حسن السبع

حسن السبع

أورثني والدي عشق الشعر. وكنتُ، منذ الصغر، أسمعه يردد بيتا لشاعر المهجر (إيليا أبو ماضي) نقش في الذاكرة بسبب ذلك التكرار. يقول أبو ماضي: «لمّا صديقي صار من أهل الغنى/ أيقنتُ أني قد أضعتُ صديقي»! لا يحتاج هذا البيت إلى شرح، فللثروة تأثير سلبي على بعض الأفراد، كما أن لها تأثيرا على الاهتمامات والعلاقات الاجتماعية، وقد تكون سببا في تحويل مسار الصلات والارتباطات، وفي تشكيل انتماءات جديدة إلى أوساط جديدة، إضافة إلى الانهماكات التي تشغل بال صاحب الثروة حتى عن واجباته الأسرية، ناهيك عن أصدقاء ما قبل مرحلة الثراء الذين لا تضيف العلاقة بهم صفرا أو اثنين على يمين الرصيد.

تقول حكاية سمعتها من والدي أيضا، وسأعيد، هنا، صياغتها بطريقتي الخاصة: كانت عائلة فقيرة تسكن كوخا متواضعا يلامس الأرض ويجاور قصرا مُنيفا، وكان أصحاب الكوخ على بساطة عيشهم وتواضعه سعداء غاية السعادة. فكان الزوجان الفقيران يتسامران كل مساء، وكان صدى ضحكاتهما يتسلل عبر نوافذ القصر الهادئ فيصل إلى مسامع الزوجين الثريين. وذات ليلة كان الزوجان الثريان يتهيآن للنوم، وكان الزوج شارد البال، مشغولا بأمور تجارته وأمواله ومشاريعه وصفقاته وأرباحه المتوقعة وخسائره المحتملة. أما الزوجة فكانت تفكر في أمر ذلك الكوخ الصغير، وتلك السعادة الدافقة التي تنبعث منه، مع تواضع عيش تلك الأسرة ورقة حالها. وحين عجز تفكيرها عن إدراك سر تلك السعادة نظرت إلى زوجها تسأله تفسيرا لتلك الضحكات، وذلك الحبور الذي بدأ يقض مضجعها. أدار الزوج ظهره لزوجته وقال: «قريبا جدا لن تسمعي مزيدا من هذا الضحك»! وصمتا حتى أخذهما النوم فناما.

في اليوم التالي استدعى الغني جاره الفقير وعرض عليه مبلغا من المال (على شكل قرض) ليتجر به. تردد صاحبنا قليلا لكنه قبل العرض. مضت الأيام فتغيرت حال صاحب الكوخ شيئا فشيئا. صار مشغولا بتجارته الجديدة، وبحساباته ومشاريعه القادمة. تناقصت الضحكات ثم خبت شيئا فشيئا حتى انطفأت!

فإذا كان المال قد ساهم في انطفاء الأحاديث والضحكات، وانقطاع التواصل الأسري، فليس غريبا أن يساهم في انطفاء كثير من العلاقات والصداقات.

وما يقال عن نتائج وجاهة المال، يمكن أن يقال كذلك عن (الوجاهة البيروقراطية)، فهي تساهم أيضا في تحويل مسار الارتباطات والعلاقات، فوق ذلك فإن تلك الوجاهة محاطة بترسانة عتيدة من الحجاب ومدراء مدراء المكاتب الذين تحتم عليهم واجبات الوظيفة أن يجعلوا حلمَ الوصول إلى (الريّس) أمراً دونه خرط القتاد.

ترسم الروائية السورية لينا كيلاني ملامح هذه الشخصية في قصة قصيرة جدا عنوانها (وزير الأحلام) على النحو التالي: حالماً كان.. ويسأل الناس عن الأحلام: هذا يحلم بالثروة.. وذلك يحلم بالنفوذ.. وآخر بالمجد.. ورابع بالجاه.. وخامس بالحب.. وسادس.. وسابع.. باحوا له بأسرار أحلامهم.. وأعطوه مفاتيح أيامهم.. ابتسم ابتسامة الواثق، وقال: أما أنا فلي كل هذه الأحلام. ومرت أيام وأيام.. وسمعوا أنه أصبح وزيرا للأحلام.. ذهبوا إليه ليستردوا أسرار تلك الأحلام.. نادوه فلم يسمع.. سألوه فلم يجب.. انتظروه فلم يأت.. بحثوا عنه فلم يجدوه.. لم يعرفوا بعد أن لقاءه أصبح ضربا من الأحلام.. بعد أن أصبح وزيرا للأحلام.

يمكنك أن تستثني من ذلك كل من ليس لديه الاستعداد العقلي أو النفسي لتقمص مثل ذلك الدور الذي يتكالب على أدائه أناس كثيرون، فإذا لم تتح لهم تلك الوجاهة توهّموها، وتلك سمة النفَّاج (المتعاظم المتفاخر بما لا يملك) snob the . نعم، يمكنك أن تستثني من هو مجبول من طينة البساطة والتواضع في أي موقع وظيفي وجد، فهو يتعامل مع من حوله بقلب شاعر، وعين فنان، ورؤية فيلسوف. لا يستمد أهميته من موقعه الوظيفي، ولكن من موقعه في قلوب الناس الذين يحبونه لشخصه، ولا شيء غير ذلك.

هل تبدو هذه الصورة خيالية؟ قد تبدو كذلك في نظر الساعين إلى الوجاهة بالأظافر والأنياب. لكن هنالك من يبقى قريبا من الأرض ومن الناس مهما علا شأنه.. فكأنه المعنيّ بقول الشاعر: «كأنك من كلّ النفوسِ مركَّبٌ/ فأنت إلى كل النفوس قريب»!

hsn_saba@hotmail.com

حسن السبع أغسطس 5, 2008, 3 ص