وسم على أديم الزمن

د. عبدالعزيز الخويطر

تستأنف "اليوم" تقديم هذه اللمحات من الذكريات تحت عنوان (وسم على أديم الزمن) لمعالي الاستاذ الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر بعد فترة توقف.. والذكريات وان دونت سيرة حياة صادقة وصريحة لشخص بقدر الدكتور الخويطر إلا أنها تستعيد الكثير من الصور عن اماكن وأزمنة ماضية كما تتضمن العديد من المعلومات الهامة التي وثق بعضها بالأرقام والإحصائيات التي يمكن أن تضيء للشباب بعض ما يجهله عن الماضي من عادات وتقاليد ونظام حياة وعمل وجوانب اجتماعية وتاريخية عديدة.

في الحلقة الماضية تناول د. الخويطر الصناعات المحلية ومنها الصاعات المعدنية والخشبية والجلود وغيرها وايضا سيرة بعض النساء الفاضلات وفي هذا العدد يتناول بعض العناصر البيئية والمخلوقات ومنها انواع من الحشرات منها الجراد والنمل وغيرها.

ولادة على طرف الحوض:

وقصت قريبتي كذلك القصة التالية:

كانت السيدة التي تحدثنا عنها في القصة السابقة في مقتبل العمر، وكالمعتاد لمن هو مثلها في محيطها، كانت تذهب وتعمل في الحقول، وكانت حاملا في شهرها الأخير، وذهبت (تروس) في أحد الحقول، و(الرياسة) هي تصريف الماء، الذي يأتي مع (الساقي) من البركة، إلى أحد الأحواض، فاذا امتلأ أقرب حوض سدت (المعدل) (المخرج) من الساقي اليه، وانتقلت إلى ما بعده، مع تعشيب ما يحتاج إلى تعشيب، وتنظيف الحوض من الشوائب، وهكذا تفعل بالثاني ما فعلته بالأول. فجاءها المخاض وهي (تروس)، فولدت مولودها، وسرته، ومهدته، ووضعته قريبا منها، ثم أكملت عملها، وعادت بابنها إلى بيتها تحمله، مستقبلة بفرحة من أهلها وفخر.

وبالتأكيد فان العمل الشاق، الذي كانت تقوم به النساء جعل ولادتهن يسيرة، ونادرا ما تعسر ولادة المرأة في ذلك الوقت. وينصح الأطباء عندما يطول وقت (الطلق) بأن تمشي المرأة حتى تجهد. وأذكر في سنة من السنوات، واحدى بناتي ولدت في مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت في لبنان، كان هناك امرأة المانية أخذ (طلقها) مدة طويلة، فنصحها الطبيب أمامي ومعها زوجها بأن يذهبا إلى (الكورنيش)، ويمشيا، فذهبا، ومشيا ساعات حتى اشتد المخاض عليها فرجعا إلى المستشفى، وولدت المرأة ولادة ميسرة.

امرأة اخرى خيرة:

هذه المرأة التي سوف تروي قريبتنا قصتها، هي من أسرة اخرى كريمة تمت إلى قريبتنا بصلة رحم، وقصتها تظهر طيب النفوس، وعمق التسامح، والبعد عن التكلف والتعقيد، وهذه الصفات من سمات ذلك الزمن وأهله، والقصة طريفة حملت قريبتنا على الإعجاب لطرافتها.

وتفصيل القصة أن هذه السيدة اشتهرت بحلاوة لسانها وبسماحة نفسها، وعرف عنها حبها للناس وعطفها على الحيوان، وكان من (اللوازم) التي على لسانها دائما جملة: (يا خلف أبوي)، أي أن المخاطب في مكان والدها الذي فقدته، وهو دعاء يأتي بعد عمل قام به تجاهها أحد، أو مقدمة لطلب منها لأحد تريد ان يقدم لها معروفا، كأن تقول لأحد: (ارفع هذا الحمل على رأسي، يا خلف أبوي).

وكانت هذه الجملة تسر أمير عنيزة حينئذ عندما تقولها له. فكانت تقول له أحيانا: (كيف حالك، يا خلف أبوي) إلى ان جاء يوم من الأيام، وكانت تسير معه، فرأت حمارا مربوطاً، وكان صاحبه قد ربطه في مكان فيه ظل آنذاك، أما الآن فقد وصلته الشمس، وآلم هذا صاحبتنا الطيبة، الحنون على الانسان والحيوان، فالتفتت إلى الحمار، وخاطبته قائلة:

(يا خلف أبوي تركوك في الشمس).

فقال لها الأمير: (أفا، يا أم فلان، أنا والحمار كلانا خلف أبوك).

ولم يعد بعد ذلك يفرح بهذه الجملة منها، وصار كلما سمع هذه الجملة انتصبت أمامه صورة الحمار في الشمس.

(ويا خلف أبوي) جملة تقال لتعطي القول ابتسامة مثل ما نردف نحن اليوم قولنا بجملة ـ سلمك الله ـ أو أطال الله عمرك، أو حفظك الله.

الجراد:

اخترت أن أتكلم عن الجراد، لأنه داخل في ذلك الزمن في حياة الناس بعمق، فإذا جاء تحركت البلاد كلها ما بين مرحب لأن له منه فائدة، وفلاح متذمر لأن عليه منه ضررا. وعندما يهجم على البلاد ينبه من يراه الناس عندما تظهر بوادره وطوالعه، ان كان (دبا) أو (خيفانا) أو (مكنا). والدبا هو صغار الجراد التي لا تطير، ولكنها تدب وتقفز بسرعة. وقد رأيتها تأتي كأنها سيل جارف.

عندما يرى الجراد، أول ما يرى، يسرع رائيه إلى البلد، وينادي في الناس، ويدور في الأسواق، ومن سمعه سارع في النداء حتى لم يبق أحد الا ويعرف عنه، والمنادي يقول: (يا جرادوه، الجراد في المكان الفلاني)، فيسرع كثير من الناس، وكل واحد منهم معه ما يستطيع ان يجمع به جرادا، وما يستطيع حمله، منهم من معه (كيس خيش) أو قدر، أو أي وعاء، أو ثوب، ولاشك أن صاحب الحظ الأوفى هو من يجد كيس خيش، يحشو فيه ما يتمكن من جمعه، وما أسهل ذلك، خاصة في الليل. ويمكن جمعه في النهار، ولكن لسرعة طيرانه، وقفزه، لا يكون من السهل جمعه. أما صيد الليل فهو الذي عليه المعول للاقتناء البيتي، وللبيع.

والجراد في الليل يكون (لابدا) على الأشجار القصيرة، مكان غذائه المفضل، فيأتي الشخص، ويفتح فم الكيس، ويدفع فيه مما على الأرض، ويدفع فيه ما يستطيعه، ويهز الشجيرات لتسقط ما عليها، فاذا اكتمل في الأرض جمعه.

وهذا الجمع العشوائي، في الليالي الظلماء لايخلو احيانا من أخطار، لأن الجراد طعام مغر للحيات والثعابين، فيجمع مع الجراد بعض الحيات، ويدخلها في الكيس دون أن يعلم، وقد تلدغه، وقد لا تفعل، ولكنه عندما يفرغ الجراد رأسا في القدر الذي به ماء يغلي، وفيه ملح، فإنها تسقط مع الجراد، ولا يدري عنها الا بعد ان ينضج الجراد، ويفتح القدر.

طبخ الجراد:

ينصب فوق النار قدر فيه ماء وبه ملح، فاذا غلى الماء جيء بكيس الخيش المملوء بالجراد فأفرغ في القدر بسرعة وبحذر لكي لا يتسرب منه شيء. ثم بعد وقت ليس بالطويل يكشف غطاء القدر، ويؤتى بأداة الغرف الخاصة التي تأخذ الجراد، وتترك الماء، ويسميها أهل عنيزة (المس) ويسميها غيرهم (الملاس). ويؤكل الجراد رأسا، وهذا هو ألذ أكل له، ويسمى (نقوعه). ويجفف ما يبقى، ويوضع في أكياس يؤخذ منه قليل يوضع في الأكل ليعطيه طعما لذيذا. ويؤكل كذلك وهو يابس فيما بين أوقات الوجبات، وألذ أكلاته أن يؤكل مع الإقط (البقل) (المضير).

وأفضل مكان تخزن فيه الأكياس (المنفوح) (المبيت) لأن الهواء يطرقه ليل نهار من السطح، والشمس لا تصل اليه. وكنا نغزوه وقت القيلولة عندما يكون الكبار نائمين.

بعض أطوار نموه:

الخيفان هو الجراد في الرحلة التي بين عمر الدبا وعمر المكن، حيث يحمل البيض أو الزعيري. والخيفان لا يؤكل بلذة، ولا يعرف ذكره من أنثاه، ولا يبيض، ولونه يميل إلى البياض، وتحفر (المكنة) عادة حفرة متقنة، ثم تدخل الجزء الأسفل منها، الممتلئ بالبيض، فتفرغ بيضها في هذه الحفرة، ثم تهيل عليها التراب بطريقة متقنة. ثم بعد زمن يأتي المطر، وتبتل الأرض، ثم يخرج الدبا المفسد، فيرعى ما أمامه من خضرة، وهو العدو الأول للمزارع.

وعلاج (الدبا) متقن، فاذا عرف مكانه، واتجاه زحفه، حفر أمامه أخدود (زيبة) بعرض امتداده، فاذا وصل اليها، وسقط فيها، وتكامل، أهيل عليها التراب، ودفن في هذه الأخاديد. ويصبح بعد مدة سمادا مخصبا للأرض.

أما الخيفان، فيكاد لا يكون له علاج في النهار لصعوبة جمعه، وسرعة طيرانه، وتفرقه، الا أن بعض المحدثين من المزارعين، يوقفون في آخر المزرعة في طريقه عسبانا من النخيل، فاذا أقبل أوقدوها، فيبتعد الجراد يمينا عنها ويسارا، ولكن هذا العمل ليس سهلا، ولا هو مضمون النتيجة، لصعوبة اتقان نصب العسبان، وسرعة احتراقها، وما قد يأتي منها من أخطار الحريق. والخيفان عادة لا يؤكل، ولهذا لا يجمع ما امكن، وأنما يحرص على احراقه بقدر الإمكان.

و(المكن) واحدها (مكنة)، هي أنثى الجراد حاملة البيض. والمكن صيد ثمين، خاصة لمن أراد أن يأكله حارا، أو لم يمض على طبخه وقت طويل. واذا تخلصت المكنة من بيضها سميت (ماسرا)، ويمكن ان تحمل بيضا مرة أخرى فيقال عنها كسبت.

وكنا نبدأ بزهم البيض، ذيل الجرادة، لأنه أغنى ما في المكنة، وسرعان ما يشبع الشخص لغنى (الزهم) بما يشبه الدهن، ثم بعد ان ينتهي الزهم نتنازل في غربتنا إلى صدور الجراد، فإذا انتهى مافي الكيس منها، أكلنا الرؤوس، فاذا فرغ الكيس منها، أكلنا (القصاميل)، وهي سيقانها وأرجلها، وهي جزءان: الأفخاذ، والمناشير أو المخالب (السيقان)، وهذا هو آخر ما نتواضع فنأكله. ثم نلجأ في النهاية إلى ما تبقى في الكيس مما يشبه الدقيق، وهو خليط من كل شيء في الجراد ويسمى (الدقوقة).

ومايزال الناس إلى اليوم يحتفلون بمجيء الجراد وصيده اذا أمكنهم ذلك، الا ان فرحتهم تتلاشى اذا تذكروا أنه قد رش بالسم الذي يقتله.

الهباب "الهباء":

أول ما لفت نظرنا اليه مسقط اشعاع يأتي نازلا من كوة في جدار صفة الجصة، وهي صفة مظلمة، فإذا دخلت الشمس من الكوة، وسقط نورها، وكأنه حبل اشعاع أنزل من عدسة مركزة. نرى فيه من الألوان ما يشبه قوس قزح في تعدد ألوان حبيبات الهباء فيه. ونحاول ان نمسكها بأيدينا دون فائدة، بل ان حركة أيدينا تزيدها حركة وتخرج ماهو منها في بؤرة الضوء إلى المحيط المظلم الذي حولها. ونحن ننظر إلى حباته تموج في الفضاء حوله، تسبح ما شاءت لها الصدفة يمينا أو يسارا، ولعل هواءا لا نشعر به هو الذي يتولى تحريكها، وتتكون منها أشكال وألوان نتخيل فيها ما يحلو لنا ان نتخيله، فهذا مطارد وذاك مطارد، وهذا يحاول أن يسبق آخر، وآخر يعلو، وبجانبه حبة هباء تهبط، وهذه حبة تطارد اخرى، ولا ندري إلى أي نتيجة انتهت المطاردة، فقد دخلتا في الظلمة، كما يدخل القمر في الغيم، وقد تعودان ولكننا لا ندري ان هاتين هما السابقتان، فلصغرهما لا نتبين المعالم، وأحيانا ونحن نشاهد الكر والفر ننام خاصة وقت القيلولة، ونكمل ما نراه حقيقة بما يحلو لنا حلما.

تتبع مظاهر الكون:

امر الهباب ليس هو الأمر الوحيد الذي يجذب أنظارنا، ولكن كل مظاهر الطبيعة من حولنا تغرينا بالتأمل والمتابعة، في حدود طاقة عقولنا، وإدراكنا لبواطن الأمور وظواهرها.

كان عندنا وقت لمتابعة مظاهر الطبيعة، بما فيها الضوء، والظلمة، والحيوانات، والطيور، والحشرات بأنواعها، خاصة ما يدب منها في البيت، أو في الشارع، أو في الحقل.

وكنا نقف عند أصوات الحيوانات نحاول ان نعرف ما فيها من لغة تعتمد على النبرة، وعلى تقطيع الصوت، وطول المقطع أو قصره، وكنا نخرج ببعض ما نعتقد أننا نجحنا فيه، حتى الأوهام والخيالات، والقصص الرمزية لها نصيب من تفكيرنا وتدبرنا، وما أكثر الأوهام في تلك الأيام والخرافات والخيالات يغذيها الجهل، وحب الغرابة في الأمور، والشغف بالغموض.

أما ابن اليوم فهو بعيد كل البعد عن مثل هذه الأمور التي تحتاج إلى أناة وطمأنينة، ووقفة تفكير وتدبر، وتبصر بما حوله، فهو ينتظر انتهاء مذاكرته، وهو على أحر من الجمر، ليجري تجاه الآلة الالكترونية، يلعب بها، وان أجاد هذا العمل بحث عن معلومات تفيده لم يتعب عليها، بل أخذها ممن تعب عليها مثله، وممن مرن عقله وطرق بحثه عليها، وابن اليوم يأكل الوجبة جاهزة وهو لا يدري كيف طبخت، ولا من أي مادة عملت.

ذلك زمن ولى، وهذا زمن أطل، ولكل زمان أهله يتأثرون به ويتأثر بهم، والشيء الواضح عند تدبر كل من الزمنين واهلهما، أن الزمن الماضي فيه مجال للثبات على العادات والتقاليد، بما في ذلك اللهو البريء، وما يشبه اللهو البريء، وطرق اللعب وأنواعه، فلايكاد زمن الجد وما فيه يختلف عن زمن الحفيد وما فيه. وباختصار فهناك سعادة في هضم الطفل للنشاط أو اللعبة، والغوص على مجالات اللذة والمتعة فيها، وتبقى اللعبة عند الابن أو الابنة سنين عديدة، يحافظان عليها كأنها من لحم ودم، وقد تنتقل من جيل إلى جيل في بعض الأحيان.

أما الشباب، اليوم، فمختلفون تماما، العادات تتغير، والتقاليد تتبدل بسرعة، أو تترك، وليس فيها الا متعة مؤقتة، ثم يأتي الملل، ويطرق الباب مخترع جديد، وتتلقفه الأيدي بلهفة سرعان ما تهدأ، ثم تتلاشى لتفسح المجال لما هو أحدث منها.

ابن الأمس لم يكن يحمل نقدا في جيبه، ولا يملك مالا، وابن اليوم محفظته لا تكاد تنقص النقود التي فيها الا في حدود طاقة ولي امره، هذا اذا لم يكن في جيبه بطاقة بنك او بطاقتان، وتربية ابن الأمس سهلة، لأن والده وجده ومن قبلهم مروا بما يمر به، فهم يعرفون جيدا مجرى الأمور في كل سن يصل اليه الابن. وكانت الزلات محدودة، وآثارها مثلها. أما ابن اليوم فان حرمته من رغبته تعقد، وسلك سبلا منحرفة للحصول على ما يريد، الا من رحم ربي، وان أعطيته حتى لا يذل من قبل زملائه، ولكي لا يشعر بنقص عنهم، ربما سلك طرقا غير مرحب بها، سهل أمر الدخول فيها وجود المال، وتوفره معه، ورخص المال عند صاحبه. وهذا خلاف ما كان عليه الأمر في الماضي تماما، الانحراف في زاوية الدرجة بين الجيلين حاد جدا.

والفتى في وقتنا الحاضر، وهو بهذا الانشغال، لا يقف ويتدبر، فأموره تجري بسرعة فائقة، فالعلم بأنواعه يأخذه من الفضائيات، معدا جاهزا، لا يجهد نفسه في العمل للوصول إلى النتائج، وما خلف الظواهر، هذه كلها تأتيه متكاملة، بمجرد لعب أصابعه بمفاتيح الآلة المعدة لهذا. وسرعة توالي أخبار التطور في حقل مالا تجعل هناك لذة للهضم والمتعة.

أما في زمننا الماضي فالأمر مختلف، هناك أناة، وهناك هضم فيه لذة، وبعض الأمور لا يصل الصغير فيها إلى كنهها الا بالاستقراء والتجربة. ولكل شيء حولنا من مظاهر الطبيعة وقته، فبعضها وقته الليل، وبعضها وقته النهار. والنهار كذلك مقسم إلى أوقات، والى أماكن، فما تتابع فيه التجربة في البيت غير ما يتابع ويستقرأ في الشارع أو في الحقل أو في البر، وفي كل هذا متعة ولذة يبقى طعمهما في الذاكرة إلى اليوم.

القيلولة والتدبر:

القيلولة تلعب في حياة الصغار دورا رئيسا، يفوق أي وقت آخر من الليل أو النهار، ففيها غياب الكبار عن الصغار، وعن مراقبة حركاتهم: افعل هذا ولا تفعل ذاك، هذا حرام، وهذا مضر، وهذا فيه أجر لأن فيه تضحية، وهذا فيه نفع لأن فيه خدمة للآخرين، والقيلولة حين تكون الشمس في أشد حرارتها، تلجئ الصغار إلى البقاء في البيت مجتمعين، أو في ظل احدى القبب، وفي التجمع فيهما البهجة وتدبير الخطط.

ولكن في القيلولة في الوقت نفسه وقت للهدوء والتأمل، ومتابعة ظواهر الطبيعة، وبعضها جذاب ومغر، وتلجأ الحشرات الطائرة في العادة إلى الظل والمكان المنعش بجوه البارد ومن هذه الحشرات:

الذبة (الزنبور):

وهي من الحشرات الطائرة التي تغري الصغار بمتابعة نشاطها، فهم يراقبونها وهي تبني عشها قطعة قطعة من الطين اللبّن، تبني قليلا بما أحضرته ثم تذهب وتأتي بقطعة أخرى مبللة تبني فوق ما بنته، والصغار ينتظرون إلى أن تعود، ولا يملون، لأنهم يضيفون إلى معلوماتهم معلومات، ويتعجبون من مقدرة هذه الحشرة على إتقان عملها، ومع أن احدا لم يعلمها، وإنما هي فطرتها التي زرعها الله فيها دلتها على هذا العمل المتقن، الذي فيه بقاء جنسها، وسعادتها.

والذبة تختار المكان الذي يصلح أساسا لبيتها، ثم تبدأ بناء البيت بطريقة هندسية لعلها أوحت للانسان ببعض أوعيته، وهي تضع البيت على جدار، أو على باب، ثم بعد ان يصل البيت إلى مستوى قررته تقفل أعلاه بما يشبه فم (القلة) (الشربه)، وقبل أن تقفله تضع فيه وريقات من الشجر، ثم تضع معها بيضها، وتقفل فم البيت، وبعد حين يخرج الصغار عندما يفقسون من البيض، ويطيرون، ويبدؤون حياة جديدة مثل حياة أمهم. هذا يعني ان بناء البيت هو لأجل البيض، أما الأم والأب فلا ندري أين يقيمان، ولو كان بحثنا وتدبرنا مبنيا على خطة (أكاديمية) لعرفنا ما لم نعرفه آنذاك.

على كل حال فاننا سرعان ما ننقلب من معجبين ومندهشين، إلى مخربين قساة قلوب، نعمد إلى هذا البيت بعد مدة فنكسره قبل أوان خروج الصغار منه، فنجدها بحالة مزرية مقززة، ومع هذا فلا نمل من مثل هذا العمل، فنكرره. والذبة أحيانا ومعها غيرها تبني في صف واحد عددا من البيوت، وعند خروج الصغار منه وكسرنا ما تبقى من البيت يصبح مكانه أبيض، نتيجة ما كان فيه من مواد، أو ما تكون مع أبنائها من مادة.

ويعجبنا صوتها وهي مقبلة، وهو مفيد لتنبيهنا لمجيئها، فنتبعها بأعيننا ذاهبة أو آيبة، ولا أدري هل الصوت مصدره فمها او أجنحتها. وقد يصعب علينا العبث ببيتها اذا كان مبنيا بعيدا عنا في خشب السقف، أو أعلى الحائط، ولكن (الجذمار) يسعفنا، وكأنه شريك لنا في كثير من أمور الأذى، فعن طريقه نصل إلى غرضنا السيىء، وبه نستطيع ان نخرب بيت هذه المسكينة بعد ان تعبت عليه، وبنته طينة طينة، وبعد ان تعرضت في طيرانها ووقوعها للطيور عدوتها اللدودة.

وللذبة قرصة مؤلمة لمن يحاول أن يمسك بها، ولعل فيها بعض السم الذي يحميها من أعدائها من الحشرات، ومثل الذبة الدبور، وهو لا يبني بيتا وانما يخرق بيته في أبواب الخشب الهش، والدبور أسود لا جمال فيه مثل الذبة، التي تأتي ملونة بلون أصفر يخطط جسمها، ولها خصر نحيل، أما الدبور فأقرب ما يكون جسمه إلى الكرة، وكنا نظن أنه زوج الذبة، ولكن تبين لنا بالاستقراء، وربما سمعناه من العارفين أنه من جنس مختلف.

كل هذا البناء والنشاط يحدث أيام الصيف، وقيلولتنا هي كذلك في وقت الصيف.

النمل:

ومن الحشرات التي كنا نتابعها بدقة وحدب، ولا نمل من ذلك، أنواع النمل، فمنه الذر الصغير، ونسميه في نجد (الذر)، ومنه النمل الكبير، وهو الذي نسميه (النمل)، فاذا قيل ان بيت فلان مليء بالنمل فنعرف ان المقصود النمل الكبير وليس الذر. ومن فصيلة النمل (القعر)، والذرة قرصتها لا تؤلم كثيرا، وهي مما يوجد داخل البيوت وخارجها، وهي تصل إلى أصغر حبة طعام تقع على الأرض.

أما النمل الكبير فقرصته أشد إيلاما، وهو يشبه الذر الا انه اكبر منه مرتين أو ثلاثا، وأهل البيوت يحاربونه اذا رأوه يحاول ان يستوطن البيت، والذر والنمل يظهران في النهار. والقعر يشبه النمل الكبير كثيرا، الا أنه يميل في جسمه إلى السواد، ويكثر ظهوره في الليل، ويبدو أنه يجنح إلى النور أبعد منه، ولهذا يضرب به المثل فيقال: فلان قعرة، أو فلان أعند من قعرة.

القعوسة:

وهناك القعوسة (جمع قعس)، وهو حشرة تشبه النملة الكبيرة في حجمها، الا ان القعس أسود، وذيله مرفوع إلى أعلى دائما، وعضته غير مؤلمة، ولهذا اذا أرادوا وصف ألم خفيف يقولون: (عض قعوسة)، وهو يظهر في النهار، والأغلب ان يكون خارج البيوت، أو في المزارع، وهو محبب للصغار، ويحلو لهم ان يعبثوا به وببيته الذي يحفره بطريقة هندسية متقنة في الأرض غير الرخوة، وعبثهم به يأتي من صبهم الماء عليه، فيخرج ما في البيت هربا منه، وتراه أحيانا ينقل بيضه.

وكانت هذه الحشرات الأرضية تأخذ وقتنا كثيرا، فنحن نراقبها مضطجعين على الأرض، بصبر وأناة، نرقبها آتية من بعيد تحمل قطعة من ورقة شجرة أكبر من حجمها، وكأنها جندي يحمل علم العرضة، أو علم الحرب، فيغلب علينا حب الأذى، ونأخذ الورقة، ونرقب الذرة، وهي تدور حول المكان الذي أخذت منها فيه، وهي محتارة أين ذهبت الورقة، وكيف اختفت، هل وقعت، أو أن ريحا أطاحت بها، وقد تدرك أن أحدا أخذها منها، ترى هل تحيط بجسم المخلوق الضخم الذي أخذ الورقة بعينيها الصغيرتين، وهو بالنسبة لها كالسحابة التي سدت الأفق، وإن أدركت فما مدى حنقها وتمنيها أنها بحجم الفيل حتى تقتص ممن أخذ منها كسبا تعبت عليه، تعبت في قطعه، وتعبت في نقله، وعوقها عن الهدف الذي كانت بصدد الذهاب إليه، وانجاز عمل كانت تنوي إتمامه، بنداء من الفطرة وبقاء النوع.

وحين نتتبع خط سير هذه الحشرات الأرضية الذي عرفناه عندما أقبلت معلنة عن نفسها بهذا العلم الذي لا يخفى على عين، ثم بعد ان نأخذ منها الورقة، ونرصد تصرفها وحيرتها، وتصميمها على العودة، والبدء من جديد، نسبقها ونضع الورقة أمامها، ونرقب هل ستأخذها فرحة جذلة وفيها حيرة وتساؤل: ما الذي طوّح بالورقة إلى هذا المكان البعيد، أم ستترك الورقة أنفة منها. وليس هناك أبدع من منظر مجموعة الذرّ تسير في صف منتظم، كل واحدة معها ورقة، فتبدو لك وكأنها صف من العسكر بلباس موحد، وعلم أخضر، يهتز فوق الرؤوس، أو قوارب في نهر رافعة أشرعتها.

ونحن نحذو حذو الجاحظ في الرغبة الشديدة في دراسة هذه الحشرات وحياتها، ومراقبة تصرفاتها، وعاداتها، وما تجيء به فطرتها من أمور تدهش المراقب. وكان الجاحظ يدرسها بعقل راجح ناضج، يعرف ما يبحث عنه، ويحسن تفسير ما يراه، لا تفوته صغيرة ولا كبيرة، عميق التدبر، حاد التبصر، يستفيد من التماثل والمقارنة، ويعرف المنتظم في عاداتها من المنقطع، تجاربه فيها لهدف، يصل اليه وهو لا يمل ولا يكل، ولا يستهين بأي حيوان، وقد استطاع بعد جهوده الموفقة ان يخلف كتابا من أثمن الكتب عن (الحيوان) حتى ليبدو وكأنه من العناية به لم يكتب غيره.

وهناك قصة عن الذرّ طريفة ومشوقة، فيها منطق ولها مغزى: قيل ان ذرّة أقبلت ورأت في طريقها قطعة صغيرة من السكر، فدارت حولها، واقتربت وعرفتها جيدا، ثم عادت مسرعة من حيث أتت، وكان هدفها أن تحضر معها ذرّات أخريات. وكان رجل يراقبها، وبمجرد أن أبعدت التقط حبة السكر، فلما عادت ومعها رفيقاتها لم يجدن الحبة، فعدن من حيث أتين، ثم عادت هذه الذرة وحدها وكان الرجل قد أعاد الحبة إلى مكانها، فدارت حولها مثلما عملت في المرة الأولى، وتأكدت من وجودها، ثم ذهبت وأحضرت زميلاتها، وأخذ الرجل للمرة الثانية حبة السكر، فلما لم يجدنها قتلنها، لانهن اعتقدن أنها كذبت عليهن في المرة الأولى والثانية، والكذب والعبث في دنيا الحيوان مرفوض.

وأنا أشك في صحة هذه القصة، والراجح عندي أنها قصة خيالية مبتدعة لم تحدث، ولكن فكرتها طريفة ربما طرأت على ذهن أديب، فصاغها بهذه الصورة التي توحي أنها معقولة في الظاهر، وقد ركب القاص على الذر ما هو من طبيعة الانسان العاقل، وما وضعه من أنظمة وقوانين وأعراف لحياته، ولم يفكر كذلك فيما هو من طبيعة الحيوان وسليقته وفطرته، مما أودعه الله فيه لبقاء نوعه مؤديا هدفه في هذه الحياة.

والشك يأتي من عدة نواح.

أولها: أن حبة السكر تكون في الغالب صغيرة، وإذا كانت كبيرة فيتوقع ان تأخذ منها في الرحلة الثانية قطعة تكون عينة لما وجدت، ودليلاً عليه.

ثانيها: أن حاسة الشم عند الذر قوية جدا، بحيث انه لا يسقط تمرة الا وتجد الذر قد تجمع عليها، ولا تدري من أين جاء هذا العدد الكبير من الذر، لنك لم تشاهده من قبل. وهذا يعني ان مكان حبة السكر لن يخلو من بقايا رائحتها.

ثالثها: إ"ن كان الذر يحمل عقلا مثل عقل الانسان كما صورته القصة، فلماذا لم يفترض أن ذرا آخر جاء وحمل حبة السكر، وأن من وقعت منه الأولى وقعت منه الثانية، وأن الذر الأول أخذ الثانية كما أخذ الأولى، أو جاء غيره وأخذها.

وقد شلت طرافة هذه القصة، مثل كل شيء خيالي، أفكار من سمعها او قرأها وحالت بينه وبين ان يفكر بعمق فيها، والحقيقة ان في قبول القصة لذة أكثر من لذة رفضها، وأنا اعتذر للقارئ اذا كنت افسدت عليه لذة هذه القصة الطريفة، ولكن الذر سوف يدعو لي لأني أبعدت عنه تهمة القتل الظالم، والذر لا ذنوب له، وهذا أقرب للقبول!!

الوزغ:

الوزغ واحدتها وزغة، وفي القصيم اسمه (بعرصي) وجمعه (بعارصى) وفي بعض بلدان نجد اسمه (ظاطور) وجمعه (ظواطير)، وهو من الحشرات التي لا تغيب عن نظرنا، وتأخذ حيزا مناسبا من تفكيرنا ونشاطنا وأذانا، والأذى من ابرز الجوانب التي تشغلنا، ونتفنن فيه حسب حالة الحيوان أو الحشرة، والوزغ نوعان:

نوع رقيق صغير يميل إلى اللون الوردي، جلده شفاف، تكاد ترى ما بداخل جسمه، يعيش في السقوف، سواء في البيوت، او في القبب في الشوارع، او في المعششات في الحقول، وأغلب خروجه في الليل، ولكنه يرى في النهار، ولا يستغرب، وخير طعامه الحشرات، وأفضلها الطائرة مثل الذباب، والناموس، والقبص (صغار الجراد) وأمثال ذلك. يمد، وهو يختلها، لسانه مسافة بعيدة، وفي رأس اللسان لزوجة اذا لامست الضحية لصقت فيها فيسترجع اللسان وفيه الصيد.

ويقال: إنه يأكل الطعام، ولم نره يأكله. ويحرص الناس على ان لا يتركوا الأكل مكشوفا دون غطاء، خوفا من (اللاحوس)، واللاحوس هو (البعرصي). ويعتقدون، إذا لم يجدوا غطاء كاملا، أن خوصة نخلة توضع على وجه الصحن تكفي لابعاده.

ويعتقد الناس ان الوزغ سام، وأن سمه ينفث في الأكل اذا أكل منه، أو ولغ في وعائه اذا كان سائلا، وكثرا ما يرجع الناس وجع البطون او الاستفراغ أو الاسهال إلى ان المصاب أكل أكلا ملحوسا. والوزغ مظلوم مثل ظلم الناس للعين، وارجاع الأمور الغامضة اليها، وظلم الأطباء للحساسية، وارجاء كل مرض لا تعرف أسبابه إليها.

وللوزغ صوت (قوقأة) يعرف بها، ولا أدري ما المقصود بها، هل هو مناداة واحد منها للآخر، أم هي إنذار بتوقع خطر، كنه الأشياء أحيانا، وعدم تنظيم الاستقراء عندنا. ونحن صغار لم يوصلنا إلى معرفة المقصود بهذا الصوت.

والوزغ يتسلق الجدران بسهولة وسرعة مدهشة، وأحيانا يمشى على السقف، وجسمه مقلوب، وظهره تجاه الأرض، وهذه القدرة جاءته من تهيئة الله له أقداما فيها مثل (الشفاطات) تلصقه في المكان الذي يقف عليه معتدلا أو منكسا.

والشائع عند الناس ان في قتله باليد أجرا، ولا أدري ان كان ورد في هذا شيء، ولكن قليل من الناس يقدم على مثله لما فيه من عدم النظافة، وربما بسبب ما عرف من تسميمه للطعام، ولكنه في الحقيقة مفيد للقضاء على الحشرات المؤذية للانسان، وقد يكون بعضها لا يرى.

وهناك نوع من الوزغ قبيح اللون، يميل إلى السواد يعيش في بيوت الخلاء، وهو محارب منا محاربة لا هوادة فيها، وهو أكبر من النوع الأول الوردي النظيف.

والوزغ يبيض عدة بيضات، ويهيئ لها مكانا بعيدا عن متناولنا في الغالب، ويضع بيضه لاصقا في الجدار أو الخشب، في كيس يشبه الغشاء، فإذا حان وقت تفقيسها خرج المولود، ويبقى أثر مكانها واضحا أبيض.

وكثيرا ما نخرب هذه البيوت غير نادمين لا نحن ولا من حولنا، فنرى السائل اللزج الذي لم ينضج بعد ليتكون منه وزغة جديدة، وللوزغ ذيل اذا قطعنا في احدى مطارداتنا له، فانه يبقى (يرعص) (يتحرك) وقتا غير قصير، ولعل ذلك للفقرات التي يتكون منها.

البغبغان:

وهو نوع من هذه الحشرات الزاحفة، وهو أكبر من البعرصي حجما، ويعيش في الخرابات، والمباني المهجورة في الحقول، وهو غير سار المنظر، وليس من النوع الذي نرتاح في النظر اليه، أو الذي نهتم بدراسة حياته، أو التمعن في حاله، أو تدبر تصرفاته.

@ ولد عام 1344هـ في مدينة عنيزة في القصيم في المملكة العربية السعودية.

@ جزء من دراسته الابتدائية بعنيزة وجزء منها والثانوية في مكة المكرمة.

@ حصل على الليسانس من دار العلوم في جامعة القاهرة عام 1371هـ.

@ حصل على الدكتوراة في التاريخ من جامعة لندن عام 1380هـ.

@ عين في العام نفسه امينا عاما لجامعة الملك سعود.

@ عين وكيلا للجامعة عام 1381هـ حتى عام 1391هـ

@ درس تاريخ المملكة العربية السعودية لطلاب كلية الاداب.

@ انتقل رئيسا لديوان المراقبة العامة لمدة عامين ثم وزيرا للصحة ثم وزيرا للمعارف.

@ عين في عام 1416هـ وزير دولة وعضوا في مجلس الوزراء.

مارس 13, 2006, 3 ص