ادمون صعب

ادمون صعب

«ستة آلاف سنة من الغزوات لم تشوّه وطننا وتقضي على بيئته وتراثه وخيرات أرضه كما فعلنا نحن في ستين سنة منذ نلنا استقلالنا (...) إننا نعيش شريعة الغاب في غابة من الشرائع».

فيليب سكاف

رئيس «حزب الخضر»

(في إعلان «مقتطفات من بيان وزاري لحكومة لم تأت بعد»)

يكاد لا يُصدّق ما يحدث منذ غياب شمس 7 حزيران. كأن لا معارك، ولا صراعات. والكل يكرر: لقد اصبحت الانتخابات وراءنا، بكل ما حفلت به من مناورات وشعارات، بعضها صادق، وبعضها الآخر خادع ومضلل وقد اختفت آثاره وتخلى عنه مطلقوه والنافخون في ابواقه والضاربون على طبوله، وفي مقدمه الزحف الفارسي – السوري «المظفر» لاجتياح لبنان وزحزحته من مكانه واخذه الى بحر قزوين وتسليمه الى ملالي ولاية الفقيه الامر الذي زرع الرعب في نفوس عدد كبير من اللبنانيين، وبالاخص المسيحيون الذين لم يتردد كبير اساقفتهم البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، بعد رياضة روحية وفحص ضمير، في التحذير عشية الانتخابات من خطر على الكيان والهوية العربية. وقال محذّرا جميع اللبنانيين، وليس المسيحيين فحسب: «(...) لقد انتفضنا على الهيمنة السورية واستعدنا استقلالنا الوطني، فاذا بنا اليوم امام تهديد للكيان اللبناني ولهويتنا العربية. وهذا خطر يجب التنبه له. لذلك ان الواجب يقضي علينا ان نكون واعين لما يدبّر لنا من مكائد، ونحبط المساعي الحثيثة التي ستغيّر، اذا نجحت، وجه بلدنا». واذ لم يُفصح سيدنا البطريرك عن الجهة التي تهدد الكيان والهوية العربية، فقد فهمت المعارضة، وخصوصا الشيعة و»حزب الله» حلفاء سوريا وايران انهم المقصودون بتحذير البطريرك، وان الخطر متمثل في نظره بعودة الوصاية السورية الى لبنان، وباقامة دولة اسلامية في بلاد الارز على غرار الدولة الاسلامية في ايران يحكمها الملالي وتخضع لولاية الفقيه. ولم يدر في خلد احد على الاطلاق التهديد الكياني الذي يشكّله العدو الاسرائيلي الذي يحتل الارض بينما لا سوريا ولا ايران تحتل اي شبر من ارض لبنان، ومن يُعتبرون حلفاء لسوريا وايران من اهل لبنان هم الذين حرروا الارض عام 2000 واعادوها الى الوطن الام، مقدسة للمسيحيين قبل المسلمين في الجنوب والبقاع الغربي، وقد رواها الذين تراءى للبعض انهم يهددون الكيان بالسلاح فحرروا به الأرض وبالايمان الذي ألهب نفوسهم لبذل أرواحهم في سبيلها، دون ان يطلبوا اي تعويض سوى احترام طهارة الشهداء وعدم التنكّر لتضحياتهم. وحبذا لو كان للراعي الكبير بُعد النظر الذي يتحلى به السياسيون، فلا يحصر واجبه الديني ووجدانه الاخلاقي بتحسس الخطر الذي يشكّله «حزب الله» وسلاحه، ونظرية ولاية الفقيه، والمطامع السورية والطموحات الايرانية، وينسى الخطر الاسرائيلي الذي يتهدد الكيان الوطني والوجود المسيحي في لبنان والشرق. ولدى صاحب الغبطة المعرفة الكاملة باخطار الهجرة المسيحية من فلسطين، وخصوصاً من بيت لحم والناصرة والقدس، بفعل التهويد. وحبذا لو فعل ذلك، اي لو حذّر من ولاية الفقيه والمشروع الصهيوني للسيطرة على المنطقة. وكانت لديه وقائع وقرائن كثيرة في شبكات التجسس الاسرائيلية التي كشفتها السلطات الامنية اللبنانية ولا تزال تتابعها، ولا يكاد يمر يوم الا وتظهر شبكة جديدة، ولعل اخطرها «شبكة العلم» التي ظهر انها كانت مكلفة مراقبة رئيس «تيار المستقبل» النائب سعد الحريري، ورئيس الهيئة التنفيذية لحزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، اضافة الى الامين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله. وقد تكون هناك شبكات لم تكتشف بعد تراقب زعماء آخرين، مما يوحي بوجود مخطط اسرائيلي لافتعال فتنة طائفية لاغراق لبنان في الدم. ولم تتردد اسرائيل، فور اعلان فوز الاكثرية في الانتخابات، في تحميلها مسؤولية اي اعمال «عدوانية» ضدها في الجنوب. وقد أشار اعلامها الى انها كانت تفضّل فوز المعارضة حتى يوفّر لها ذلك مبرراً للقيام بعدوان ضد لبنان بحجة خضوعه لسلطة «حزب الله»، بينما هي تنتظر ان يتم تجريد «حزب الله» من سلاحه حتى تستفرد الجيش في اي معركة تحصل على الحدود، او تحمّل لبنان مسؤولية اي خرق لوقف النار في الجنوب، من اي جهة اتى، نظراً الى تفوّق جيشها على الجيش اللبناني، بل على كل الجيوش العربية. ولعل ابرز ما ظهر، بعدما ألقى الجميع ما حصل قبل 7 حزيران وراءهم، ان الخطر الحقيقي الذي يتهدد لبنان هو الخطر الاسرائيلي وليس «الاخوة الاعداء» كما وصفهم رئيس مجلس النواب نبيه بري. واذ غابت الاتهامات للمعارضة بأنها كانت ستعيد نظام الوصاية الى لبنان، وتفرض عليه التشيّع، وتغيّر ثقافته وطريقة عيشه في ظل ولاية الفقيه، وتشرّع ارتداء الشادور، وتقفل دور السينما والمسارح والملاهي والمطاعم التي تقدم الكحول، وتحظّر ارتداء «المايو» على البحر، وتطلق اليد لشرطة النهي عن المنكر والأمر بالمعروف الخ... تحولت الاتهامات في اتجاه اسرائيل من اعلى المواقع، اي من رئاسة الجمهورية. فقد اعلن الرئيس ميشال سليمان بعد يومين من اجراء الانتخابات «ان الثوابت الوطنية هي التي تحمي لبنان من الاخطار الخارجية المتمثلة بمخططات اسرائيل التي برزت معالمها في بيان الخارجية الاسرائيلية الذي يستبق تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة بتحميلها مسؤولية اي نشاط معاد ينطلق من اراضيها». اما الرئيس نبيه بري فقال: «ما من احد في لبنان، قبل الانتخابات او بعدها، اسقط من حساباته وادبياته السياسية مخططات اسرائيل ضد لبنان. فالجميع في لبنان يدركون ان اسرائيل تمثّل العدو الاول، وتتربص بوحدتهم وسلمهم الاهلي، باعتبار ان لبنان التنوع والتعايش الاسلامي – المسيحي يشكل نقيضاً لاسرائيل العنصرية». وأضاف: «ان اطلاق نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي سيلفان شالوم تهديدات للبنان بعد المناورات الأضخم في تاريخ الدولة العبرية يستدعي من اللبنانيين المزيد من الانتباه والاهبة والوحدة الوطنية لكبح جماح العدوانية الاسرائيلية واحباط محاولاتها الرامية الى تمزيق وحدة اللبنانيين ومواجهة اي تحد اسرائيلي محتمل». واذا كان البطريرك الماروني اخطأ في التصويب، فان رئيس كتلة «المستقبل» النائب سعد الحريري ورئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط قد سارعا بعد اعلان نتائج الانتخابات، الى اخراج سلاح «حزب الله» من التداول كخطر على لبنان واللبنانيين. فقال الحريري في حديث الى التلفزيون الايطالي رداً على سؤال حول سلاح الحزب: «نريد مصلحة لبنان. وارى انها تكمن في فتح حوار مع مختلف الاحزاب السياسية. ونرى النتيجة. المهم بالنسبة الينا ليس ما تريده الولايات المتحدة او الأوروبيون او اسرائيل. بل ما يريده اللبنانيون. اللبنانيون ادلوا باصواتهم الاحد 7 حزيران وفازت 14 آذار. لكن لبنانيين آخرين صوتوا أيضاً لمصلحة «حزب الله» وعلينا ان نأخذ اصواتهم في الاعتبار ونتحدث معهم. فهم موجودون في لبنان وجزء من هذه البلاد. وكل ذلك لا يتحقّق بالقوة بل عبر الحوار». وفي موقف جديد من موضوع اغتيال والده قال الحريري: «صدرت مقالات كثيرة في الاعلام في قضية الاغتيال، ونشرت در شبيغل الالمانية ما نشرته حول علاقة حزب الله بالعملية، وبعض الصحافيين يقول ان الأميركيين ارتكبوا الجريمة. وبعضهم الآخر يتهم الاسرائيليين او السوريين، لكن ما يهمني انا ويهم الشعب والدولة اللبنانية هو قرار المحكمة الدولية». اما جنبلاط فقال: «ان قضية السلاح لا تحل الا بالحوار. واليوم نقول ان السلاح يعالج وفق الظروف اللبنانية والاقليمية من خلال الحوار للوصول الى ان يعزز هذا السلاح قدرة الدولة في مواجهة اسرائيل في يوم ما». واضاف: «لا نريد ان نعرّض الآلة العسكرية لحزب الله وكوادره الامنية للخطر الاسرائيلي. وهذا يأتي بالتوافق والحوار وفق الظروف الاقليمية واللبنانية والدولية». اننا في مناخ جديد وعدَنا به الرئيس سليمان، ولاقاه فيه جنبلاط والحريري الذي قال اثر اقفال صناديق الاقتراع مساء الأحد الماضي: «ليس في الانتخابات رابح وخاسر، الرابح الوحيد هو الديموقراطية. والرابح الأكبر هو لبنان». واذ شكر «كل من اعطى صوته للوائح 14 آذار»، حيا كل من أدلى بصوته للوائح المنافسة «لأنه ساهم في تكريس الديموقراطية وحرياتها في لبنان. ولهؤلاء اقول: واجبنا ان نسمع اصواتكم اولاً وقبل كل شيء، وفوق الاصوات الارادة العميقة والصادقة لجميع اللبنانيين واللبنانيات بأن نمدّ الايدي بعضا الى البعض، وان نشمّر الاكمام ونشبك الهمم لنعود جميعاً ومعاً الى العمل بجد وجدية من اجل لبنان». واوحى كلام الحريري الشاب كأن رفيق الحريري هو صاحب هذا الكلام وليس ابنه سعد الذي اراد ان يرى، على ما قال، «الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر شهداء الحرية في لبنان يتطلعون الى هذا المشهد من جنّة الخلد مطمئنين الى ان لبنان بخير، وان الشعب اللبناني بألف خير». وهذا ما يريده حقاً جميع اللبنانيين، ويرددونه وراء سعد الحريري.

  • النهار
ادمون صعب يونيو 13, 2009, 3 ص