سري القدوة

سري القدوة

في زيارته التاريخية والأولى لواشنطن أكد الرئيس محمود عباس أن الحل العادل هو أساس السلام وقال في البيت الأبيض: ان السلام هو الرسالة الفلسطينية التي يحملها الشعب الفلسطيني والتي يسعى لتحقيقها في ظل هذه الرؤية الفلسطينية والنهج الموضوعي في حين يتواصل الموقف الإسرائيلي من عملية السلام الرافض الاعتراف بالحقوق الفلسطينية بل يعمل شارون وحكومته على استمرار عزل القيادة الفلسطينية عن المجتمع الدولي بالرغم من سلسلة الزيارات الدبلوماسية النشطة التي حرص الرئيس عباس على تفعليها من أجل إيصال صوت ابن فلسطين المرابط الصامد على أرضه.. لقد كانت جملة المعطيات للسياسة الأمريكية بعد اللقاء التاريخي والقمة بين الرئيس عباس والرئيس بوش هي تعبير واضح عن الانحياز المطلق لإسرائيل بالرغم من التصريحات الأمريكية الإيجابية تجاه دعوة إسرائيل إلى الانسحاب الفوري إلى مناطق ما قبل الانتفاضة وكأن القضية الفلسطينية برمتها تتمثل في هذا الانسحاب أو أن القضية الفلسطينية ستحل بمجرد تنفيذ خطة شارون أحادية الجانب وهي الانسحاب من غزة.

إن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى الدعم المادي الأمريكي بالتأكيد وبمبلغ الخمسين مليون دولار والذي جاء كمساعدة أمريكية للشعب الفلسطيني لتنفيذ خطة الانسحاب من غزة وإقامة مشاريع للبنية التحتية في المناطق التي ستنسحب منها إسرائيل بالتأكيد هذه المساعدة يقدرها كل إنسان فلسطيني ولكن لم تكن بقدر من الأهمية إذا ما علمنا أولاً بأن الأسرة الواحدة من المستوطنين ستحصل على مساعدات وبالتأكيد أمريكية ما بين 400 ألف دولار إلى ثلاثة ملايين دولار وذلك لمساعدة حكومة الاحتلال لتنفيذ خطة الفصل عوضاً عن المبالغ التي أقرها الكونجرس والحكومة الأمريكية لمساعدة الجيش الإسرائيلي لتنفيذ خطة الانسحاب هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ان الخمسين مليون دولار لا تساوي ثمن طائرتين أباتشي أمريكية الصنع نفذت عمليات إعدام منظمة للفلسطينيين وهدم ورش ومصانع إنتاجية للمواطنين الفلسطينيين.. بل لا تساوي النصف في المائة من حجم الأضرار التي لحقت بالمجتمع الفلسطيني خلال حقبة الاحتلال التي استمرت لقطاع غزة أكثر من أربعين عاماً دفع خلالها أبناء الشعب الفلسطيني حياتهم وعاشوا في ظروف إنسانية معدومة. الكل يدرك أن حياة الفلسطيني في المخيمات هي حياة لا تصلح للمجتمع الآدمي حيث الفقر والحصار والظلم الذي وقع على هؤلاء الناس لا يمكن لأي مجتمع أن يتحمل العيش بمثل هذه الظروف وبالتأكيد أن يطالعنا الرئيس بوش بتقديم هذه المساعدة وكأن الشعب الفلسطيني شعب يتسول فهذا أمر يرفضه كل فلسطيني حيث إن هذا الشعب قضيته الأساسية هي الحرية والاستقلال وإقامة دولة فلسطينية وهذا ما يجب أن يدركه الرئيس بوش ومن ثم تقديم المساعدات الدولية والأمريكية منها لمساعدة المجتمع الفلسطيني على النمو والنهوض والتنمية والاستقرار بالمجتمعات والدول النامية.

ان المسؤولية الأمريكية في رعاية عملية السلام هي مسؤولية كبرى ولم تتعد ذلك كون أمريكا هي الدولة العظمى اليوم بل تعد أمريكا حليفا استراتيجيا لدولة إسرائيل في مختلف القرارات الدولية وهي حامية إسرائيل والمدافعة عن وجودها وبالتالي تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية المسؤولية الكاملة في حماية الشعب الفلسطيني ومساعدته على نيل حريته واستقلاله.

إن احترام الرئيس بوش لوعود أمريكية بضمان إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة اسرائيل يجب ان ينفذ الآن بدلا من الاستمرار في حقن الشعب الفلسطيني والمنطقة بالإبر المهدئة فهذه السياسة بحد ذاتها عميقة لا يمكن لها أن تحل الأزمة أو تضع حلولا لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي الذي ما زال مستمرا لأكثر من ستين عاما.

ان الولايات المتحدة اليوم وهي ترسم معالم المنطقة وفقا لتغييرات باتت سياسة واضحة ومعلومة للجميع مطالبة بإنصاف الشعب الفلسطيني فمنطقة الشرق الأوسط الجديدة التي تخضع لاتفاقيات سياكس بيكو متجدددة يجب على الولايات المتحدة التكفير عن أخطائها والعمل على حماية الشعب الفلسطيني وتقديم رؤية إيجابية للمستقبل ودعم الشعب الفلسطيني ومساعدته لنيل حقوقه السياسية غير منقوصة وضمان حق عودة اللاجئين إلى أراضيهم وممارسة السيادة المطلقة على الأراضي الفلسطيني التي يتم انسحاب إسرائيل منها وضمان إقامة دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود 1967 متصلة جغرافيا.

ان الولايات المتحدة تدرك أن رسالتها تجاه السلام في منطقة الشرق الأوسط تبدأ من إيجاد حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية ومن أهميته أن يكون هذا الحل ليس على حساب الشعب الفلسطيني الذي تفرضه إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني.

أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تقدم لإسرائيل أكثر من ملياري دولار سنوياً وتحت حجة التخوف من الكونجرس تم إيقاف صرف مبلغ 200 مليون دولار للفلسطينيين كمساعدات أقرها بوش سابقاً وهنا لا يمكن لأحد أن يتصور بأن حل القضية الفلسطينية يكمن في تقديم الدعم المالي للشعب الفلسطيني أو الوقوف لمساعدته مالياً بعيداً عن أي حل سياسي ولعل هنا تأكيد الرئيس بوش على إقامة دولة فلسطينية مترابطة جغرافياً ما بين غزة والضفة وتجاهل وضع القدس بفرض حل سياسي من وجهة نظر أمريكية منقوص إذا ما تمكنت الولايات المتحدة من الضغط على إسرائيل لدعم قيام الدولة الفلسطينية وتوفير مقومات صمودها ونموها اقتصادياً. وفي ظل ذلك طلب بوش خلال مؤتمره الصحفي الذي تابعه أبناء الشعب الفلسطيني بأن تكف إسرائيل عن توسيع الاستيطان في الضفة الغربية وكأن شارون سيتوقف فوراً عن توسيع وتسمين معاليه أدوميم.

إن الأزمة في العلاقات الأمريكية العربية باتت اليوم هي أزمة ثقة وأن أمريكا التي تتحكم في العالم وتسيطر على البشرية دون وجه حق باتت تتعامل ضمن سياسة عدم التوازن مستغلة شعارات زائفة مثل الديمقراطية والحرية للشعوب وهي بعيدة كل البعد عن الديمقراطية أو الحرية.

لقد انتهت زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس والتي انتظرناها طويلا معتقدين أنها ستنهي القطيعة للعلاقات التي فرضها شارون وخطط لها ضمن سلسلة من الأكاذيب والخداع والتزوير للحقائق إلا أن واشنطن عبرت وبكل وضوح عن دعمها المطلق لحليفها الأول والأخير شارون رافضة الضغط على إسرائيل لوقف الاستيطان أو دعم قيام الدولة الفلسطينية أو تقديم الدعم الكافي لمساعدة الشعب الفلسطيني الذي يعاني الفقر والضعف والتدمير جراء الاحتلال الإسرائيلي...

وتبقى الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع وهي بأن الشعب الفلسطيني قدم كل ما في وسعه لإقناع العالم بوجهه نظره وهي أن هذا الشعب اليوم يريد السلام العادل والشامل ويجب إنهاء الصراع فوراً حيث ألد أعدائنا هو الوقت فهل يدرك البيت الأبيض ذلك قبل فوات الأوان.

سري القدوة يونيو 3, 2005, 3 ص