حملة لاستعادة القلوب والعقول العربية

الرئيس أوباما يبدأ اليوم من الرياض هجوماً معاكساً ضد ثقافة الكره

اليوم ـ الدمام

حينما يحل الرئيس الأمريكي الرابع والأربعون باراك أوباما اليوم ضيفاً على خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، فإن الرئيس سيحل في أرض صديقة ووفية لأصدقائها والتزاماتها ورمز للسلام والاستقرار العالمي. وهو ليس الرئيس الأمريكي الأول الذي يزور المملكة ولن يكون الأخير، وزيارته محطة في طريق من عشرات السنين من الصداقة والتعاون الخلاق والأمثل بين البلدين منذ أول لقاء تاريخي بين جلالة الملك عبدالعزيز والرئيس الأمريكي الثاني والثلاثين فرانكلين روزفلت عام 1945 على متن السفينة كونري في البحيرات المرة، حيث بدأت العلاقات بشكل فعلي بين الجانبين. يجري الرئيس الأمريكي باراك أوباما اليوم الأربعاء محادثات مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في الرياض.وسوف يلتقي الزعيمان للمرة الثانية بعد ان التقيا في لندن في 2 ابريل الماضي، أثناء حضورهما قمة العشرين. ويأتي لقاء الزعيمين قبل يوم من إلقاء الرئيس الأمريكي كلمة إلى العالم الإسلامي من منبر جامعة القاهرة في الشقيقة مصر.

ترميم السمعة

وبوصوله إلى الرياض يبدأ أوباما، فعلياً، حملته لاستعادة السمعة الأمريكية في أوساط العالم الإسلامي، بعد أن أمضت إدارة سلفه، الرئيس بوش الابن، سنيناً تحصد للولايات المتحدة عداء العقول والقلوب بين المسلمين.

وكانت الإدارة الأمريكية السابقة التي كان يهيمن عليها المحافظون الجدد، أحد أشد التيارات السياسية الأمريكية تطرفاً، قد شنت حملة كره ضد المسلمين. وكان ديك تشيني نائب الرئيس السابق صقر الحملة في إدارة بوش وبمباركة من الرئيس.

وكانت الحملة الشرسة قد بلغت أوجها بتقصد السعوديين في الولايات المتحدة الأمريكية، وبمحاصرة المؤسسات الخيرية السعودية، وبهجمات مركزة على التقاليد الاجتماعية والدينية السعودية، بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ العداء السياسي.

وقد وفرت حملة الكره مجالاً واسعاً لكل العنصريين في العالم، ولكل من يحمل أضغاناً شخصية ضد العرب والمسلمين والمملكة العربية السعودية أن يعمل بحرية وينفث سمومه في العلاقات الأمريكية العربية والعلاقات الأمريكية السعودية.

هجوم معاكس

وكان الرئيس أوباما موفقاً في اختيار الرياض بداية لزيارته الأولى إلى الشرق الأوسط بعد توليه الرئاسة.

ومثلما بدأت حملة الكره الأمريكية ضد المسلمين ، بالمملكة العربية السعودية، فإن الرئيس أوباما يبدأ اليوم من الرياض حملته الودية المضادة لثقافة الكره.

ويوجد الكثير من الشئون والشجون التي يمكن أن يبحثها الرئيس أوباما في الرياض، مع زعيم مثل خادم الحرمين الشريفين. فالملك عبدالله رمز إسلامي فاعل، وناشط باتجاه ثقافة الود والسلام. وهو صاحب مبادرات حية وخلاقة تتجاوز زمانها وتعلو على الحواجز والعقبات الكداء التي زرعتها قروناً من الشك والعداء. مثل مبادرة حوار الأديان التاريخية التي توجت بقمتين. الأولى قمة دينية فكرية جمعت لأول مرة في التاريخ علماء الأديان والعقائد في مؤتمر عقد في العاصمة الأسبانية مدريد في 16 ـ 18 يوليو العام الماضي. والقمة الثانية سياسية فكرية هي المؤتمر العالمي للحوار بين أتباع الديانات والثقافات العالمية الذي حضره زعماء العالم أو ممثلوهم في مقر الأمم المتحدة في 5 نوفمبر العام الماضي.

وإذا ما وضع أوباما يده بيد خادم الخرمين الشريفين فإنه سوف يبدأ خطوات واثقة ومكينة نحو إحلال السلام في الشرق الأوسط، مما يؤهل الرئيس أن يكون زعيماً تاريخياً ليس للولايات المتحدة وحدها وإنما للعالم ولهذه الحقبة من التاريخ المعاصر.

والرئيس أوباما يحمل الكثير من المؤهلات ليكون فاتحاً تاريخياً، فهو رجل أسود جرب مرارة الظلم، وأبحر في تاريخ جذوره الأفريقية الموشحة بالآلام والدموع والسياط وموبقات ثقافة العنصرية والكره. إضافة إلى أنه زعيم دولة كبرى تبشر العالم بالحرية والعدالة وسيادة المؤسسات.

أمراض الشرق الأوسط

وفي حال استطاع الرئيس أوباما وضع عربة السلام في الشرق الأوسط على الخط، فإنه يخلق مقدمة حقيقية وموضوعية للقضاء على كثير من الأمراض في الشرق الأوسط، بما في ذلك الإرهاب والنزاعات الطائفية والأيديولوجية وفساد الحكومات.

القضية الفلسطينية لم تعد مشكلة احتلال إسرائيلي للأراضي الفلسطينية، فقط، ولكنها بدأت تتشعب وتتفرع إلى مشاكل أخرى. وأصبحت تمثل غطاء لكثير من السلوكيات الإرهابية والطائفية والطموحات الشخصية. والتوسعات الإقليمية لبلد مثل إيران.

وسبق أن احتل نظام صدام حسين عام 1990 الكويت، ووظف القضية الفلسطينية للمساومة. وأخذ صدام حسين يستخدم القضية الفلسطينية كورقة للدفاع عن نظامه، ولجمع المزيد من المؤيدين. وكان اسم فلسطين عملاً سحرياً لجلب دعم قطاعات شعبية واسعة في العالم العربي، تذكرت فلسطين وغفرت له جريمة احتلال بلد عربي جار.

إيران

وورثت إيران توظيف القضية الفلسطينية من غريمها السابق صدام. وبدأت طهران في الحديث عن تحرير فلسطين ومعاناة المستضعفين، وشرعية وجود إسرائيل، ليس بهدف تحرير فلسطين، ولكن لتمرير طموحات إقليمية. وجعل فلسطين غطاء للطموحات القومية الإيرانية في المنطقة. وتسيج طهران مساعيها لإنتاج سلاح نووي بالقضية الفلسطينية وتعطي انطباعاً، لدى المسلمين والعرب والفلسطينيين، أن قوتها العسكرية هي الأمل الوحيد لتحرير فلسطين ورفع الظلم عن الفلسطينيين، وإعادة حقوقهم التاريخية.

وكجزء من استراتيجية العلاقات العامة، الفعالة حتى في الأوساط التي تعارض السلوك الإيراني، يكرر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد خطاباته المثيرة حول مسح إسرائيل من الخارطة الدولية. وهي خطابات تجد صدى لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمون الذين يتعاطفون مع الفلسطينيين.

مما يعني أن طهران استطاعت أن تخلق رابطة بين فلسطين ومنشآتها النووية. وهي بذلك تود أن تعطي بعداً أخلاقياً وشرعياً أمميا لقوتها النووية إلى درجة أن كثيرين في العالم العربي تحدثوا عن أحقية إيران في امتلاك أسلحة نووية، وتجاهلوا المخاوف العربية وبالذات الخليجية من امتلاك طهران لأسلحة فتاكة.

ومن المنطقي أن تتوجس البلدان العربية والخليجية من توجه إدارة أوباما لعقد صفقة مع إيران. لأن أية صفقة تتجاهل الرؤية العربية الخليجية العربية في هذه المسألة سوف تنتج أخطاء ربما تهون معها أخطاء إدارة في قرار غزو العراق عام 2003. والمنطقة الخليجية قد ثخنت جراحها وليس بحاجة إلى مزيد من العواصف. وهي منطقة خزان النفط في العالم، ثمينة ومهمة للعالم الحديث. ويتعين بذل كل الجهود لإبقائها خارج الصراعات.

وبحكم أن المملكة والبلدان الخليجية لا تمارس أية سلوكية عدوانية. وتنزع إلى الحلول الهادئة الحكيمة، فإن إنصات إدارة أوباما لآراء هذه الدول سوف ينير الطريق للرئيس الأمريكي للتمكن من قرار يتسم بكثير من التعقل والثمار، لصالح استقرار بلدان المنطقة جميعها بما في ذلك إيران. ويقلل النتائج السلبية في المنطقة، خاصة في وجود قرار أمريكي بالانسحاب من العراق. ويجب الا يغيب عن الإدارة الأمريكية أن واشنطن بوش قد قدمت خدمة تاريخية لإيران، يحلم بها الإيرانيون طوال قرون من الزمان. وهي إطلاق أيديهم في العراق. وتمكينهم من السيطرة على مقدرات هذا البلد الثري والمهم. وتلك من أكبر الأخطاء التي اقترفتها إدارة بوش بحق العراق والمنطقة وإيران نفسها. بحكم أن طهران تعتبر هيمنتها على العراق مكسباً لن تتخلى عنه بيسر. وربما يدخلها ذلك في مواجهة مع المجتمع الدولي في المستقبل. ويكبر الخطر حينما تتسلح إيران بالقوة النووية. وتصبح القضية أكثر تعقيداً حينما يفوز المحافظون في الحكم ويستمرون في ممارسة استفزازاتهم التقليدية لدول المنطقة وتحريضاتهم وتهديداتهم. وهواية لعب الأدوار. وتعزيز أذرعتهم في العراق ولبنان وفلسطين واليمن.

الإرهاب

الإرهاب منهج أعمى جربته الأمم والبلدان في كل العصور على مر التاريخ. وهو برنامج شخصي يستغل المثاليات الفكرية في الأديان والثقافات ليجند الأتباع. والإرهاب لا دين له ولا عقيدة ولا وطن، مثلما أكد خادم الحرمين الشريفين ومسئولو المملكة مراراً على هذا المفهوم للإرهاب.

وقد ابتليت المملكة والولايات المتحدة بعدو إرهابي مشترك هو منظمة القاعدة التي اتخذت أجندة تهدف إلى زعزعة استقرار المملكة بصورة خاصة، وضرب علاقاتها الدولية. ومن هنا جاء استهداف الولايات المتحدة الأمريكية. وأيضاً محاربة المملكة باعتبارها مركز استقرار سياسي في المنطقة، وركن استقرار اقتصادي في العالم.

واشعلت القاعدة حرباً إرهابية دموية ضد أمريكا وضد المملكة واستطاعت تجنيد شباب بطاقات قتالية ملفتة وحصلت على أموال طائلة لتمويل مخططاتها العدوانية.

وتتحدث القاعدة باسم الدين الاسلامي ولكنها في نفس الوقت تستهدف المملكة مهبط الوحي وقبلة المسلمين. وهذا يجعل موقف القاعدة من المملكة محيرا، وتبدو ستاراً لقوى سياسية لا علاقة لها بالدين ولا بالأدبيات والمثاليات الإسلامية، في وقت يحرم الإسلام الجهاد في بلدان مسلمة ويمنع الخروج على ولي الأمر المسلم الذي لم يمارس الكفر بواحاً. بينما قادة المملكة يتميزون بإنجازاتهم التاريخية في سبيل خدمة الإسلام والمسلمين قل نظيره في التاريخ. وهذا ما جعل القاعدة تفقد حجتها في معاداة المملكة.

توظيف القضية الفلسطينية

وتوظف المجموعات الإرهابية، وعلى رأسها منظمة «القاعدة» القضية الفلسطينية لتمارس هوايتها في سفك الدماء، وارتكاب مجازر باسم الجهاد من أجل فلسطين ومواجهة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة من أكثر الدول تضرراً، إن لم تكن أكثرها على الإطلاق، من توظيف المنظمات الإرهابية، وعلى الخصوص القاعدة، شعار تحرير فلسطين والحقوق السليبة لمنحها شرعية القتل.

ولا يزال أسامة بن لادن وفلول منظمته يعيشون على نفس النغمة الخالدة، وهي وجود إسرائيل ومساندة أمريكا للاحتلال الإسرائيلي الباطش. وبحكم الممارسات الإسرائيلية البشعة والغطرسة الإسرائيلية ومراوغات الحكومات الإسرائيلية تجد منظمة القاعدة من يصدق بأنها منظمة جهادية تبذل أرواح اتباعها في سبيل فلسطين. بينما هي تخدر الشباب المسلم اليافع بالشعار الفلسطيني لتنفذ خططها الحقيقية في زرع الفتن والاضطرابات في بلدان العالم العربي، فيما تعمل حليفتها طالبان على إثارة المشاكل في باكستان.

وكل المنظمات الإرهابية العربية تعمل تحت غطاء ذات الشعار والمعزوفة الفلسطينية، إذ القضية الفلسطينية هي نقطة الضعف العربية. وكل من يتكلم باسم تحرير فلسطين يملك صوتاً عالياً ويحظى بقدسية خاصة.

كما أن أنظمة وأحزاباً عربية عديدة تدعي الثورية تستخدم القضية الفلسطينية في المزايدة السياسية للاستمرار في الحكم والتوهج الشعبي وتوظف القضية الفلسطينية كصك غفران في ممارسة الفساد. وباسم قضية فلسطين نشأت منظمات تجارية تبيع جهودها لمن يدفع وتتقلب تحالفاتها حسب الرياح. وباسم فلسطين تبدد موارد ضخمة في العالم العربي كان يمكن ان تستخدم لمحاربة الجهل والفقر والأمراض والتنمية الشاملة.

وباسم تحرير فلسطين تمارس السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح وحركة حماس أخطاء تحت شعار مقدس ولا يجوز مناقشتها. مما جعل الأراضي الفلسطينية مسرحاً للفقر والفاقة وتفريخ السلوكيات العنيفة.

وبات الآن حل قضية فلسطين مطلباً أساساً في تخليص الشرق الاوسط من كثير من أمراضه السياسية والاقتصادية والطائفية والأخلاقية ايضاً.

وقدمت المملكة مشروع المبادرة العربية لحل القضية الفلسطينية، وهو مشروع متوازن وعملي ويمكن أن يكون علاجاً نهائياً للقضية الفلسطينية. وعلى الولايات المتحدة الآن أن تمارس ضغوطاً على إسرائيل لحملها على اغتنام الفرصة، خاصة بعد أن قال خادم الحرمين الشريفين في مؤتمر الكويت في يناير الماضي، ان المبادرة العربية لن تبقى طويلاً على الطاولة، وقال في كلمته الشهيرة «لقد نسي القتلة ومن يناصرهم أن التوراة قالت.. إن العين بالعين.. ولم تقل التوراة.. إن العين بمدينة كاملة من العيون.

إن على إسرائيل أن تدرك أن الخيار بين الحرب والسلام لن يكون مفتوحا في كل وقت وأن مبادرة السلام العربية المطروحة على الطاولة اليوم لن تبقى على الطاولة إلى الأبد»..

الإنصاف

ومما سيعزز المساعي لإحلال السلام والتعاون السعودي الأمريكي هو أن المملكة لا تطلب من الولايات المتحدة الأمريكية سوى الإنصاف والإخلاص للمباديء الأمريكية العظيمة. فقد قال خادم الحرمين الشريفين في حديث لصحيفة السياسة الكويتية قبل أسبوع أن المملكة بانتظار ما سيقوله الرئيس الأمريكي «فلسنا دعاة حرب أو طلاب إشكالات أو مشكلات بل دعاة سلام .. نريد أن نستثمر الوقت في تنمية أوطاننا ورقي شعوبنا ، فأمامنا زمن يسرع الخطى نأمل أن نقتنصه فيما ينفع الناس ، لإيماننا بأن الخسارة تكمن في الزمن الذي يمضي سدى من دون انجاز» وأمل خادم الحرمين الشريفين بلغة مهذبة أن يحمل الرئيس الأمريكي انصافاً لقضايا العرب والمسلمين «وهو المطلب الذي ما فتئنا نردده على مسامع الإدارات الأميركية المتعاقبة». مطمئناً الولايات المتحدة أن «ديننا دين وسطية وعدالة.. دين تسامح ومحبة وإخاء ، دين يحض على إثراء علاقات البشر مع بعضهم البعض .. إنها رسالتي أجددها».

لقاء في قمة العشرين

يمكن للمملكة والولايات المتحدة أن يتعاونا من أجل استقرار المنطقة.

لقاء جلالة الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت ـ بداية العلاقات بين المملكة والولايات المتحدة.

اليوم ـ الدمام يونيو 3, 2009, 3 ص