تعليقا على رأيه السلبي في معظم الروايات المحلية

أدباء يقرون بوجـود «الغثاثة والسقم» حتى في روايـات القصيبي

غازي القصيبي

منيرة الإزيمع - الدمام

أثار رأي الدكتور غازي القصيبي في الرواية المحلية موجة من الردود والتجاوبات التي عبرت عن اختلاف البعض معه واتفاق البعض الآخر وإن لأسباب مختلفة .. وكان د. القصيبي قد وصف معظم النتاج الروائي المحلي بالغث والسقيم في الحوار الذي أجراه معه ثلاثة رؤساء تحرير : الأستاذ محمد الوعيل ، رئيس تحرير (اليوم) ، الأستاذ محمد التونسي ، رئيس التحرير السابق لجريدة (الاقتصادية ) ومدير قناة «الإخبارية» ، والأستاذ جميل الذيابي ، رئيس تحرير جريدة (الحياة) في المملكة .. نشر الحوار وفي العدد (12587) ،21/12/1428 هـ ، الموافق 1/12/2007 م. (اليوم) وضعت رأي القصيبي أو حكمه على الرواية المحلية أمام عدد من الأدباء والنقاد ، مشفوعا بالسؤال عما إذا كانت روايات القصيبي نفسه قد استطاعت النجاة من الغثاثة والسقم اللذين اتهم بهما معظم النتاج الروائي في المملكة.

وجاء رد الأديبة شريفة الشملان مبرئا معظم النتاج الروائي مما وصفه د. القصيبي به ، مقتصرة الغثاثة والسقم على جزء من النتاج المحلي ، الذي يتكئ حسب قولها على سخافات كأنها سخافات الفضائيات العربية ، ونسي تسلسل الأحداث وتجاهل الحبكة واللغة.

أما روايات غازي التي قرأتها ، مثل (شقة الحرية) فإنها لا تختلف كثيرا عما يجيء في مجمل الإنتاج المحلي ، و(العصفورية) كانت رسائل تقريبا من غازي المثقف والواعي لمن يقرأ له أكثر مما هي رواية.

أما القاص فهد المصبح والذي يستعد لطرح روايته (الأوصياء) فقد أجاب بأن الكلام عن الرواية طويل وشائك خصوصا إذا انصب على روايتنا المحلية فكل له منظوره الخاص به, وكلام الدكتور غازي مهم للرواية والروائيين ويشاركه فيه الكثيرون إذ مفاده أن الأعمال المطروحة تفتقر إلى الإبداع والخلق رغم ما فيها من جدة وجرأة ، اضر بمعظمه التسرع في النشر فخلا من الغوص السردي , وهو ما ينقص روايتنا, وعلى هذا يمكن القول إن الرواية لم تنج من السقم والغثاثة كحال باقي المنتج الثقافي من شعر وغناء ومسرح ونقد.. الخ.

واتفق الأديب عبد الواحد اليحيائي مع القصيبي، ولكن تجاوز القصيبي في تعميم الغثاثة والسقم على الأدب في العالم ، بقوله : نعم ، وبلا شك.. لكن ليس عندنا فقط بل وفي العالم كله ، وفي جميع المجالات.. الغثاثة والسقم أكثر من الرائع والمميز وتلك بعض سنن الله في كونه.. لذا كان للروعة والتميز قيمتهما ، ولولا القبح ما أدركنا قيمة الجمال.

واستطرد قائلا : إن أسباب السقم والغثاثة في فن الرواية تحديدا تعود لاستعجال النشر، وضعف التجربة ، هزال النقد ، قلة القراء ، سوء التوزيع ، نقص المردود المادي المحفز للكتابة المبدعة ، وقد توجد أسباب أخرى .. وكل من هذه الأسباب يحتاج استطلاعا ومبحثا مستقلا.

وفي جوابه عن سؤالنا عن نجاة روايات الدكتور غازي القصيبي من هذه الغثاثة ، قال اليحيائي : ليس كلها، هناك منها ما هو جيد، وهناك ما هو أقل جودة ، وهناك ما اتكأ فيه الدكتور غازي على شهرته..

ويبقى أن أقول إنه حتى للغثاثة معجبون ، ورضا الناس ومنهم النقاد غاية لا تدرك.

الدكتورعبد الله الوشمي، تجنب محاكمة روايات القصيبي ، مؤثرا تلمس وتشخيص بعض أسباب ضعف العديد من الروايات المحلية التي يشبهها بالحفلة ، مؤكدا أننا حيال ظاهرة شاملة تتصل بالطفرة الروائية الواضحة في مشهدنا ، وهي طفرة بالمعنى المقارن بغيرها من الطفرات الثقافية المحلية ، وليس بمعنى الكثرة المطلقة ، فتيار الرواية ما زال ضعيفاً لم يُشكل ملامحه وأفقه الإبداعي المتكامل ، إلا من خلال اسمين أو ثلاثة لاغير.

والفارق بين هذه الطفرة الروائية المعاصرة ، والطفرات السابقة ـ هناك من يُسميها موضات ـ كالقصة القصيرة وشعر التفعيلة وغيرها ، أنها طفرات تنافست مع النقد الصريح والواضح، فكانت تنمو وينمو النقد معها، وأما في حيز الرواية فلم يكن حاضراً في المشهد إلا المبدع فقط ، وهذا جيد على مستواه الشخصي ، ولكنه ضعيف على مستوى التجربة الجماعية ، وهو ما يؤكد ضرورة النقد وأهميته ، خاصة منه الصريح.

ولذا فأنا أرفض الرأي الذي يطالبنا بالانحناء أمام عاصفة الرواية طمعاً في تدشينها وسيرورتها وتدفقها ، لأني لا أختلف معه في الهدف وإنما في المنهج ، فالنقد الجاد والصريح هو القادر على سبك القطعة الذهبية ، ولن تلمع القطعة بمجرد المديح إذا كانت صدئة ، ومن هنا يجب أن نقول : إن ( من ) رواياتنا السعودية رواياتٍ ضعيفة ومهلهلة، واضطربت فيها السياقات والشخصيات والضمائر، وكانت أشبه بالحفلة التي اجتمع فيها كل شيء إلا التوقيت الصحيح ، فالحاضرون والعازفون والخدم كلهم حضروا وغاب الداعي ، والداعي هنا هو الفن والإبداع ، ولا تكفي مائة قصة ، ولا مائة شخصية لخلق رواية واحدة ، وإنما لابد من الحبكة والبراعة التي تملأ هذه الحكايا بالقص المتميز.

هنا أصل إلى قمة الهرم في سؤالك ، وهو السؤال الذي أمتنع عن الإجابة عنه ، فباعتقادي أن محاكمة روايات غازي القصيبي هنا هي محاكمة تخضع لشرط نقده ، وكأننا نحاكم رأيه النقدي التنظيري إلى سياقات إبداعه ، وسنقسو على أحدها بسبب موقفنا من الآخر، والذي أجد أنه الأوفق هو أن تفصل السياقات ، ولا بأس ـ حينها ـ أن تبالغ في نقد رواياته، أو أن ترفضها ـ إن شئت ـ ، ولكن لا نجعل ذلك سبباً في محاكمة مقولته النقدية.

  ويعترف نبيل المعجل بوجود الغثاثة التي لم تنج منها حتى روايات القصيبي نفسه ، ولكنه يحد من قسوة الحكم بتسليطه الضوء على بعض أسباب الغث في الإبداع الروائي المحلي : إجابتي هي «نعم ، ما زال غثا ولكن لا مانع حيث إن لكل بداية سلبياتها وبالذات أننا عشنا فترة طويلة من الزمن محرومين من النشر والإبداع وعندما فتحت لنا الأبواب نسبيا قبل سنوات قليلة أصبحنا مثل (المكتتبين في الأسهم السعودية والذين ينتظرون فتح أبواب البنوك ليتدافعوا ويتزاحموا للاكتتاب .. كل يحاول اللحاق بالسهم وكأنه سيطير بعد خمس دقائق .. ماذا تتوقع من كتاب وكاتبات فرضت عليهم الوصاية من المهد إلى اللحد .. من البيت والمدرسة والعمل والمجتمع ؟ هؤلاء الشباب والشابات بحاجة لوقت ليتكيفوا مع أوضاع جديدة آتية لا محالة فيجب عدم استعجال الحكم عليهم.

ومع ذلك أرى أن هناك أقلاما شابة ورائعة وضعت بصمتها وبقوة مثل محمد حسن علوان وأميمة الخميس وعبد الله ثابت وبدرية البشر ويوسف المحيميد وصبا الحرز .. وحتى روايات غازي القصيبي لم تنجُ من غث سمين كان واضحا.

  وجاء الرد القصير من الدكتور الشاعر محمد حبيبي لا ليبرئ الرواية المحلية من التهمة التي وجهها إليها د. القصيبي ، بل ليحمل روايات الأخير جزءا كبيرا المسئولية تجاه ما يعتور معظم النتاج الروائي من رداءة وضعف. 

يقول د. حبيبي : أرى أن روايات غازي القصيبي هي المسؤولة إلى حد كبير « عن ظهور هذا النمط من النتاج الروائي الغث السقيم » النتاج الذي يتداعى سيريا ، وسرديا ، دون أن يعي عمق وكنه الكتابة الروائية المؤسسة فنيا وتقنيا ، بما يؤهلها لتستحق مسمى رواية.

أما القاصة أحلام الزعيم فتشير إلى أن مكمن الإجابة عن أسئلة (اليوم) هو الموضوعات التي تهتم الرواية المحلية بمعالجتها ، قائلة : ربما نجد الإجابة إذا نظرنا على الموضوعات المطروحة في الرواية المحلية , سنجد أنها مؤخرا – في معظمها – تناولت قضايا حساسة بالنسبة للمجتمع ولكن ليس بغرض معالجتها وليس بالعمق المطلوب ولا الحياد المطلوب أيضا , وإنما لغرض الإثارة البحتة والبحث عن الفضائح ,ولو قارنا الرواية المحلية بالرواية في الشام أو مصر أو الرواية الأجنبية عموما فسنجد أن أمامنا الكثير لكي نقطعه ونحقق العمق الروائي حتى يتبلور الناتج السردي المحلي بصورة لائقة.

الطفرة التي شهدناها في الأعوام الأخيرة كمية ونادرا ما تجد نصا يحترم عقلية المتلقي وما زال نص الرواية المحلية يتميز بالمبالغة الهائلة لمواضيع هشة وميل لنظرة أحادية الجانب .. حيث نجد أن النص المكتوب غالبا ما يأخذ وجهة نظر واحدة يستميت الكاتب في الدفاع عنها والإقناع بها وقد تكون مجرد وجهة نظر للكاتب وحده أو مبنية على تجربة شخصية وتجد الشخصية متحاملة جدا على قضية ما ينبري النص في تبنيها دون توسط في عرض الأمور بل بميل شديد ونظرة من زاوية واحدة وبالتالي نجد أن الرواية لم تقدم المجتمع .. كما يجب أو كما هو على الأقل باختلافاته وتنوعه .. ولا شك في أن روايات الدكتور غازي القصيبي علامة فارقة في الأدب المحلي .. ربما للجرأة التي تميزت بها لكنها مع ذلك – ورغم تميز بعضها - لا تخلو من التكرار إذ نجد أن أعمال الدكتور غازي متشابهة كثيرا .. فيما بينها وبالتالي سيختلف فيها .. هل وقعت في منزلة الرواية المحلية الحالية أم تميزت عنها ؟!

ويرى القاص محمد البشير أن الغثاثة أمر طبيعي لخروج كل هذا النتاج بعد انفتاح النشر ، فلا غرابة في أن تكون تجربة النشر إذا ما اعتبرناها أولى لكثير من الأسماء أن تكون تجارب تعاني من الركاكة والسقم لا بد أن نقيسها بها هي لا على غيرها من النتاج الروائي الذي قطع شوطا بالكتابة والنمو الاجتماعي والثقافي .. ولإصدار حكم كقول الدكتور غازي على النتاج الروائي أظنه تجنيا بالغا بوصم المعظم بالغث السمين ، وحتى يكون الحكم منصفاً وعادلاً فلا بد من قراءة هذا النتاج كاملاً لتسمه بما تريد ، ولا أظن الدكتور غازي كان متابعاً لكل هذا النتاج حتى يسمه بهذه السمة .. فالساحة – بنقادها - غير متوازنة مع كل هذا الكم ، وإذا ما تصدى مثل الدكتور غازي بقراءة لكل رواية كما عهدناه في المجلة العربية بتقديم قراءة لكل ما يهدى إليه ، فلا شك في أن هذا مكسب للرواية السعودية بدلا من إصدار رأي انطباعي فقط ..

وجاء رأي القاص ونائب أدبي حائل عبد السلام الحميد متضمنا في نهايته الدعوة إلى الاهتمام والعناية بالإبداع السردي المحلي الوليد ، ومشيرا إلى الحاجة للنقد الجاد وليس النقد العابث والمرتزق ..

يبدو من تعليق الدكتور غازي القصيبي أنه يتابع الإنتاج السردي السعودي ( متابعة قوية)، والحقيقة أن كلام الدكتور ليس ضد السرد الحادث فعلاً ، ولكنه يقدم وجهة نظر رجل مثقف وخبير بالعمل الثقافي ، ويمتلك جرأة التقييم النقدي دون محاباة ، وهو في قوله هذا لا ينتقص من قدر السرد السعودي ، ولكنه يطرح تصوراً نقدياً لواقع هذا السرد ، وهي وجهة نظر قد نتفق أو نختلف معها لكنها جديرة بكل اهتمام لأنها وجهة نظر تنقد السرد السعودي من داخله ، وبمعرفة رجل عانى هموم المعرفة والثقافة ، ومارس العمل الإبداعي الشعري والسردي .

والحقيقة من وجهة نظري المتواضعة أن الراصد النقدي يستطيع أن يتبين وجود كمّ سردي كبير على الساحة السعودية ، ومن الطبيعي أن يكون في هذا الكم قدر لا يستهان به من الأعمال غير ذات القيمة الكبرى ، وتلك التي تتراوح بين العادي والرديء ، ولكن في المقابل هناك أعمال مميزة قادرة على إحداث الصدمة ، وأن تجعلك ترى جوانب مبهرة من الحياة ، وأن تفتح عيونك على عوالم لم تكن تعرفها من الماضي ، أو قراءة متميزة للواقع ، وتصورات حياة جديدة تطمح لتحقيقها في المستقبل .. هذا الكم أفرز بعض الأعمال القليلة اعتقد أنها شديدة التميز

مثال على ذلك وليس حصراً رواية الدكتور غازي القصيبي الأخيرة (الجنية) التي تعرض فيها لأزمة المثقف العربي وحيرته بين العلم والخرافة ، وأعمال عبده خال ، والعديد من الساردين الجيدين الذين يقدمون رؤية سعودية لواقعهم ، رغم أنهم يتحركون في ظرف ثقافي اجتماعي شديد الصعوبة والقسوة ، يدفع قطاعاً كبيراً منهم للنشر على حسابه الخاص خارج المملكة.

وعلينا أن نقر بحقيقة ساطعة وهي أن السرد السعودي خاصة الروائي منه سرد وليد ، يحتاج لعناية حتى ينمو، وهذه العناية يستحيل إنجازها إلا باحتضان ثقافي مجتمعي للإبداع من جهة ، وتأمين مهام نقدية جادة من نقاد غير عابثين ولا مرتزقة يقومون بغربلة الإنتاج الأدبي بعلمية واحتراف من جهة أخرى ، وهذا يتطلب مساحة من النشر ذي الأجر المجزي للأعمال النقدية لأن النقد الجاد يستهلك من الناقد وقتاً وجهداً لا بد أن ينال في مقابلهما ما يستحق من تقدير مادي وأدبي ، وهنا أحب أن أٌذكر أن كل المراحل التي أنتجت إبداعاً عظيماً في كل بلدان العالم ، لم يحلق الإبداع فيها وحده ، بل كان جناحاً لطير ثقافي يحلق بجناحين ؛ أحدهما الإبداع ، والآخر هو النقد.

منيرة الإزيمع - الدمام ديسمبر 17, 2007, 3 ص