انها جنازة أبيه

جلست مع طفلها تداعب وجناته، وتسقيه من رحيق الحب ما يروي به ظمأه، وبلمسة حب وعطف وحنان امسكت اليراع فأخذت تداعب به أنامل رقيقة وتطلب منه أن يرسم بيتاً وبعقلية الطفل الصغير استجاب لأمه الحنون الرؤوم فهو لا يستطيع أن يرفض لها طلباً. امسك اليراع وأخذت الأفكار تنساب بتلقائية وبعفوية رسم منزلاً كبيراً وأخذ يشرح لأمه الحبيبة محتوياته فاسترعى انتباه أمه ملحق في أقصى المنزل بعيداً جداً لم يخبرها عنه فسألته وما هذا يا طفلي الحبيب ذلك الملحق في أقصى المنزل أجابها وهو ينظر إليها باستغراب انه منزلك يا أماه حينما تكبرين أضعك فيه كما وضعت جدي فيه!! فما كان من الأم إلا أن نزل عليها هذا الكلام كالصاعقة فهو لم يدر بخلدها أنها ستكبر وأن أحداً من أبنائها سوف يعقها ويتخلى عنها في وقت تكون في أشد الحاجة إليهم، فذهبت إلى أجمل غرفة في المنزل وأصلحت من شأنها وجاءت بجد أبنائها الذي هو أبو زوجها ووضعته فيها وطلبت منه أن يسامحها على ما بدر منها من تقصير في حقه. أخرى طلبت من زوجها أن يذهب بأبيه بعيداً عن المنزل فهي بحاجة إلى تلك الغرفة التي يسكنها حاول الزوج بشتى الطرق أن يثنيها عن عزمها وعن قرارها ولكنها أصرت وخيرته بينها وبين أبيه. فذهب إلى أبيه وقال له: يا أبي أرى أن تجاور المسجد فهناك غرفة موجودة في المسجد وقد هيأتها لك لتكون قريباً من المسجد وجماعته حينما يحين موعد الصلاة، وافق الأب على الذهاب إلى حيث يريد ابنه قرة عينه ومهجة فؤاده فهو لا يستطيع أن يرفض له طلباً وقلبه يتفطر أسى وحسرة على ما آل إليه أمره ومن نكران ولده لحقه وعقوقه له والسبب زوجته. ذهب الوالد إلى تلك الغرفة وجلس فيها وحيداً تسبقه دموعه وآهات روحه ورفض كل ما يقدم إليه من قبل ولده من طعام وشراب فكان جماعة المسجد يأتون إليه ويطعمونه ويجلسون معه ويحادثونه. افتقد الحفيد جده فبحث عنه في كل مكان وسأل فلم يجد جواباً لسؤاله ( أين جدي.. أعيدوا لي جدي.. أريد جدي) وبكى الطفل وبكى وبكى ولكن لم يرحم أحد بكاء الطفل ذهب إلى المسجد فوجد جده يصلي هناك فارتمى في أحضانه وبلل ثيابه من دموعه وتعلق به وطلب منه أن يعود معه إلى البيت ولكنه رفض وقال يا بني هنا بيتي، توسل لجده مرات ومرات ولكن طلب الحفيد قوبل بالرفض فما كان من الطفل إلا أن ذهب إلى منزله وجاء بفراشه إلى غرفة جده بالمسجد ونام معه حاول الجد أن يثنيه عن عزمه ولكنه رفض.. افتقدت الأم ابنها فذهبت تبحث عنه فلم تجده فجن جنونها طلبت من أبيه أن يبحث عنه ولكنه فاجأها بقوله أنا أعرف أين هو.. أنه مع أبي في المسجد سألته وكيف تتركه هناك؟ قال لها: وماذا في ذاك مثلما طلبت مني أن أرمي أبي عوقبنا بأن تركنا ولدنا الآن وبعدما نكبر سوف يفعل بنا ابنك ما فعلنا بأبي!! صاحت بأعلى صوتها أريد ابني أريد أبني قال لها أنت الآن تبكين على ابنك ولكنك لم ترحمي دموعي وتوسلاتي حينما طلبت مني أن أرمي أبي خارج البيت سوف أذهب لآتي بهما جميعاً شئت أم أبيت سوف أعيد أبي إلى البيت.. ذهب إلى والده يمسح دموع الندم ويطلب منه أن يغفر له وأن يسامحه على ما بدر منه فلم يرعه الوالد انتباها ورفض أن يعود معه ولم يمض سوى يوم أو يومين إلا وجنازة يصلى عليها في المسجد واكتشف في النهاية أنها جنازة أبية. آخر بني بيتاً جميلاً له ولزوجته وأبنائه ولم ينس أمه وأباه حينما شارف البيت على الانتهاء ولم يبق سوى الأثاث اجتمعت زوجته مع نسوة في الحي الذي تسكنه فسألنها عن المنزل ومتى سوف يسكنون ومن سوف يسكن معها فيه قالت: سوف أسكن عن قريب ولكن هناك ما يكدر صفو حياتي؟!! سألنها؟ وما ذاك!! وأنت سوف تسكنين منزلاً جديداً وواسعاً وجميلاً ملك لك ولأبنائك وليس بالإيجار؟!! قالت ما يكدر صفو حياتي إلا هذه الكراتين الذين سوف تذهب معي!! قالت صديقاتها وما هذه الكراتين عموماً من الطبيعي جداً أن تضعي الكثير من الأثاث والأغراض الخاصة بك في كراتين حتى لا تتكسر أو تتلف وتضيع!!! قالت لم تفهموا قصدي! أقصد بالكراتين والدي زوجي فقد قرر زوجي أن يأتي بهما معي في المنزل فقد خصص لهما جناحاً في المنزل. ذهبت إحدى الجالسات بعد أن انفض المجلس وأخبرت زوجها بالأمر وقد كان صديقاً حميماً لزوج تلك المتكلمة ذهب وأخبر الزوج بما تكلمت به زوجته أمام الجميع فما كان من الزوج إلا أن طلب من زوجته أن تذهب إلى بيت أهلها فهو سوف ينقل الأثاث إلى البيت الجديد وطلب منها أن تمكث أسبوعاً هناك إلى أن يتم تجهيز المنزل وسوف يأتي ليأخذها. مضى أسبوعان ثلاثة أربعة والزوج لم يأت حاولت الاتصال عليه مراراً ولكنه لم يستجب ولم يكن يرد على اتصالاتها وفي صباح يوم من الأيام دق الباب فإذا برسالة بريدية تخصها فلما فتحتها أغمي عليها فلم تكن سوى ورقة طلاقها ومعها ورقة مكتوب فيها الكراتين سكنوا البيت الجديد ومعهم امرأة أخرى عوضاً عنك فمن لا يريد والدي لا يريدني فاستغنيت عنك كما استغنيت عني وعن والدي الآن لا حاجة لي بك والسلام. أحدهم كان غنياً جداً رمى والدته في المستشفى واوهمها بأنه سوف يعود إليها تركها ولم يعد إليها انتظرته طويلاً لكنه لم يعد أدركت أنه تركها حيث لا رجعة بعدها له وكلت أمرها لربها وانتظرت ماذا سيكون مصيرها رآها أحد الزائرين جالسة تبكي سألها عن حالها وعن سبب بكائها أخبرته بالأمر طلب منها أن تأتي معه فهو محتاج لأم وسوف يكون ابناً باراً بها رحبت زوجته بها أيما ترحيب واعتبرتها كأمها حيث لم يكن لها هي الأخرى أم مكثت عندهم ولم تشعر بالغربة بينهم بل أنها كانت تعامل معاملة لم يكن ابنها يعاملها بها كان ذلك الرجل فقيراً ومنذ أن دخلت تلك المرأة بينه احتواها بفضله وكرمه إلا وقد أكرمه الله ورزقه من حيث لا يحتسب فأصبح غنيا وميسوراً بعد فقر وفتح الله عليه ببركة تلك المرأة. أما ابنها فقد خسر كل أمواله وأصبح فقيراً معوزا يطلب اللقمة ولا يجدها هجرته زوجته وأولاده بعدما كانت السبب في طرده لأمه فهي لم تستحمل أن تعيش معه فهي قد تعودت على حياة الرفاهية وليس لديها الآن استعداد للعيش معه وهو فقير معدم فذهبت إلى بيت أهلها بعدما أيقنت أنه لا يملك من حطام الدنيا شيئا. هام على وجهه فقد صحا ضميره وتيقن بعدما فات الأوان وأن الذي أصابه لم يكن سوى عقوبة عاجلة من الله سبحانه بسبب رميه لوالدته وتخليه عنها في وقت هي أشد ما تكون الحاجة إليه مع أنها لم تكن تطلب منه شيئا غير المأكل والمشرب ومكان تأوي إليه ولن يكلفه ذلك شيئا فقد كان المنزل كبيراً يعج بالخدم والحشم ولكنه ضاق بوالدته فرماها وكأنها هي من سوف يضيق عليه فكان أن ضيق الله عليه وخسر كل تجارته فأصبح معدما فقيراً وذهب يبحث عن أمه لعلها تسامحه وترضى عنه فلما وجدها بعد جهد جهيد طلب من الرجل الذي اخذها واعتنى بها أن يعيد إليه أمه فهو بحاجة إليها ولكن ذلك الرجل امتنع عن ذلك وقال لو تعطيني كنوز الدنيا كلها لم ولن اتركها تخرج من بيتي هذه أمي ولن أتخلى عنها منذ أن دخلت بيتي والبركة حلت به، فقال الولد العاق وأنا منذ أن خرجت من بيتي محقت عنه البركة وحل بدلاً منها الهوان والخسران أما الأم فقد رفضت حتى أن تراه وقال ليس لدي ابن ابني مات منذ زمن طويل وقد عوضني الله بمن هو أفضل منه لا حاجة لي به والله يتولاه وذهب وهو لا يعلم أين سيذهب وكيف سيعيش والأهم من هذا وذاك أنه خسر بعقوقه لأمه كل شيء فرحماك ربي.

أمي أبي .. عندما أقولها أشعر بالدفء والأمان والحب والعطاء الذي لا مثيل له أمي أبي .. أي حرمان لهذا الذي لا يعرف كلمة أبي وأمي ولا ينطق بها .

أمي أبي .. تكاد تهتز الدنيا من حولي وأنا أقولها .. أمي أبي .. ما أكبر تلك الكلمة وما أثقلها ميزانا، أمي أبي كلمة أبت أن تخضع لوصف أو تنطوي على تصنيف أمي أبي... أيها المعنى الكبير والعطاء الكبير والحنان الكبير ماذا أكتب لكما ... أنسى كل الكلمات وأقف وأجد يدي ترتفع إلى رأسي ثم تنبسط وتسبقني إليكما، وترحل الأشياء من رأسي ولا تبقى إلا أمي وأبي ... ثم أنحني وأطبع قبلة على ايديكما الطاهرة ورأسيكما الطاهرين.

وأقرأ في صفحة وجهيكما الطلق أيام عمري .. يتبدد خوفي وتصير الدنيا في كفي. كيف الحياة بلا أمي وأبي؟ لكأن الله خلق العطاء وقال له كن رجلا وامرأة فكان أبي وأمي ثم قال للحنان كن معهما ولكأن الله خلق قلبين وملأهما نوراً وعطراً وجلالا ثم قال لهما كونا لاثنين فكانا لأبي وأمي .. كم يسحرني بيانكما يا والدي، وحلاوة لسانكما ونظافة قلبكما، وحنانكما الفياض يا لروعة بشاشتكما كيف أبركما وقد كان البر منكما ابتداء؟

كم أفخر بكما وأتشرف بكما أنتما علمتماني البر لأنكما كنتما بي بارين رحيمين، يرحمكما الله يا والدي كم حرمتكما النوم والراحة، وكم جاهدتما من أجلي ومن أجل أخوتي وكم تعبتما لنستريح وكم شقيتما لنسعد، وسعيتما بأسباب الدنيا لتطعمانا وتسقيانا وتكسوانا وتعلمانا، بقدر الله وحوله وقوته، ولا تمنون إذا أعطيتم ولا يكبر عطاؤكم في أعينكم، وهو سيل جارف ومعين لا ينضب، ونحن لا نذكر شيئا ولا نشكر لكم شيئا ما أشد جحودنا نحن الأبناء، وما أشد عطفكم وحنانكم علينا أنتم الآباء والأمهات، كم تأففنا منكم، وجهلنا مشاعركم، وكم نسينا فضلكم، عطاؤكم في صمت وحبكم في صمت وغفرانكم في صمت من هذا الذي ينهر أباه وأمه يا رب؟ من هذا الذي يهينهما ؟ أي شقي هذا الذي لا يعرف قدرهما؟ وهما العطاء ابتداء ومفاتيح الجنة انتهاء. من هذا الذي يرفع صوته أمامهما ؟ من هذا الذي يهمل رجاءهما؟ أنرى في دنيانا من يضرب أباه .. من يحبس أمه ؟ والله إن هو إلا شقي طرح عليه الشيطان عباءته وقال له اذهب أنا وأنت سواء .. أي عقل منك يا هذا أي دين ؟ لقد أمر الله بالإحسان إلى الوالدين حتى وإن كانا كافرين لعظم فضلهم على ابنائهم .

@@ جوهرة الصقر

سبتمبر 9, 2004, 3 ص