء. هكذا عادت إلى براءتها الأولى. الطفلة التي ترسم أحلاما على الرمل، وبالونات ملونة في كراستها الصغيرة. الطفلة ذاتها، وبعد سبعين عاما، تنسج أحلامها بقدمين متعبتين في الهوا ء.. بقدمين تقتربان من القمر والغيوم والفرح.
لاأعرف كيف قادني هذا المشهد إلى رجل سبعيني من أقاربنا حين قرر وفي لحظة جنونية أن يركب "الدباب" في إحدى رحلاتنا البرية، مر بقربنا وهو يضحك حتى همس لي أحدهم .. " إنه لايضحك لنا يابدر، إنه يضحك علينا، وعلى كل الذين رموا بالطفولة خلف ظهورهم بعد أن أصبحوا كبارا .. !! "
في نفس تلك الليلة، سحبت قصاصة ورق من جيبي ،وكتبت عليها: (أن تتنازل عن طفولتك يعني أنك تنازلت عن حياتك وفرحك..هل فهمت؟!).
[email protected]