جريمة افتراس القدس

محمد جلال عناية

شرع الكونجرس الأمريكي قانوناً في العام 1995 يدعو حكومة الولايات المتحدة إلى نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس. ومنذ ذلك التاريخ، استخدم الرؤساء الأمريكيون صلاحياتهم في تأجيل نقل السفارة إلى القدس لمدة ستة شهور تتجدد الفترة تلو الفترة. وفي 18/12/،2006 قال البيت الأبيض: إن الرئيس جورج بوش أخر نقل السفارة الأمريكية في “إسرائيل” إلى القدس لمدة ستة أشهر لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي الأمريكي. ونسب إلى مصدر مجهول في البيت الأبيض قوله: “إن نقل سفارتنا من تل أبيب إلى القدس الآن، سوف يصعب مهمتنا في مساعدة “الإسرائيليين” والفلسطينيين على التقدم باتجاه السلام وتحقيق رؤية الرئيس في حل الدولتين”.

وكان الرئيس بوش قد بعث في 15/12/،2006 بمذكرة إلى وزارة خارجيته، قال فيها: “إن حكومتي لا تزال ملتزمة بالبدء في عملية نقل السفارة إلى القدس”.

بموافقتها على قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين (1947)، تكون الوكالة اليهودية، التي كانت شبه حكومة يهودية في زمن الانتداب البريطاني، قد وافقت ضمنياً على فقرة في القرار تضع القدس تحت نظام دولي. ومع ذلك، أصرت الدولة اليهودية على جعل القدس عاصمة لها. وفي واقع الأمر فإن القدس في نهاية عام ،1948 قد قسمت بمقتضى خطوط وقف إطلاق بين الأردن و”إسرائيل”. وظل كل طرف منهما يتمسك بالجزء الذي في حوزته من المدينة رغم أن الدول الإسلامية والفاتيكان والاتحاد السوفييتي كانت تحبذ تدويل القدس. وفي تحرك لوقف محاولات “إسرائيل” لاتخاذ القدس عاصمة ل “إسرائيل”، تبنت الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 9/12/1949 بأغلبية كبيرة قراراً يدعو إلى اعتبار القدس كياناً قائماً بذاته ووضعها تحت سيطرة الأمم المتحدة. ولكن بن غوريون أعلن في 13/12/1949 قراراً بنقل الكنيست والوزارات الحكومية من تل أبيب إلى القدس، ضارباً عرض الحائط بقرار الأمم المتحدة وباعتراض الدول الإسلامية، والفاتيكان والدول الكاثوليكية، والاتحاد السوفييتي. وفي أعقاب هزيمة ،1967 قررت الحكومة “الإسرائيلية” في 18/6/1967 ضم القدس العربية والمناطق المحيطة بها إلى “إسرائيل”. وفي 27/6/،1967 طبقت “إسرائيل” قوانينها على القدس الكبرى التي شملت القدس القديمة.

انتخب بنيامين نتنياهو في مايو/ أيار 1996 رئيساً للوزراء في أول انتخابات مباشرة لهذا المنصب. وكان نتنياهو ينظر إلى العلاقة مع العرب على أنها صراع مستمر بين قوى الخير “الإسرائيلية” وقوى الشر العربية. وقد فعل كل ما يمكن فعله لنسف اتفاقية أوسلو، ففي 25/9/1996 أمر بافتتاح النفق الذي هدد سلامة المسجد الأقصى في القدس، فأشعل بذلك شرارة المواجهة بين الفلسطينيين والسلطات “الإسرائيلية”. وخلال ثلاثة أيام من العنف، وقع ثمانون قتيلاً فلسطينياً مقابل خمسة عشر جندياً “إسرائيلياً”.

في أعقاب هزيمة ،1967 دأبت الحكومات “الإسرائيلية” المتعاقبة، سواء كانت من حزب العمل أو الليكود، على تطويق القدس بحزامين من المستوطنات اليهودية والمواقع العسكرية التي أقيمت على مساحة 10بالمائة من الضفة الغربية، وأقام فيها نصف المستوطنين اليهود الذين غزوا هذه المناطق. ولكن الحريق الذي أشعله بنيامين نتنياهو وهدد مستقبل القدس، وأغلق آفاق التسوية السلمية، ونسف اتفاق أوسلو، هو القرار الذي أصدره في 19/2/،1997 وتمثل في مشروع إنشاء 6500 وحدة سكنية لتوطين 30 ألف مستوطن يهودي في جبل أبو غنيم (حار حوما) في القدس المحتلة بالقرب من قرية صور باهر العربية على طريق القدس بيت لحم.

كانت إقامة مستوطنة أبو غنيم في الموقع الذي أنشئت عليه تعتبر مثالاً صارخاً على الاستراتيجية “الإسرائيلية” لإكمال النطاق الاستيطاني “الإسرائيلي” وفصل القدس تماماً عن الاتصال بأراضي الضفة الغربية من حولها. وبنسفه لكل فرص السلام بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين” تفوق نتنياهو في تطرفه على زئيف جابوتنسكي صاحب نظرية الجدار الحديدي. فقد كانت استراتيجية جابوتنسكي تقوم على خلق حالة يأس للعرب من قدرتهم على طرد اليهود من فلسطين، واضطرارهم لمفاوضة اليهود من موقف ضعف، أما نتنياهو فقد قضى على كل فرص التفاوض مع الفلسطينيين واتضح للعالم الخارجي أن حكومة نتنياهو عن قصد وسابق تصميم أضاعت فرصة تحقيق السلام مع الفلسطينيين.

مع قيام البلدوزرات “الإسرائيلية” بتمهيد الأرض تعالت الاحتجاجات وعمت الإضرابات المناطق الفلسطينية وخاصة في الخليل وبيت لحم ضد اغتصاب جبل أبو غنيم، وجمد الرئيس عرفات كل اتصالاته ب “الإسرائيليين”. وقال وزير الخارجية البريطاني آنذاك إن البدء بالبناء سوف يؤذي عملية السلام. أما الولايات المتحدة فقد استخدمت حق النقض (فيتو) مرتين لمنع صدور قرارات من مجلس الأمن ضد “إسرائيل” بصدد هذه القضية. بعد انهيار حكومة نتنياهو خلفتها حكومة إيهود باراك الذي فاز على نتنياهو في انتخابات رئاسة الوزراء في 17/5/1999. وفي 11/7/2000 عقدت قمة ثلاثية في كامب ديفيد بين كلينتون وعرفات وباراك لمناقشة قضايا الحل النهائي. ليس المهم الآن الاستغراق فيما فعله نتنياهو وما لم يفعله باراك، بل الأكثر أهمية هو بلورة موقف فلسطيني عربي من خلال مؤتمر قمة عربي لقضايا الحل النهائي، لأن الفلسطينيين الذين اشتعلت بينهم المعارك المسلحة حول تشكيل حكومة وحدة وطنية غير قادرين قطعاً على الاتفاق على قضايا الحل النهائي الذي سيثير بينهم الخلاف حولها حروباً لا تبقي ولا تذر.

محمد جلال عناية ديسمبر 29, 2006, 3 ص