وليد سامي أبو الخير

وليد سامي أبو الخير

"معليش يا أستاذ كلامك خطأ " أحمد الله أني لم أكن أنا قائل هذه العبارة وإنما كان صديقي أحمد هو من تفوه بها ، كنا في الثالثة عشرة من عمرنا ، أما الأستاذ المخاطب فأخاله في الأربعينات ، واعتراض صديقي ذاك كان ردا على زعم المدرس من أن الكبير سنا دائما ما يكون أعلم من الصغير وفي كل شيء ، شجب واستنكر كما هي عادة الكبار في عالمنا العربي أن يشجبوا ويستنكروا.

أما ما الذي جرى بعد ذلكم الشجب فهو الأمر الذي آلمني حقا ، حتى أنني غدوت في كل مرة أناقش فيها قول محاضر ما في دراستي الحالية للماجستير أتذكر ذلك الموقف وأتلكأ هنيهة ثم أقدم ، لقد ترك المعلم عرشه وتقدم إلى صديقي ببطء شديد ممهدا بتشمير ذراعيه حتى إذا ما حاذاه فرك أذنيه بشدة وراح يقول : يا ... لأنك صغير يجب أن تعلم جيدا أن الكبير هو صاحب الحق وهو الذي يستطيع إقناعك بحقه ذاك ولو بالقوة ، أفهمت ، أم أنك تحتاج إلى مزيد تفهيم ؟ زمّ شفتيه ومسح دموع عينيه ولم يفه بكلمة واحدة وإنما اكتفى بإشارة عمودية من رأسه تدل على فهمه القسري درءا للمفسدة المحققة ، لقد كانوا يزرعون فينا الخوف من العلم والخوف من السؤال عنه ، حتى في أعلى مراحل الطلب ، في الدراسات العليا نفاجأ بمن يدعي شغفه بالحوار يكون هو أول من يخسف بالعلامات خسفا ، لا لشيء سوى أنه ظن - ذو البضاعة المزجاة - أن الطالب الفلاني بنقاشه له لا يوقره ولا يحترمه إلى ما هنالك من قائمة طويلة تخفي بين طياتها حقيقة العنجهية والتعالي الذي مابرح أولئك العائلين المستكبرين ، ومع ذلك فقد كنا نحتقرهم في داخلنا ونعرف جيدا حقيقة ما هم عليه.

يتحطم قلبي حين أتذكر تلك السنوات التي قضيتها كطالب علم على مقاعد الدراسة ، فعلى الرغم من أنني كنت أنظر وأسمع بانتباه شديد إلا أني لم أكن أرى أو أسمع شيئا ، لقد كان العالم من حولي يملي علي رؤاه ولا يكاد يسمع مني رؤاي ، إنه محجوب عني وأنا محجوب عنه ، حتى إذا ما بدأت أفهمه على حقيقته كان العقل قد شاخ وكبر ، منذ صغري كنت أعتبر أي أمر يبعدني على حقيقتي معصية كبرى علي أن أتجنبها ، فأنا لدي قدري الخاص الذي خلقني الله له ولم يخلقه أحد لي ، ألم يقل المصطفى صلى الله عليه وسلم ممنهجا في أعظم أمر هو أمر الدين "استفت قلبك " لقد حال الكثيرون بيني وبين تطبيق ما أفتاه علي قلبي ، هل حلت أنا أيضا بين أحد وافتاءات قلبه ؟ أخشى أن أكون قد فعلت ، وعزائي أني لن أعود أبدا إلى تكرار تلك الفعلة الشنيعة مرة أخرى ، كثيرا ما أسأل نفسي هذا السؤال لأجدني وغصة تكاد تفتك بحلقي : كم من " ابن رشد وكانط وانشتاين وماركس والعقاد ... " قد قضي عليهم في مجتمعنا قبل أن يصلوا إلى سن المراهقة ؟

الأب يصرخ في وجه ابنه " توك طالع من البيضة " والأم تظل تسخر من ابنتها إذا ما قامت الأخيرة المسكينة تبدي رأيها ، والمدرس يكرر أكثر مما يشرح قوله " لا أريد أن أسمع صوتا أو نفسا " وجماعة الرفاق يتولاها الأكبر دائما ، حتى تلك التي تتدثر بلبوس التدين تتكاثر فيها عبارات التبجيل والتقديس " الشيخ ، العالم ، المسئول ، المربي" وفي الوظيفة يتسع الخرق على الراقع ، فكل رأي سوى الكلمة الأخيرة مآله إلى مكب النفايات ... ، والزوج يعتقد أن الله قد وهبه مع حق القوامة حق الوصاية على عقل المرأة فيفاخر بلؤم يقول: " أنتن ناقصات عقل ودين " ولا يدري المأفون أنهن قد سلبن عقله من حيث لا يدري !! .

" شئت أم أبيت ، المعلومة على قدر الحاجة ، هذا هو النظام ، ليس لديك خيار آخر" كم هي عدد المرات التي طرقت فيها آذانكم أشباه تلكم العبارات ؟ لعلها كانت من أقرب الناس إليكم ، أولئك الذين يدعون حبهم لكم ، وهم لا يشعرون أنهم يقيدونكم ويسجنونكم بحبهم الأعمى ذاك !! كم أحس بالخجل لأنني منعت نفسي جبناً فلم أجرؤ على القيام بما كانت تمليه على ذاتي في أحايين كثيرة ، حقا نادرا ما كنا نفتح أفواهنا للحديث ، إذ ما الذي يستطيع أن يقوله " الصغير" لذلك الأستاذ الكبير، لقد أشعرونا بأننا أقزام جدا ..

كثيرون هم الذين استسلموا لرغبات الآخرين ولمّا ينجحوا بعد وهيهات أن ينجحوا ، بيد أن الأكثر هم أولئك الذين على وشك الاستسلام إلا أن قوة ما تمنعهم ، إنها قوة الحب ، الحب للتجربة الشخصية واحترام الذات ، رحم الله الأستاذ القدير " هشام شرابي " إذ له مع حبه لذاته واحترامه لها قصة طويلة يقول فيها: أغلال خفية كبلت ذهني بدأت تتساقط ... ظلام سنين عديدة أخذ ينقشع ، تغيرت رؤيتي للأمور لا من حيث المضمون فقط بل أيضا من حيث طريقة الفهم والتحليل ، لقد أصبحت الحقيقة التي جمعنا حياتنا حولها رمادا لا جمر فيه .... إنني قد أغفر للذين أدين لهم بثقافتي جهلهم وغباءهم ، لكني لن أغفر لهم غطرستهم و القساوة المعنوية التي مارسوها في تثقيفي " وأنا على عهد الأستاذ شرابي " من القاطعين ، فو الله إن شخصا ظل يمارس فوقية عقلية على شخص آخر لهو قمين بالمحاسبة وانعدام المغفرة ، إذ وأد العقل يعني تحكم بمصائر حياة بأسرها ، أيها الحاكمون في الهواء دعوا الشباب ينعم بحريته ، دعوه يجرب فتفيده تجربته فيعرف أسباب خطئه ، دعوه يتكلم ويفصح عن رأيه ، دعوه يشكل ذاته كما كان يشكلها هي وقلعته الطينية إبّان طفولته الأولى ، دعوه ووفروا النصح لكم فهو كثير في التعاليم السماوية ، ولنا ولهم أن نستفت قلوبنا لا قلوب الآخرين ، فقط دعوهم أحرارا كما ارتضاهم الله جل في علاه.

waleed_99@hotmail.com

وليد سامي أبو الخير ديسمبر 18, 2005, 3 ص