مارك هيلبرين 

مارك هيلبرين 

لدى تأمل خطة الرئيس بوش الجديدة لإحلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، ربما يكون من الحكمة الإبقاء على فكرة في الذهن، وهي: لأن المبادرات السياسية في الشرق الأوسط ظلت مصابة بلعنة مثل هذا المستوى العالي من الإخفاقات، فإن المحللين يلجأون أحياناً إلى تفحص الاحتمالات الناشزة كبديل عما تنبئ به الحرفة. فبعد رحلة السادات المشهورة الى القدس في تشرين الثاني-نوفمبر عام 1977، كانت الصحافة التي اختلط عليها التشاؤم فاعتبرته حكمة، قد تعاملت مع الحدث بكثير من الشك. وبعد كل شيء، وفي السنوات الخمس والعشرين الأولى منذ قيامها، اضطرت إسرائيل إلى خوض حروب ضد مصر لأربع مرات. لكن الماضي لم يكن دليلاً ونبراساً للمستقبل، لأن السلام الذي عقد بين مناحيم بيغن وأنور السادات ظل متماسكاً طوال الثلاثين عاماً المنصرمة.

ومع ذلك، وفي حينه، كان عدد قليل من الناس قادراً على رؤية الطريق أمامه على الرغم من انها كانت مستنيرة بجلاء بالحقائق. كان الرأي المطلع متيقظاً لتقلبات المفاوضات أكثر من انتباهه للإملاءات الهيكلية التي ستسود في نهاية المطاف. فبينما كانت مصر على شفا الإفلاس، وسكانها يتضخمون، وقد انفصلت حديثاً عن الاتحاد السوفياتي، وكانت غير ذات صلة بالعالم الثالث وقد استعادت كرامتها حديثاً عقب نجاحها الجزئي في حرب 1973، كان سلوكها قابلاً للتنبؤ به. وهكذا كان حال خصومها: جبهة من العرب الراديكاليين والفلسطينيين.

شكلت إسرائيل ومصر، اللتان كانتا تعرفان مصالحهما وحددتا مساريهما، شكلتا كما كان واقع الحال المركز الداخلي لثلاث دوائر متراكزة. حولهما كانت الدائرة الثانية: الرافضون العرب الذين كانوا منقسمين وضعفاء عسكريا ومنفصلين جغرافيا وعاجزين اقتصاديا. وباستثناء الكتلة السوفياتية التي لم تكن تملك المرونة للتعويض افتقارها إلى الموقف، كانت القوى الكبرى التي شكلت الدائرة الخارجية تميل في أغلبيتها تفضل التقارب. وفي النهاية، استخدمت قواها المشتركة لكسر الدائرة الوسطى من الرافضين على صخرة المركز الصلب المكون من المؤسسين. ويبدو أن شكلاً مشابهاً من الميتافيزيقا يظهر الآن في الشرق الأوسط.

لقد خاضت الولايات المتحدة الحرب في العراق، وكأن التاريخ، والاستراتيجية، والمناورة، والتحضير، وبعد النظر، والحقائق، والتكامل والعقلانية، كأنها كلها أمور لم توجد أبداً. وعلى الرغم من ذلك، كان أثر الحرب هو تشظية سياسات المنطقة وخلق الفرص، وإحداها هو توفر الإمكانية وضع تسوية بين إسرائيل والفلسطينيين. وفي الغضون، تنكر بعض دوائر الحكومة التي أصابتها لسعة نار الفشل المتوقع للإدارة الحالية في تحويل الثقافة السياسية للشرق الاوسط الى اجتماع بلدة فيرمونت، تنكر هذه الإمكانية، كما لو بالتشبيه وعقد المقارنة. لكن عقد المقارنات لا يصلح، فالظروف ليست هي نفسها، والمهمة مختلفة كلية. وعلى عكس الولايات المتحدة، لا يوجد لدى إسرائيل جدول زمني (ضمني أو غير ذلك) للانسحاب من المنطقة -كما يعرف أعداؤها تماما.

وفيما تثلم أميركا حد سيفها في العراق، فإنها أعفت إيران من الكثير من القلق فيما يتعلق بنقاط ضعفها، ونصبت حكومة ذات أغلبية شيعية في بغداد، وجعلت العالم العربي اكثر قبولاً لوجهات النظر الايرانية. هذا الصعود الشيعي قوامه انبعاث عبر إيران ضعيفة، ودولة حزب الله الشيعي الضعيفة في لبنان، متحصناً بالحرب التي «كسبها» قبل سنة،(مع مثل هذا الانتصار، تصبح الهزيمة غير ضرورية)، وتحالف سورية والمتشددين السنة مثل حماس مع إيران. وربما وعلى عكس ما هو مفهوم، بالغ حزب الله في تصوير طول باعه في الصيف الماضي. فقد خرجت اسرائيل مهزوزة، ولكن بعدد قليل من الإصابات وباقتصاد حقق نمواً في فترة الاقتتال. وقد تطلب الأمر إطلاق نحو 4000 صاروخ كاتيوشا لقتل نحو 39 إسرائيلياً، ولإلحاق نزر يسير من الأضرار المادية، هذا فضلا عن أن صاروخاً واحداً لم يطلق على إسرائيل منذ انتهاء الحرب. وقد أظهرت اسرائيل أنها عند استفزازها، يمكن، بل وتستطيع أن تدمر أي شيء يعترض سبيلها، خالقة بذلك استيقاظاً لبنانيا أفضى إلى شق البلد وجعل حزب الله منشغلاً كليّة. وعلى أن حزب الله يعيد تسليح نفسه، إلا أنه يظل مع ذلك متوجساً من اسرائيل.

لقد أفرطت حماس أيضا وبالغت في تقدير طول باعها، مما فتح ثغرة يمكن أن ينبثق منها سلام فلسطيني اسرائيلي. ولأول مرة منذ عام 1948، نجد انقساماً جوهرياً بين الفلسطينيين وهو يخلق حالة يمكن فيها لوجهة النظر الأكثر بعداً عن الحتمية والإطلاق وهي تجد لها ملتجأ وتحكم السيطرة.

يبقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس الرئيس الفلسطيني وزعيم حركة فتح ضعيفاً بطرق عديدة، لكنه تمكن من عزل الراديكاليين بشكل حاسم. ويواجه مؤيدو حماس في الضفة الغربية (يشكلون طبقا لأحدث استطلاع للرأي العام اقل من 25% من السكان) ديمغرافية مختلفة قياساً مع ما أوجدوه في غزة، واقتصادا مختلفا يمكن أن يتم تغذيته بغنى إذا كانت اسرائيل على قدر كاف من الحكمة لفعل ذلك، محاطون ومخترقون بقوات الجيش الاسرائيلي وقوات السلطة الفلسطينية. وبهذا، فإنهم ليسوا الآن ما كانوا عليه ذات مرة.

في غزة المحاصرة اقتصادياً، تجد حماس نفسها مطوقة بإسرائيل ومصر والبحر. أما قوتها الظاهرية، فقد بالغ في تضخيمها قرار السيد عباس ألا يقاتل في هذا الميدان، وإنما أن يستفيد من خسرانه. كما أن الغزيين المضطهدين الذين يتضورون جوعاً ممن يشاهدون حماس وهي تطلق الصواريخ، والتي لا يتعدى تأثيرها استدعاء دخول الدبابات الإسرائيلية، فإنهم ربما يرون قريباً ضفة غربية مزدهرة وعلى أعتاب ان تأخذ شكل دولة تعيش بسلام مع جيرانها ومع العالم. وسوف يلقي «الحجر الصحي» المفروض على غزة ضوءا ساطعا على تطبيع الضفة الغربية. وعلى الرغم من ان قادة حماس يصورون السيد عباس على انه متعاون، فإنهم ربما يكونون هم الذين سيتحملون مسؤولية جعل أكثر من مليون شخص من أبناء جلدتهم رهائن لذلك التفضيل غير المسوغ للصراع على تحقيق النجاح.

يبدو تقارب المصلحة المشتركة المفاجئ والمكثف بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل وأنه يشكل النظير للمحور الإسرائيلي المصري لعام 1977. لكن العرب اليوم، في الدائرة الثانية، عكسوا مواقفهم إلى حد كبير. فسبب خوفهم من رعاية إيران للحرب والفوضى والثورة، سيضع هؤلاء ثقلهم ضد الرافضين. ذلك أن لدى مصر والدول العربية الخليجية والدول المعتدلة الكثير جدا للتعامل معه في أوطانها وفي الشرق، وبحيث لا تستطيع تحمل أعباء وجود جبهة نشطة في وسطها، ولذك نجدها وهي ترص الصفوف في مواجهة إيران وحزب الله وحماس، حاشدة معظم المتبقي من الدول العربية إلى جانبها.

يشكل ذلك تطوراً استثنائياً والذي يشكل الموقف الذي أصبحنا فيه الآن: على أعتاب تحالف نادر بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية والدول العربية والقيادية والقوى الرئيسية. ومع أن من الصحيح ان إحدى مصالح موسكو الرئيسية هي الإبقاء على الشرق الأوسط في وضع قلق حتى تحافظ على اسعار النفط المرتفعة التي أصبحت الآن ماء الحياة لروسيا، ذلك أن المنطقة عندما انتقلت من أحضان الاتحاد السوفياتي الى أحضان الغرب، تم تنحية موسكو لتصبح على الهامش. وعلى الرغم من ان اوروبا مشلولة من الناحية العسكرية، فإنها تظل تنطوي على حوافز اقتصادية كبيرة. ورغم ان الولايات المتحدة درجت مؤخرا على ان تكون مغفلة، وسمجة ومترنحة مثل السكير، تضرب كل شيء يثير الشبهة، فإن مكامن قوتها تبقى متفوقة وإرادتها يعتد بها.

إن المؤسسين والدول العربية المهمة والقوى القيادية في الغرب قد أصبحوا الآن موحدين ضد جبهة إرهاب راديكالية تظل، على عكس تلك الموجودة في العراق، متشظية جغرافيا، ومحتواة نسبيا، وفقيرة بشكل رهيب، وعددها ضئيل كثيرا. ويمكن ان يحدث اي شيء أميل إلى السوء في النزاع العربي-الاسرائيلي، وهو ما يحدث عادة، لكن الأعمدة الرئيسة للسياسة الرافضة تقف الآن مسطحة وبلا حراك، فيما طيف المواقف أصبح في وضع يتمكن معه كل طرف منخرط ايجابيا من التكيف مع الآخرين واستيعابهم.

مع وجود الحرارة المتولدة عن حرب فاشلة، ذاب الجليد عن العمليات التاريخية. واذا ما استطاعت إسرائيل والسلطة الفلسطينية انتهاج استراتيجية ذات أهداف محدودة، مركزتين على التوصل الى اتفاقية ثنائية بدلا من الأعمال الفردية الممجدة التي سرعان ما تذوي، فسيكون باستطاعتهما إنجاز شيء ما على غرار مسيرة السادات الاستثنائية قبل 30 عاماً. ربما تكون الأمور الناشزة الغرائبية قد باتت الآن في الوضع الأفضل لها منذ ذلك الحين، وينبغي على الحكومات المسؤولة أن تتعرف عليها وتميزها بوصفها المهماز المحفز للقيام بالعمل المناسب والانخراط في المغامرة.

 عن نيويورك تايمز

مارك هيلبرين  سبتمبر 3, 2007, 3 ص