د. نعيمة إبراهيم الغنّام

د. نعيمة إبراهيم الغنّام

يعتقد الكثيرون أنهم المسئولين عن تربية الأبناء بشكل كامل، وهذا اعتقاد خاطئ بالتأكيد، فالحقيقة أن التأثير التربوي على الأطفال يتوزع ما بين الأسرة وبين المؤثرات الخارجية التي تأتي بمقدمتها شاشة التلفاز، وتختلف نسب التأثير من وقت لآخر كما تختلف بحسب محددات موضوعية عديدة، ومن المسلم به طبقا للدراسات التربوية أن نسبة تأثير الأسرة على الطفل ودورها بتشكيل وعيه تقل بشكل مستمر لمصلحة المؤثرات الخارجية التي يأتي التلفاز وخاصة القنوات المخصصة للأطفال بمقدمتها، وليس من الحتمي أن يكون هذا التأثير الكبير لتلك القنوات سلبيا بل يمكن لو توفرت إرادة واعية أن يصبح التأثير إيجابيا، وأنا أختلف قليلا مع منهج عمل بعض تلك القنوات بما تملكه من قدرة عالية على تشكيل وعي أطفالنا ومدهم بالمعارف التي يحتاجون إليها.

دعوني أقص عليكم واقعة توضح قصدي، بزيارة لأسرة صديقة جلست أداعب طفلها في محاولة للتحاور معه، ووجدتني أسأله السؤال التقليدي المعتاد، ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟ أمل، أخبرني الطفل الجميل الذي يقترب من سنته الخامسة فقط أنه يرغب أن يصبح دكتور تشريح، بالطبع كانت الإجابة مفاجأة كبيرة بالنسبة لي، سألته عن السبب فأخبرني أنه يريد أن يشرح جثث الموتى ليعرف أسباب موتهم، للحظات نسيت أني بالأساس خبيرة بمجال التربية وأني قضيت الكثير من عمري بدراسة النظريات المختلفة للتربية، وطال الحوار بيننا حتى اكتشفت أن رغبته تلك تعود لتأثير مسلسل أطفال يعرض كثيرا على قنوات الأطفال، يدور المسلسل حول التحقيق في جرائم القتل والكشف عن مرتكبيها، بعد تلك الواقعة قضيت يوما كاملا أتنقل بين قنوات الأطفال بمحاولة لتحليل سريع لمضمون الخطاب الذي تنقله لأطفالنا يوميا، ووجدت تناقضات كثيرة وخلطا بين المفيد والضار، فهناك برامج ومسلسلات درامية كرتونية تمد الأطفال بطرق ذكية بمعلومات كثيرة تسهل عليهم كثيرا عملية التعلم المستمرة، وقد لاحظت في حواري مع الطفل أن الكثير من المفردات التي يستخدمها هي عربية فصيحة سليمة تعلمها ببساطة عن طريق السمع - الوسيلة المثلي لتعلم اللغة – فالمعروض على تلك القنوات يتم باللغة العربية، وهذا له تأثير إيجابي بالتأكيد على تقبل أطفالنا للغتنا العربية الجميلة التي كادت تهجر حتى على مستوى الكثير من القنوات الإعلامية التي تنطق بلهجات عامية محلية، وبنفس الوقت وجدت الكثير من المسلسلات التي يعد عرضها على الأطفال خطأ يصل أحيانا لمستوى الجريمة من حيث التأثيرات السلبية على الأطفال، يأتي العنف في مقدمة تلك التأثيرات، فالغالبية الكاسحة من المعروض على القنوات أعمال تدور حول الحروب والأسلحة، حتى الأعمال التي تعتمد على الخيال والتي من المفترض أن تجعل خيال الطفل منطلقا بلا حدود، تدور في أغلبها حول حروب تدور بين كائنات متخيلة وبين البشر، وبعد ذلك يأتي التأثير الاستهلاكي، فتلك القنوات تتعمد الترويج لمنتجات كثيرة أغلبها غير مفيد بوسائل جاذبة للأطفال ومخاطبة لخيالهم ورغبتهم بالتشبه بأبطال الأعمال التي يشاهدونها يوميا وبكثافة، أعلم أنه من الصعب إبعاد أطفالنا عن مشاهدة قنواتهم الخاصة، وربما لا يكون الإبعاد صحيح تماما، ولكن يجب أيضا أن لا نترك أطفالنا فريسة سهلة للكثير من المشاهدات التي تضرهم بالتأكيد على المدى الطويل، ومن جانب أخر يجب على القائمين على تلك القنوات إدراك خطورة ما يعرضوه على الشاشة على أطفالنا، وعليهم أن يدركوا أن أطفالنا أهم كثيرا من أرباح الإعلانات ونسب المشاهدة، يبقي أن أذكر أن هناك قنوات محدودة تدرك فعلا دورها التربوي بعدم عرضها للأعمال المتضمنة للعنف.

naimahgh@gmail.com

د. نعيمة إبراهيم الغنّام فبراير 3, 2010, 3 ص