ادمون صعب

ادمون صعب

«سوريا تحتاج إلى موانئنا وجبالنا، ونحن نحتاج إلى سهولها. واي نظام يفصل بينهما فصلاً تاماً يضر بهما معاً»

داود عمون

(رئيس وفد لبنان إلى مؤتمر الصلح في 15 شباط 1918)

ماذا بعد قمة دمشق؟

وماذا جنى لبنان من غيابه عنها؟ وماذا جنى المقاطعون؟

لا شيء سوى مزيد من التشتت والتباعد بين العرب، بينما عدوهم – ولسنا ندري اذا كان لا يزال كذلك بالنسبة الى الجميع – لا يزال متغطرسا يتجاهل الحقوق العربية ويمعن في إذلال الفلسطينيين ويقيم المزيد من المستوطنات في الاراضي المحتلة، وخصوصا في القدس، وينذر لبنان بحرب مدمرة اذا هو تحرك في اتجاه تحرير مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا.

وإذ حرص لبنان، من خلال رسالة رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة الى القمة، على أن يقابل السوريين وسلوكهم حيال لبنان على قاعدة العين بالعين والسن بالسن ولكن من بعيد، ثمة من سأل اذا كان لبنان قد أضاع عليه حقا فرصة لفتح ثغرة في جدار الازمة بينه وبين دمشق باصراره على أن يتم الحوار بين دولة لبنان ودولة سوريا عبر الرئيس فؤاد السنيورة الذي طالما رفضت سوريا استقباله، رغم توسط أكثر من طرف عربي، لاعتبارات كثيرة أهمها الاتهامات التي ساقها ضد النظام السوري ومسؤوليته عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والوقوف وراء عمليات التفجير والاغتيال التي سبقت جريمة اغتيال الحريري بمحاولة اغتيال الوزير مروان حماده وما قبلها، ووصف السوريين له انه «عبد مأمور عند عبد مأمور» الخ... يضاف اليها ما يمثل السنيورة و»تيار المستقبل» المعادي لسوريا والذي يكيل الاتهامات مع حلفائه في «اللقاء الديموقراطي» و»القوات اللبنانية» للنظام السوري ورؤوسه بمن فيهم بشار الاسد بأنهم يصدرون القتل والارهاب الى لبنان.

لذلك لم يكن ممكنا أن يحضر الرئيس فؤاد السنيورة القمة بأي طريقة، كما كان من المستحيلات ان يقبل السوريون بوجود الرئيس السنيورة على أراضيهم.

إلا أن ما لم يرد في أذهان الفريقين المتواجهين في لبنان وسوريا والذي لا يبدو أنهما سيتقاربان بسهولة، هو أن يرسل لبنان الى القمة البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير على رأس مجلس المطارنة.

وبقطع النظر عما كان سيقال في أوساط الاكثرية من أن مثل هذا التصرف يعتبر اهانة للبنان واستسلاما امام سوريا وانصياعا لمشيئتها، فان لنا في الوفد الذي أرسل الى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 برئاسة البطريرك الماروني الياس الحويك أروع مثال في التصرف العقلاني والارتفاع فوق الانانيات والاعتبارات السياسية والطائفية عندما يكون مصير البلاد على المحك. وهذا الوفد كان الثاني، إذ لم يكن سهلا انتزاع استقلال لبنان وفصله عن سوريا. فقد كان مجلس الادارة قرر في 9 كانون الاول 1918 ارسال وفد أول الى مؤتمر باريس برئاسة داود عمون لعرض المطالب اللبنانية عليه. وشرح عمون في 15 شباط 1919 مطالب اللبنانيين امام المجلس الاعلى للمؤتمر، لكن عرضه جاء ضعيفا لانه ربط المسألة اللبنانية بالمسألة العربية وطالب «باستقلال لبنان الاداري والقضائي».

وعلى اثر مهرجان أقيم في بعبدا في 4 حزيران 1919 ورفض طريقة طرح المسألة الاستقلالية على مؤتمر الصلح، وبعد انعقاد المؤتمر السوري العام في دمشق بحضور مندوبين لبنانيين واعتراضه على الاستقلال، تقرر ارسال وفد ثان لانتزاع الاستقلال والانفصال عن سوريا بقيادة البطريرك الماروني الياس الحويك الذي سعى الى اصطحاب ممثلين روحيين ومدنيين من كل الطوائف لأن «لا سبيل الى استقلال لبنان الكبير ما لم يرض عنه من ينوي إلحاقهم به»، لكن المفوض السامي رفض ذلك ونصح للبطريرك باصطحاب عدد من المطارنة هم: مطران بيروت اغناطيوس مبارك، ومطران حماه بطرس فغالي، ومطران صور شكر الله خوري، والمطران كيرللوس مغبغب ممثلا للروم الكاثوليك.

وسافر البطريرك في 15 تموز، ووصل الى باريس في 22 آب، لكنه فوجىء بتحفظ فرنسا عن طلب الاستقلال الناجز.

وإذ انتظر البطريرك ثلاثة أسابيع من دون أن يحدد له موعد لمقابلة رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو، وجّه اليه الرسالة الآتية: «(...) جئت رغما من الست والسبعين سنة التي أحمل أعباءها قاطعا أكثر من ثلاثة آلاف ميل بحرا لأدافع عن القضية اللبنانية المقدسة». وتقابلا في 5 تشرين الاول. وأظهر كليمنصو استخفافا بمطالب البطريرك وحال دون ظهوره امام المجلس الاعلى لمؤتمر باريس لعرض القضية اللبنانية امام الاربعة الكبار، فاضطر الى ان يوجّه الى المؤتمر مذكرة شديدة اللهجة، بواسطة وزارة الخارجية الفرنسية، تطالب «بالاعتراف باستقلال لبنان الذي نادى به الشعب اللبناني في العشرين من ايار 1919 واعادة لبنان الى حدوده التاريخية والطبيعية وارجاع البقاع الذي سلخته عنه تركيا (...)». واصر البطريرك على موقفه رغم قول الفرنسيين انه خيب آمالهم، وخصوصا بقوله «اذا كان لا بد من انتداب فرنسي على لبنان، فيجب ألا يعرقل بصورة من الصور السيادة اللبنانية المطلقة، واستقلال لبنان السياسي والاداري والمالي».

وكان مقررا ان يصل الامير فيصل الى باريس من لندن في وقت لا يزال البطريرك في العاصمة الفرنسية، ولئلا تتاح فرصة لاجتماع الرجلين والاتفاق على ما قد يفسد الخطط الفرنسية جرى تسفير البطريرك بحرا الى لبنان على متن الدارعة «جوريان دي لا غرافيا» في شهر كانون الاول العاصف، «وذاق البطريرك من دوار البحر ما لم ينسه كل أيام حياته»، على يقول يوسف مزهر في «تاريخ لبنان العام».

إننا نورد هذا المثال لنقول ان الحرب الدائرة بين لبنان وسوريا لا يمكن ان تستمر لانها لا تخدم لبنان كما لا تخدم سوريا ولا أي من الاطراف العربية التي تقف بجانب لبنان، وقد قاطعت القمة من أجله. واستطرادا نقول ان لبنان لن يستقر اذا ما استمرت العقلية التي تقود حكامه في ركوب مراكب الآخرين المحاربة لسوريا وايران و»حزب الله»، لأنه اذا كان الآخرون قادرين على مواصلة تلك الحرب حتى النهاية فان لبنان لا طاقة له ولا قدرة على خوضها والانشغال بها عن العدو الاسرائيلي الذي يشكل خطرا حقيقيا على كيانه ووجوده.

ولعل المبادرة العربية هي المركب الافضل المتوافر حاليا امام اللبنانيين الذين يكادون يغرقونه بتفسيراتهم - ربما للغرق معه - والذي في وسعه إخراجهم من الدوامة الجهنمية التي ألقي بهم فيها. إلا أن الصعود الى هذا المركب مشروط باستعادة الثقة المتبادلة في ما بين اللبنانيين وتبادل الضمانات الضرورية والمطلوبة بإلحاح لأن لب الخلاف معروف هو حفظ المقاومة وعدم الانقلاب عليها، وكذلك حفظ السلاح المقاوم حتى تحرير الارض واستعادة الاسرى الخ... في مقابل قيام دولة مؤسسات قوية تكون المرجع الوحيد في الحرب والسلم... وهذه الثقة لا تستعاد الا عبر الحوار الذي يجب أن نعجّل فيه.

والى هواة المعارك الدونكيشوتية نقول ان المعركة ضد سوريا وايران وتوسع نفوذهما في الشرق الاوسط، الصغير والكبير لا فرق، لهو أكبر من لبنان وشيعته وسنّته. وإن الحكمة تقضي بأن يعرف الحكام كيف يحمون بلدانهم الصغيرة والفقيرة والضعيفة من طغيان عواصف الكبار وأعاصيرهم وأطماعهم. وصدق من قال: عند تغيير الدول إحفظ رأسك.

والى الذين يعتبرون ان تسوية الخلافات بين لبنان وسوريا من شأنها إنهاء مأساة لبنان سياسيا، على أن يُترك موضوع الاغتيالات للمحكمة الدولية التي أنشأها مجلس الامن، نقول إن ما بين سوريا ولبنان تحتاج معالجته الى وقت، وان الوقت وحده كفيل بجعل سوريا تعتاد استقلال لبنان وسيادته على أرضه المستقلة عن الاراضي السورية. كما تعتاد ان ترى لبنان يحكم نفسه بنفسه.

إن الذين ينتظرون النظام السوري ان ينهار ويحل مكانه نظام مماثل للنظام اللبناني من أجل ان يستطيعوا محاورته والتفاهم معه، ربما سينتظرون طويلا، وأطول من صدور أحكام المحكمة الدولية، فتستمر مأساة لبنان والتدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية ويهجره أهله، بينما يستطيع النظام اللبناني حفظ كرامة البلاد وصون حقوقها والدفاع عنها بغير التصادم مع سوريا.

إن المطلوب ليس تعبئة اللبنانيين لمقاومة عودة الوصاية السورية، وقد ولّى زمانها، بل اختراع طريقة للتكيف الاستقلالي مع سوريا، وجعلها تطمئن الى ان لبنان لن يكون مقرا للاستعمار والتآمر عليها، ولا ممرا للمستعمرين والمتآمرين عليها. فهل في لبنان من هو على استعداد للتنازل من أجل الوطن قبل فوات الأوان؟

  • النهار اللبنانية
ادمون صعب إبريل 7, 2008, 3 ص