ياهل الشرق مروا بي على القيصرية

جانب من سوق القيصرية قبل الحريق

أحمد الهبدان - الاحساء

يمثل سوق القيصرية تاريخا مهما لبعض الأفراد فضلا عن الذكريات الجميلة وبحسرة وألم ممزوجة بالحمد والشكر أعقبهما بابتسامة تنفس معتوق الخواجة الصعداء عندما حدثنا عن سوق القيصرية وذكرياته فيها، وماذا تعني له ولم يفكر طويلاً بل أجاب مختصرا هي بالنسبة لي بمثابة العش بالنسبة للطير . فعندما احترقت تشتتنا وأصبحت كالطير الذي ليس له عش يأوي إليه، وأشعر بأنه سترد روحي من جديد ويهدأ روعي عندما نعود إلى محلاتنا التي احترقت، وتمتلئ ذاكرة الخواجة ومن على شاكلته منهم بعد ست سنوات من الحريق الذي حول سوق القيصرية الشعبي إلى أطلال تنبعث منها حكايات وذكريات ارتبطت ليس بالباعة فقط والتجار بل امتدت إلى المتسوقين من داخل الاحساء وخارجها . فعندما يأتي ذكر سوق القيصرية نذكر معه حقبة من الزمن الجميل الذي تبادل فيه أصحاب تلك المحلات فيما بينهم أطراف الحديث على صوت أباريق شاي دحيم.

علاقة

ويقول معتوق الخواجة اننى ورثت جدا بعد جد وبتسلسل ورث محلات العطارة وأخذت الخبرة بجدارة من أبي فهو منذ أن كان طفلاً صغيراً يذهب إلى القيصرية ويراقب والده كيف يخلط الأعشاب ليخرج منهاً دواءً يتسابق الزبائن على شرائه، وأمضى الخواجة قرابة الخمسين عاماً في أروقة القيصرية ودكاكينها وقال إن المسألة بين التاجر أو البائع مع السوق لم تكن فقط علاقة تجارية بل تعدت ذلك بكثير . فتخيل أن تمضي عشرات السنين في مكان ما لابد أن تنشأ علاقة حميمة ومن نوع خاص مع ذلك المكان وأيضاً مع أولئك الأشخاص الذين نتعامل معهم سواء كانوا تجاراً أو باعة أو زبائن.

تبادل

ويؤكد أبو فتحي على تلك العلاقة بين التجار بقوله : نقوم بتبادل الأخبار والأحاديث فبعضهم يعرف أخبار بعض فإن كانت سارة دعا الله أن يبارك له فيما أعطاه سواء مالا أو عيالا وغير ذلك، وإن كانت أخبارا غير سارة واساه فيها وقدم له كل ما باستطاعته ليتخطى تلك الأزمة . وعلى العموم كانت علاقة إخوة ومحبة بما تحمله من معنى تسود الجميع تحت سقف سوق القيصرية، بل وأكثر من ذلك فإن البائع تربطه مع الزبائن أيضاً علاقة وثيقة تعدت البيع والشراء ووصلت إلى أكثر من ذلك فلدى كثير من التجار زبائنه المعروفين وتمتد إلى عشرات السنين فإذا حصل ظرف ما وغاب الزبون لفترة طويلة يبدأ التاجر بالسؤال عنه لمعرفة ما حدث له فربما أصيب بمكروه وغيره فيبدأ بالسؤال عنه عبر الوسائل البدائية إذ لم يكن في تلك الفترة وسائل اتصال وغيرها تساعد على الوصول إلى الشخص مثل هذه الأيام فيلجأ البائع للسؤال عنه عبر من يأتي الى تلك القرية التي يسكنها أو حتى القرية القريبة منه.

ستين عاماً

ويتحدث منصور القضيب «صاحب محل مواد غذائيةوله في هذا العمل قرابة الستين عاماً» عن سوق القيصرية بقوله : لم يكن فقط محلا تجاريا بل كان مكاناً اجتماعياً يتم فيه تبادل الأخبار الاجتماعية . فأي حدث يكون في الاحساء والبلدان المجاورة لها يتم تناقله عبر الزبائن ومرتادي السوق فتعرف . فكل من يرد معرفة ما يجري في المنطقة ما عليه إلا أن يتجول في سوق القيصرية ويسمع الأخبار إذ لم يكن كما هو معروف الآن وسائل الاتصال الحديثة،حتى ما يجري في دول الخليج المجاورة نسمعه من الزبائن الذين يأتون من قطر والإمارات،وعمان،والبحرين بل وتكونت علاقة طيبة وحميمة بيننا وبين هؤلاء الزبائن، وأتذكر أنه عندما حدث حريق القيصرية قبل ست سنوات رأيت كثيرا من إخواننا الخليجين قد بدت على وجهوهم الحسرة والندامة على ما جرى لأن ارتباطهم بالسوق لم يكن فقط من أجل التسوق بل تعداه إلى أكثر من ذلك.

شعلة

عبد اللطيف النعيم أمضى حوالي عشرين عاماً في السوق وقريبه أحمد النعيم الذي امتدت علاقته مع السوق قرابة خمسة وأربعين عاماً قالا إن القيصرية لم تكن فقط مجرد سوق بل كانت شعلة مزجت العادات والتقاليد وامتازت بالتنوع الثقافي ولها رائحتها التراثية الخاصة لكنها بعد الحريق الذي دمرها وإن عادت لكنها ستعود بغير النفس التاريخي القديم وستكون مجرد جدران لا تحكي ما كانت تحكيه تلك الجدران وإن كانت تحمل نفس التصميم لكنها لا تحمل البعد التاريخي لسوق القيصرية لذا يستبعد كلاهما مزاولة البيع بعد عودة السوق إلى مكانه لأن سوق القيصرية بعد إعادة بنائه وترميمه ليس كالسوق القديم ولن يكون كذلك حسب قولهما.

اجتماعي

ويتذكر القضيب تلك الأيام بقوله : كنا نأتي من الصباح لفتح المحلات والكل منا يتبادل السلام على الآخر في جو اجتماعي فريد حتى ولو حدث خلاف واختلاف بيننا سرعان ما يتم حله وكأن شيئاً لم يكن وتتحكم العادات والتقاليد التي ورثناها فمن الصعب أن تجد فلانا قد تصاهر من عائلة أخرى . فمن المعروف والمتعارف عندنا أن المصاهرة والزواج لا يكون إلا من الأقارب فقط، وأن العائلة لا تدخل مع اخرى وإذا حدث ذلك فنادر جداً بل يكون غير موجود إلا أن ذلك تغير مع مرور الزمن والمفاهيم والعادات السابقة بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً.

فجوة

ويرى كثير من التجار أن السنوات الست التي مضت على الحريق وشتت جمعهم قد جعلت بينهم وبين الزبائن فجوة كبيرة ومن الصعب رجوعها وأن الفارق الزمني أوجد لدى بعض التجار ما سموه عقدة العودة إلى السوق القديم لذا يشعر بعضهم بأنه لو عاد السوق من الصعب أن يكون على ما كان عليه في السابق. فسوق القيصرية القديم يحمل رائحة الماضي متجسدة في المبنى وأروقته الفريدة، وكذلك في العادات والتقاليد والتلاحم والطيبة التي كان يحملها كبار السن لكنهم يختمون قولهم بتساؤل : هل سيعود مثل الأول ويجيبوا بقولهم الله العالم.

تاريخ

وأشار المهندس عبدالله الشايب الى سوق القيصرية من الناحية التاريخية وسبب التسمية بقوله : إن سوق القيصرية بمدينة الهفوف أنشأ مع انتقال عاصمة الاحساء هجر «بالدلالة الجغرافية التاريخية لشرق الجزيرة العربية» إلى الهفوف قبل حوالي ستمائة سنة وهو امتداد لقريتي الرقيات والرفيعة او الرفعة، وعلى الرغم من أن الاحساء لم تخضع للرومان إلا أن المسمى قد نتج ربما عن التمازج بثقافة وادي الرافدين والشام وان كانت شكلة الأسواق بالشام تعرف بالقيسرية،وتقع القيصرية بمدينة الهفوف على شارع السوق وهو كما ذكر تاريخيا انه اكبر شارع في مدينة بالجزيرة العربية في حينه،ويقام سابقاً فيه سوق الخميس الشهير الذي هو امتداد لسوق هجر.

عاصمة

ويضيف الشايب أن سوق القيصرية يعتبر اكبر سوق مغطى في الجزيرة العربية بل هو أيضاً متفرد في شكله وحجمه وعمرانه مما يدلل على قوة النشاط التجاري والتنظيم الذي تحظى به عاصمة الشرق على مر الحقب الزمنية ويساعدها في ذلك وجود ميناء العقير على الخليج وبذا تعتبر سوقاً ومنفذاً لوسط الجزيرة ومستوطنات الخليج بصفة عامة. وعمارة القيصرية المغطاة عبارة عن ممرات متعامدة مع الشارع الرئيس ويشكل الرواق الأمامي من بواكي على أعمدة ذات أقواس نصف دائرية كما أن مداخله الكثير تتيح الوصول إلى المحل المراد بسهولة خاصة أن المحلات المتماثلة متجاورة.

محلات

ووصف الشايب مساحة القيصرية بأنها تصل إلى 15 ألف متر مربع مع المستودعات المجاورة ويشكل نصف المساحة منها المحلات التجارية مع ممراتها وتعد المحلات وعددها 420 محلا تجاريا أكبر تجمع حتى على مستوى المنظور الحديث للأسواق وتنشط فيه أنواع التجارة بكاملها من الأغذية أو المؤنة أو الميرة إلى الألبسة والى أدوات الطبخ والقهوة والألحف والمفارش والسجاد والبشوت والصرافة والحلاقة والأقمشة والعطارة وأدوات الزينة والإكسسوارات والمنتجات الجلدية فضلا عن الصناعات الحرفية المختلفة كالقطانة والصفارة وغيرها وأتاح هذا التنوع فرصة وخبرة تسويقية في مسافات بين المحلات تجعل المتسوق قريباً من مبتغاة.

توارث

وتحدث الشايب عن توارث الأجيال المحلات والمهن بقوله : مع طول العهد لسوق القيصرية وتوارث الأجيال للعمل التجاري حيث يمكن رؤية ثلاثة أجيال تعمل في المحل الواحد مما دعا إلى وجود روابط مع المتسوقين وعائلاتهم وتكوين روابط ثقة بحيث يمكن الشراء ومن ثم تأجيل دفع القيمة لصاحب المحل ويسمى في الاحساء الصبر وكانت الثقة بين التجار والزبائن قوية جداً بحيث يقوم الزبون بشراء ما يحتاجه على أن يدفع بالآجل . وكان القرويون يهتمون بهذه العلاقة كثيرا خاصة عند تجهيز العرايس وهناك أعزوفة على ذلك حين يتغنون « ياهل الشرق مرو بي على القيصرية» أيضا تكًون مع الوقت وجود الباعة من أعمار مختلفة وكبار السن مما يدعو كثيرا من رجالات المجتمع للمرور عليهم والسلام والجلوس واحتساء الشاي والقهوة، ومنه ينتج تبادل معرفي عن أخبار المجتمع وتداولها وهذا السلوك اليومي خاصة عند كبار السن من أهالي الهفوف،كما كونت طرق البيع ومنها الدلالة أيضا طريقة للتعبير بين أصحاب المحلات . فالتجاور السكني في مدينة الهفوف أدى إلى التسامح وساعد يقينا في ذلك مما اشتهر به أهالي الاحساء من طيبة ووفاء لبعضهم البعض رغم اختلافهم بل لا يعدو أن العلاقات البينية أدت الى التزاوج والتصاهر لدى البعض منهم . كما يسجل لسوق القيصرية كمبنى انه فريد من نوعه في عمارته الطينية وتشكيل أروقته، وكذلك حجم المجلات والتهوية وتصريف الأمطار مما يجعله محل النظر والدراسة كتراث عمراني، ولأن القيصرية محل تسوق ليس للقاطنين في الاحساء بل لأهالي الكويت والقطيف والبحرين وقطر والإمارات ولأبناء البوادي المحيطة بواحة الإحساء . من هنا فقد كان استمرار وجود القيصرية مصدرا لحفظ التراث من جميع جوانبه سواء الصناعات الحرفية أو لطريقة التسوق والتعاطي ووجود القيصرية بكل ما تحتويه يعد مصدرا لذلك ومن المؤسف انه تم التخلص مما تبقى من المبنى عن طريق هدمه خاصة البواكي للرواق الأمامي.

حدث

ويتذكر الشايب يوم الثاني من شعبان 1422 هـ ويصفه بيوم أليم على أهالي الاحساء بل وعلى من تربطه علاقة بسوق القيصرية أياً كانت هذه العلاقة . فقد أدى الحريق إلى التهام تلك القروة العظيمة، وقد شكل فريق تشرفت برئاسته لدراسة خيارات إعادة الإعمار للقيصرية، وقد تمت النتيجة على أن يعاد إلى نفس الغزار والمحافظة على الخصائص الأصيلة وباستخدام مواد من البيئة . وفعلا بدأ البناء في ذلك بالمحافظة على الملكيات وتم فقط تغيير بسيط بتوفير بعض الفراغات وإضافة مسجد .

ثقافي

ونوه الشايب إلى الفاصل الثقافي وارتباطه بالتأخير في إعادة البناء بقوله : إن التأخير في التنفيذ الذي مر عليه أكثر من ست سنوات يقينا يوجد فاصلا ثقافيا بين حدود وجود القيصرية القديمة والقيصرية الحديثة وسيؤثر بلا شك في ذلك ، لذا نتمنى أن يتمكن الباعة الأصليون من العودة إلى محلاتهم وهذا قد يساعد نوعا من استلهام شيء من الماضي التليد الذي عبر عنه الكثيرون من أبناء الاحساء في الأدب والصحافة بعد الحريق ومازالوا يتغنون بالسوق ويتطلعون لإعادة الحركة فيه مثلما كانت في عهدها السابق.

ذاكرة

ويتساءل الدكتور سعد الناجم : هل احتراق المكان في صورته المادية قادر على محوه من ذاكرتنا الفردية والجمعية لكنه يجزم بأن الإجابة ستكون لا ويعلل ذلك بقوله : إن بعض الأماكن يتميز بعبقرية خاصة تحتشد حوله العواطف البسيطة والخبرات والصورة الذهنية وتكسبه قيمة إنسانية خاصة تفوق قيمته المادية، لذا ستظل ذكرى القيصرية ترمقنا على الدوام عندما نطالعه في أية صورة ذهنية أو ورقية نحملها عنها . ففي اعتقادي أن أي فرد تسوق أو زار أو مر عابرا بـ «قيصرية الاحساء» سيصعب عليه نسيان ذلك المكان العابق بالسحر الذي كان في وقت من الأوقات كمرضعة الأيتام واليد الحانية بالنسبة للفقراء والمعوزين تلك المكانة الخاصة يقدرها كل من عشق التراث والأمكنة والأزمنة الأولى بتجرد وموضوعية ونظر إليها على أنها علامة تاريخية لاتحمى من مخزوننا التراثي، وسيظل عبق التاريخ والذكر والانتماء لهذا المكان في الذاكرة حياً على مر الأزمنة المتلاحقة.


أحد الباعة في دكانه القديم في القيصرية


المبنى الجديد لسوق القيصرية

أحمد الهبدان - الاحساء نوفمبر 22, 2007, 3 ص