نجيب عبدالرحمن الزامل

.. ليلة الاثنين المنصرم كانت ليلة مضيئة بالنسبة لي، وأعتقد بالنسبة لكل حضور برنامج الحفل الختامي لنادي الصم بالمنطقة الشرقية. وإني أرفع تقديرا وإعجابا لمنظمي الحفل فقد أشرق بسيطا في روعته وتلقائيته، فارتاح الجمعُ وعمّت روحٌ بين الحضور تخففت من الرسميات بينما انطلقت الكلمات بأصدق العواطف، وطغت الطبيعة الشخصية والتلقائية، لذا نضَت الخُطبُ المجدولة ثوبها السمتي الرسمي وانطلق المتكلمون بمداخلات وتصريحات عفوية، ولكن مفيدة وتصل القلب والعقل معا.

وارفع اعجابي وتقديري إلى راعي الحفل الأستاذ زارب القحطاني، وكيل امارة المنطقة الشرقية المساعد،الذي أخذ خطابا معدا ثم وضعه في جيبه وانطلق عفويا باشا وتلقائيا وحدث الحاضرين عن رأيه وتجاربه وشواهده في التغلب على عقبات الحياة ومنها الإعاقة السمعية. وتتواصل التحية والتقدير إلى الأستاذ خالد المحمد البسام رئيس مجلس إدارة النادي وكانت كلمته بلغة الإشارات مع مترجم، وكان جميل الحضور، واضح الأفكار والأهداف، والدكتور زيد المسلط نائب رئيس الاتحاد العربي للهيئات العاملة في رعاية الصم، وقد بدا رصينا جادا مهنيا يأخذ مسئولياته إنسانيا وليس فقط وظيفيا، والدكتور شاهر الشهري رئيس جمعية الرحمة الطبية الخيرية، الذي انطلق بابتسامة طويلة على امتداد خطبته الارتجالية الطويلة، وقد أطال فعلا وأسهب بسيطا ثم علميا، ولا نظن الدافع إلا فرحته بالجمع والمناسبة وأراد أن يعبر عنها قدر طاقته، مع تأكدي أن طاقة حبه فوق طاقة حديثه..

وكانت رؤيتي ومازالت انه ليس هناك إعاقة حقيقية، من إيماني بأن الله يحبنا جميعا ولكنه يوزع فينا طاقات كامنة، بحكم أن الإنسان معجزة بخلقه وأدائه.. وأن على كل إنسان أن يسأل نفسه: "أين معجزتي التي وضعها ربي بي؟".. وهذا ينطبق على الخلق أجمعين.. وكلنا بالحتم ناقصون بأمر، أو شيء، أو صفة، عن بقية الناس، وبما أن الله محب وعادل بلا أدني ريب.. فيبقى سؤال آخر إذن: "أين تعويضي؟"، وبرأيي كما قلت للحاضرين، أن هذا سر نجاح كل الناجحين على الإطلاق، أنهم جدّوا في البحث عن مكامن تفوقهم، مؤمنين بأن الله قد عوّضهم عن أي نقص يعتريهم.. والشواهد تملأ الحاضر، وتملأ التاريخ..

كما أنها النظرة للحياة، وبما أن الأخ خالد الرشود طلب مني كلمة مفيدة، رويتُ لهم قصة صديقي رجل الأعمال الناجح في مدينة كبرى بالبلاد، وهو ولد بحواسه مكتملة ثم وقع له حادث مرضي سريع وفقد سمعه.. ومع أن كلمتي ارتجالية إلا أني قرأت قصة الصديق لأنه أصر علي أن تـُكتب وتـُقرأ ، ولم يقل انه كان قلقا أن أُنقِص أو أضيف، ولكن ذاك كان واضحا!

صديقي كان له ابن عمٍّ مثقفٍ وأصم من طفولته الباكرة، ورغم ثقافته وذكائه يحمل نظرة داكنة لمجتمعه المحيط، فزار صديقي بعد أن وقعت له الإعاقة ودسّ في جيبه ورقة.. اختصِرُها بأنه كتب له: " لقد دخلت عالمنا المعزول، حيث منبه الساعة يطلق الضوء لا الصوت، وحيث الهاتف بالنور أو بالهز، وحيث تبدو وكأن بينك وبين الناس حائطا زجاجيا سميكا لا تسمعهم، ولا هم ينتبهون لما تحاول أن تعبر عنه. عالمنا حيث نبدو كالمهرجين ونحن نعبر عن الغضب أو الابتسام بمط الشفاه وتوسيع العيون وتقطيب عضلات الوجه، عالمٌ وأنت صامت تبدو على وجهك ملامح الذهول" .. وتستمر الورقة على هذا المنوال.

القصة قيلت بالكامل، ولكن ختامها المهم أن صديقي صار صاحب صناعة مهمة، وهو يقول ان رسالة ابن عمه تلك كانت له دافعا وليست مجلبا للغم والاستسلام. ثم أخذني من يدي وأراني شهاداته الأكاديمية الهندسية، وجدارا مليئا بالشهادات الفخرية والإنجازية.. ثم لوح بيده بالهواء وكأنه يمسحه وكأن تلك الشهادات ليست هي المهمة، وأشر على إطار يكاد أن يكون معزولا بحاله، ورفع إبهامه مؤشرا بمعنى أن هذه هي الأهم.. وكان في وسط الإطار ورقة دفتر مدرسي قديم. وكانت تلك الورقة هي التي دسها ابن عمه في جيبه!

لقد بحث صديقي عن معجزة ربه فيه، وعن تعويضه له.. فوجدهما!

Najeeb@sahara.com

مايو 27, 2006, 3 ص