سعيد حارب

سعيد حارب

مرت في الأسبوع الماضي الذكرى الحادية والستون لاغتصاب فلسطين، وقد قضى الفلسطينيون ما يقرب من تسعة عشر عاما في مفاوضات مع اليهود، فما الذي تحقق خلال هذه الأعوام الطوال؟ كانت المفاوضات أقرب إلى السياحة منها إلى العمل المنتج، واليوم يحاول الطرفان بدء جولة سياحية أخرى، ولكن بأدوات جديدة وشروط جديدة وأشخاص جدد، فهذه المفاوضات التي يتم الإعداد لها في الكواليس السياسية وتنشط أطراف عربية عدة في التمهيد لها -يفترض- أن تكمل مسيرة المفاوضات خلال السنوات الماضية، لكن الطرف «الإسرائيلي» يحسن التمهيد والإعداد لها في كل مرة كما يحسن إدارتها واستخدام كافة الأوراق لصالحه، فمع وصول حكومة «إسرائيلية» جديدة وصفت بأنها يمينية متشددة بقيادة بنيامين نتنياهو مع وصول إدارة أميركية جديدة ذات رؤية مختلفة عن الإدارة السابقة في توجهاتها، تحرك «الإسرائيليون» فذهب رئيسهم شمعون بيريز إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتحرك اللوبي الصهيوني من خلال منظمة «إيباك» في مؤتمرها الأخير الذي حضره نائب الرئيس الأميركي وعدد من الزعماء السياسيين الأميركيين الذين أكدوا على «المبادئ الأميركية» تجاه «إسرائيل»، وذلك تمهيداً لوصول رئيس الوزراء «الإسرائيلي» الذي سيجتمع قريباً مع الرئيس الأميركي أوباما، ويبدو أن «الإسرائيليين» يخططون لحمل الرئيس الأميركي على الاستجابة لمواقفهم من قضايا الشرق الأوسط من خلال إثارة عدد من القضايا في المنطقة لصرفه عن اتخاذ أي خطوة قد لا «تنسجم» مع الأطروحات الجديدة في مسار «السياحة» التفاوضية بين الفلسطينيين «والإسرائيليين» والتي أعلنها نتنياهو منذ وصولهم إلى رئاسة الوزراء حين أعلن أنه لا مكان لحل الدولتين، أو الانسحاب من الجولان، أو عودة اللاجئين الفلسطينيين، أو حديث عن القدس، وكأنه بذلك يغلق الطريق أمام أي مفاوضات جديدة، فإذا لم تكن هذه القضايا مطروحة في مفاوضاته مع الفلسطينيين والعرب، فعلى أي شيء سيتفاوض؟. ولتأكيد موقفه في هذه المسارات ومحاولات «الإسرائيليين» استبعاد أي ضغوط قد تأتي من الجانب الأميركي، فإنهم «يلوحون» بإثارة قضايا أخرى مثلما حدث مع الملف النووي الإيراني، فمنذ مجيء هذه الحكومة وهي تتحدث عن هذا الملف حتى وصل الأمر بوزير الخارجية «الإسرائيلي» ليبرمان إلى التهديد بعمل «إسرائيلي» منفرد ضد إيران، مما أثار الإدارة الأميركية، وارتفعت وتيرة الإعلام «الإسرائيلي» والأميركي للحديث عن الملف الإيراني وما تخطط له «إسرائيل» منفردة، وأن أوباما سيتخذ موقفا متشددا مع نتياهو تجاه أي عمل منفرد في هذا الشأن، وبدا واضحاً أن «الإسرائيليين» يقايضون الإدارة الأميركية بعدم الضغط عليهم في موقفهم من الفلسطينيين مقابل عدم القيام بعمل منفرد تجاه الملف النووي الإيراني!!.

وبالمقابل طرح الإسرائيليون مسارات جديدة للمفاوضات تتحدث عن السلام الاقتصادي، والسلام الأمني، والسلام السياسي، وقد أجاد «الإسرائيليون» لعبة المفاوضات، ففي كل تغيير داخلي ومجيء حكومة جديدة عندهم يعودون بالمفاوضات إلى نقطة البداية، ويطرحون مسارات جديدة دون أن يتخلوا عما حصلوا عليه في المفاوضات السابقة، ووحدهم الفلسطينيون الذين يُطلب منهم العودة إلى نقطة البدء من جديد، وهذا ما بدا واضحاً خلال مسيرة «السياحة التفاوضية»، فقد حصل «الإسرائيليون» على ما يريدون من المفاوضين الفلسطينيين، حين قاموا بإلغاء الميثاق الفلسطيني، وتخلوا عن المقاومة المسلحة لتحرير أرضهم وعزلوها عن المحيط العربي وانفردوا بالتفاوض وحدهم دون إشراك العرب الذين شعروا بأن ثقلا كبيرا قد سقط عن كاهلهم، ورضي بعض الفلسطينيين بالعمل على حماية «أمن إسرائيل» ووأد أي مقاومة في حين لم تضمن لهم هي أي أمن، واعترف الفلسطينيون بحق «إسرائيل» في الوجود في حين لم تعترف لهم بأي حق!!، بل امتدت إلى الأراضي التي احتلتها عام 1967، وهي الأراضي التي «يفترض» قيام الدولة الفلسطينية عليها وأنشأت المستعمرات التي قسمت الأرض الفلسطينية، وفرضت سيطرتها على المناطق الفلسطينية، ومن أبى أن يخضع لها كان مصيره الدمار والهلاك كما حدث في جنين وغزة، وحصلت على «مشروعيتها» من طرف الفلسطينيين حتى بات البعض يكرر إذا كان الفلسطينيون يتعاملون مع «الإسرائيليين» فلماذا تمنعون ذلك على غيرهم من العرب؟

وبالمقابل ما الذي حصل عليه الفلسطينيون؟ لا شيء سوى ما يعود به السائح من سياحته، شيء من الصور التي التقطها وبعض الهدايا لأسرته وأصدقائه وشيء من حشو الكلام الذي يحدث به السائح عن مشاهداته خلال رحلته، وهذا ما تم في «السياحة التفاوضية» فمنذ عام 1990 ونحن نشاهد المفاوضين وهم يجتمعون ويلتقطون الصور ويتبادلون الابتسامات والعناق -أحياناً- ثم بيانات مكررة سمجة!! فما الذي ستحمله جولة المفاوضات التي يراد لها أن تبدأ خلال الفترة القادمة؟ وإذا كان الفلسطينيون والعرب لم يحصلوا على شيء من الحكومات «الإسرائيلية» التي توصف بأنها أكثر اعتدالا كحكومة حزب العمل وحزب كاديما، فهل يمكن أن يحصلوا على شيء من حكومة يصفها العالم بأنها حكومة يمينية متطرفة؟!!، وما الذي يملكه الفلسطينيون في هذه المفاوضات غير ترديد بعض الجمل التي يرددها المفاوضون الفلسطينيون، وهل يملك العرب والفلسطينيون أي أوراق يمكن التفاوض عليها؟. إن العرب والفلسطينيين لديهم أوراق عدة إن هم أرادوا تحريكها ولعل في مقدمتها أن لا يذهب الفلسطينيون وحدهم للمفاوضات بل يذهب العرب في فريق واحد يكون الفلسطينيون هم عموده ومرتكزه، وأن تكون المبادرة العربية هي مجال التفاوض، وأن تحدد مدة لهذه المبادرة بحيث تلغى بعد انتهائها، وأن تعرض على الأمم المتحدة حتى يكون العالم شاهداً عليها، وأن يكون لدى العرب بدائل في حال رفض مبادرتهم، وتتمثل هذه البدائل في وقف المفاوضات «السياحية» التي لا طائل منها سوى التسويف وحصول «إسرائيل» على مكتسبات جديدة، ويكون البديل الآخر في حال الرفض هو العودة إلى حل الدولة الواحدة وإلغاء السلطة الفلسطينية ودعم مقاومة الشعب الفلسطيني، ولا يحتجّ أحد بأن العرب لن يحاربوا، فليس مطلوباً من العرب جميعا أن يحاربوا، ولكن دعوا أهل الأرض يقوموا بتحرير أرضهم. إن موقفا كهذا سيدفع بالطرف الآخر إلى إعادة النظر في موقفه، وبغير ذلك ستكون المفاوضات جولة جديدة من «السياحة التفاوضية».

العرب القطرية

سعيد حارب مايو 19, 2009, 3 ص