دعوات لـ «تدريب» مثمنين عقاريين على النزاهة

«الجهل» يتلاعب بـ 1.2 تريليون ريال في سوق العقار

العقارات الجديدة تحتاج إلى مثمنين محايدين

أحمد معيض – جدة

رغم حالة الترقب والتوجس التي تعيشها سوق العقار في المملكة، نظير أزمة المال العالمية، وتأثيرها المباشر في اقتصادات الدول كافة، يبقى العقار ثاني أكبر قطاع للاستثمار، بعد قطاع النفط، ليس لسبب سوى أن استثماراته الإجمالية تجاوزت 1.2 تريليون ريال، وهو رقم كبير، في حاجة إلى عقول خبيرة، تديره بـ»كل شرف ونزاهة»، على حد وصف عقاريين ورجال أعمال، اتفقوا جميعاً على أن العاملين في التثمين العقاري في المملكة، تنقصهم الكثير من الخبرات والدراية، للتحكم في هذه الاستثمارات.

المشاركون في هذا التحقيق، حذروا من أن إتباع الطرق القديمة والتقليدية في تثمين العقارات، والتي كانت تعتمد على استشارة صديق أو سؤال مُسن أو طلب مساعدة من متقاعد يدعي الخبرة في التثمين، أو اللجوء لمكتب عقار يضم مجموعة من العمالة الهاربة من كفلائهم، مؤكدين أن مثل هذه الطرق لم تعد متماشية مع ما يشهده السوق من تطور وطفرة منتظرة، ومن شأنها –أيضاً- تهديد الاستثمارات العقارية، وإرباك السوق..

البداية كانت مع خالد الزهراني (عقاري)، الذي قال: «مهمة المثمن العقاري حساسة جدا، لذلك عليه أن يقول رأيه المستقل لتقدير قيمة العقار السوقية، وليس تحديد سعره، وذلك وفق الكثير من المعطيات التي لا تضر بصاحب العقار وبالتالي تبخس قيمته».

وأشار إلى أن «المثمن العقاري يجب أن يكون في العادة خبيراً في هذا المجال، ومحترفاً في نفس الوقت، ويعتمد في عمله على أسس علمية معروفة ونزيهة، وينبغي أن يستخدم الطرق المتنوعة في تقدير قيمة العقار، وبالتالي يقدم رأياً محايداً لصالح العقار، وليس لصاحب أي طرف في عملية البيع والشراء»، مشيراً إلى أنه في بعض الأحيان «يكون المثمن العقاري مائلاً لأحد أطراف العملية، إما للبائع أو المشتري أو قد يكون هو الوسيط غير الظاهر في عملية البيع، وعند نطق قيمة العقار، لا يقول الرأي النزيه، لأنه في النهاية يبحث عن مصلحته الشخصية، ويعرض أحد الطرفين للخسارة، ويعرض أيضاً مهنة المثمن العقاري إلى التشكيك، وبالتالي يضر بعملية البيع والشراء في السوق العقارية، وتصبح أسعار العقارات في كثير من الأحيان خيالية وفي أحيان أخرى في الحضيض».

ودعا الزهراني أن تكون مهنة المثمن العقاري «مهنة متخصصة وأن يتم تخصيص أقسام في الجامعات وكذلك إنشاء معاهد تدريب كثيرة ومعتمدة، تكون تحت إشراف المؤسسات المتخصصة، وتحت إشراف خبراء معروفين بالنزاهة، ويتم كذلك التشديد في عملية قبول المتدربين لأن هده المهمة خطرة جداً، وقد يترتب عليها تدمير اقتصاد وطن في وقت قصير، لأن مهنة التثمين العقاري تلعب دوراً أساسياً في إعداد الدراسات الاقتصادية العقارية في السعودية، وبناء الخطط الحالية والمستقبلية».

معطيات ظاهرة

وطالب عبد العزيز الشهري (عقاري) المثمن العقاري أن يراعي الكثير من المعطيات، التي قد تكون ظاهرة أمامه مثل نوعية وموقع العقار ومساحته والطرق المؤدية إليه، والخدمات المتوفرة فيه، وفي نفس الوقت عليه مراعاة المعطيات المستقبلية عند تثمين العقار.

وأضاف أن هناك عدداً من المثمنين العقاريين الذين يحاولون اقتناص أي فرصة واللعب في أسعار العقارات لأسباب شخصية، وفي كثير من الأحيان يكون المثمن العقاري هو من سيشتري العقار، فيصبح هو المثمن، وهو المشتري في الوقت نفس، وهنا أطالب بـ «إيجاد قانون واضح يحمي المواطنين البسطاء الذين لا يعرفون شيئاً عن التثمين العقاري، وبالتالي يقعون ضحية مؤامرات واتفاقات بين المثمن العقاري والجهة الراغبة في شراء العقار».

وبين الشهري أن «الطريقة المتبعة للتثمين العقاري المعمول بها حالياً ليست عادلة، وتسببت في الكثير من الكوارث، التي لا زلنا ندفع ثمنها حتى اليوم، كما أن هناك ممثلين من الجهات المشاركة في اللجان المشكلة، بنزع ملكيات العقارات للمنفعة العامة، ليس لديهم أدنى فكرة عن العقار والتثمين العقاري»، مشيراً إلى أنه «من المفترض أن يتم التثمين من خلال شركات متخصصة بالتثمين العقاري، بجميع أصنافه الأراضي والمباني، وأن يكون لديها الخبرة العقارية والمثمنون المؤهلون الذين يتم تأهيلهم عن طريق الغرفة التجارية وغيرها من الوزارات والجهات ذات الاختصاص بالسوق العقارية».

المواطن العادي

وأكد رجل الأعمال صالح التركي أهمية التثمين العقاري، للمواطن العادي، لأنه ليس لديه خبرة كافية في الشراء، وذلك عندما يريد أن يبيع أو يشتري عقاراً معيناً، فانه يريد أن يكون السعر حقيقياً وواقعياً أو مقارباً للسوق، مضيفاً أن «المواطن العادي بحاجة ماسة إلى تنظيم سوق العقار والى إيجاد آلية حقيقية وواضحة للتثمين العقاري، لأن المواطن عندما يضع أمواله في عقار، يريد أن يكون مطمئناً انه في ذلك الوقت وذلك الزمان، سيكون السعر حقيقياً، وان لا يغبن في السعر، لذلك يصبح نظام التثمين العقاري أساسياً للمواطن العادي قبل الشركات المتخصصة والجهات الحكومية التي لديها إمكانات كبيرة جدا».

وبين التركي انه «يجب إخضاع المثمن العقاري لدورات تعريفية وتدريبية بالمهنة»، مشدداً على «ضرورة تنظيم مهنة التثمين العقاري بشكل عاجل للحد من المبالغات في أسعار العقار، مما قد يضر بحقوق أطراف عديدة في السوق العقاري السعودي، الذي يزيد حجمه على 1.2 تريليون ريال».

وقال التركي إن «الحاجة ملحة الآن لمهنة التثمين العقاري في جدة خاصة في ظل مشاريع تجديد الأحياء العشوائية، وكذلك إنشاء مشاريع القطارات»، مشدداً على «ضرورة إيجاد آلية واضحة، وذلك عندما يريد المواطن بيع عقار أو شرائه، فانه سيبحث عن المثمن العقاري حتى يطمئن ولا يعود يعتمد على دلال أو على صديق»، مؤكداً أن «التثمين العقاري مهم للبنوك والشركات ولأصحاب العقارات وكـذلك المتمرسين في هذا القطاع، لكي يعرف أهمية العقار وقيمته الحقيقية في السوق، وكـذلك العائد عليه من العقار والعائد على المباني». وقال: «التثمين العقاري جزء أساسي من السوق، وهـذا لا يعني أن حركة البيع ستزيد أو ستقل، لكن السوق بطبيعته يتغير، ففي الماضي كانت التجارة في العقار هي تجارة أراضي ومساهمات في العقار، أما اليوم فالعقار أصبح يتضمن شققاً للبيع وأخرى للإيجار، وقطع أراضي، وكـذلك مجمعات سكنية، فالسوق العقاري سوق كبير جداً»، مشدداً على ضرورة أن «يكون المثمن العقاري شخصية اعتبارية مستقلة، لها قوانينها حتى نستطيع أن نحاسبه ونحاكمه إذا أخل بعمله أو بأمانته».

نزع الملكيات

من جانبه قال رئيس التثمين العقاري نائب رئيس اللجنة العقارية بغرفة جدة عبد الله الأحمري انه «في المادة السابعة من نظام نزع الملكيات للمنفعة العامة، نصت صراحة على أن تكون هناك لجان مشكلة لغرض نزع الملكية للمنفعة العامة، ثم أتاح النظام لأصحاب العقارات الـذين يتظلمون من التثمين أو من قلة المبلغ وعدم قناعتهم به، فمن حقهم التظلم أمام الجهات الرسمية المختصة التي تستقبل حالات الظلم»، مشيرا ًإلى أنه «سيتم تغيير اللجان وتكوين لجان أخرى، للتأكد من أنه لم يبخس سعر العقار، ويجب أن يحصل كل صاحب حق على حقه، فعندما يتم نزع عقار المواطن، فالنظام يكفل له التعويض والقيمة العادلة لعقاره، وبموجب النظام، فانه تتم الاستعانة باثنين من أهل الخبرة العقارية، ترشحهم الغرفة التجارية، لكي يقومون بالتثمين العقاري».

وبين أن «سعر العقار يؤخذ من واقع الخبرة من جهة، ومن جهة أخرى يتم النظر إلى أسعار السوق، ودائماً عند تثمين العقار، يُعتمد على هاتين النظريتين، من أجل تثمين العقار، سواء في حال نزعه من أجل المنفعة العامة أو لورثة أو قصر، أو حتى للشركات، فدائما يتم الاعتماد على أصحاب الخبرة»، مؤكداً أن «هذه هي الآلية المتبعة ولكنها «قديمة» ولكن الآن هناك جامعات وكليات ومعاهد تعلم وتدرس مهنة التثمين العقاري، وأصبح الكثير من شبابنا يبحث عن معرفة كل ما يتعلق بالتثمين العقاري، حتى لا يبخسون حقوق الآخرين».

وأضاف الأحمري «نحن في غرفة جدة، وبمجهود شخصي، قد استطعنا أن نقوم بعمل دورات في مجال التثمين العقاري، والآن لدينا أكثر من 400 مثمن عقاري، وافتتحنا مؤخراً الدورة السابعة لتعليم التثمين وعدد المنخرطين في الدورة 42 متدرباً، منهم من يعمل في عدد من الدوائر الحكومية مثل وزارة العدل، ومنهم أساتذة جامعات، ومنهم المهندسون ومحامون، ومنهم من يعمل في شركات تثمين وتمويل عقاري»، مشيراً إلى «وجود معايير يعتمد عليها المثمن العقاري، مثل الأسعار الحالية في السوق، والنظر إلى المبيعات المماثلة، شريطة أن لا يكون هذا السعر قد تعدى فترة الثلاث شهور أو أكثر، وأيضاً الاستثمار المستقبلي للعقار، وكيفية الوصول إلى موقع العقار، وكيفية الخروج منه».

وأوضح أن «من فوائد التثمين العقاري أنه يعد ميزاناً لمعرفة قيمة العقار، ونحن مقبلون على تفعيل قرار الرهن العقاري، وهذا من أهم ميزات التثمين العقاري، إذ سبقتنا دول كانت تثمن بطريقة جزافية وترهن العقارات بقيمة مغايرة عن الموجودة في السوق، مما أدى إلى انهيار السوق العقاري، مثلما وقعت الأزمة المالية الحالية، فالتثمين العقاري مهم جداً بطريقة تبعد عن افتراء بعض الشركات وبعض الأشخاص والرهن العقاري سيسمح أن تكون هناك منافسة شريفة في السوق السعودية للشركات التي تقوم بعمليات التمويل العقاري عن طريق بناء الوحدات السكنية وبيعها بالأقساط أو شراء الأراضي ورهن الصكوك لدى الممول، ليضمن له حقه».

أحمد معيض – جدة إبريل 22, 2009, 3 ص