مفاهيم تربوية خاطئة

احتياجات سوق العمل مهارية وليست علمية

ضرورة أن تتواءم العملية التعليمية مع احتياج السوق وفي الاطار د.عيسى بن حسن الانصاري

اعداد

وجاءت الفكرة في ان اتصيد بعض المفاهيم التربوية الخاطئة سواء في المجتمع او لدى المتخصصين انفسهم وما قادني لاختيار هذا الموضوع هو تكرار المفاهيم الخاطئة بين اوساط التربويين انفسهم وفي منتديات ولقاءات متكررة احسب انها تزيد الامور تعقيدا وتجــعل توصيـــاتــها اكثر مثالية و صعبة التنفيذ لتكون الادراج والارفف مكانا لها.

وطالما من بين هذا الجمع المبارك نفر من التربويين فانني اطرح منهجا علميا لأسلوب هذه المحاضرة يتمثل في القائها ومن ثم التأمل في محتوياتها من قبلكم ومقارنتها بما تملكونه من مخزون معرفي لتتم عمليات التأمل عليها في مواقع عملكم الفعلية وتناقشونها مع اقرانكم لتظهر في اخر المطاف استنتاجاتكم لتكون هي الكسب الحقيقي من هذه المحاضرة وقد يكون لتطبيقاتها اثار حتى على غير التعليم العام. اما المنهج الذي سيتبع لهذه المحاضرة هو انني سأتناول كل مفهوم خاطىء وابين جوانب تناول الخطأ فيه ومن ثم سأخوض في مناقشته الى ان اصل من خلال هذه المناقشة الى المفهوم الصحيح الذي يعتبر اضافة هذه المحاضرة الى المستفيدين وتتم عمليات التأمل التي تطرقت لها آنفا. وانا ادرك تماما ان المفاهيم الخاطئة كثيرة لكني اخترت بعضا منها بما يتناسب مع وقت المحاضرة اما المفاهيم فهي كالتالي:

اولا: مناهجنا الدراسية نحو التغيير او التطوير:

اصبح موضوع المناهج الدراسية محموما على الساحة ليس المحلية او الخليجية فحسب بل على مستوى الوطن العربي لان هذا الموضوع اصبح هم من لاهم له من الكتاب في الصحافة وممتهني الظهور على الشاشات الفضائية حتى من غير المتخصصين في مجالات التربية والتعليم تناولوا مسألة المناهج وخاضوا فيها دون ادنى خبرة. ولكن هذا هو الحال اذ ما ان يطرأ موضوع حتى تتناوله الاقلام بكل شراهة وما ان يطرأ اخر حتى نترك الموضوع الاول ونوجه اقلامنا إليه دون ان ننتهي من الذي قبله وهكذا نظل ندور في حلقة مفرغة فاذا لم نتبن منهجية علمية في طرح القضايا على الساحة الاعلامية فلن نصل الى حلول عملية لمشاكلنا.

اعود الى الموضوع الرئيسي لاقول انني وقفت بالتحليل والاستنتاج على اكثر من ستين مقالة نشرت في الصحف والمجلات وما خرجت به يؤيد ما تطرقت اليه في الفقرة السابقة اضافة الى ان معظم المقالات التي تم تحليلها عن المناهج الدراسية بعيدة عن المنهجية السليمة بسبب بسيط وهو اقحام البعض لانفسهم في موضوعات لا صلة لهم بها انما جاءت من باب المشاركة في بناء مستقبل الاجيال وغيرها من الذرائع ولقد تجاوز بعضهم مطالبا بالتغيير دون فهم معمق لمعنى منظومة المناهج الدراسية ومن شواهد ذلك حديث الفقرات التالية:

الخلط الواضح بين مفهومي التغيير والتطوير اذ فهم البعض انه بمجرد التغيير يتم التطوير وهذا خطأ منهجي اذ ان التغيير يتعامل مع الحقائق في حين ان التطوير جزء من عملية التقويم الشاملة. ولقد فهم البعض ان المناهج قد تتغير او تتطور بمجرد حذف او اضافة احد اجزاء منها الى ان وقع بعض التربويين انفسهم في هذا الخطأ وخصصت مقالات ومساجلات عبر الصحف عن موضوعات تتعلق بحذف او اضافة موضوعات جديدة للكتب الدراسية على انها مع او ضد تغيير المناهج الدراسية ونسوا او تناسوا ان التغيير والتطوير قد يكون سلبيا وما تحدثوا عنه ماهو الا جزئية بسيطة من العملية الشاملة.

ان عملية تقويم وتطوير المناهج الدراسية منظومة تعليمية متكاملة تبدأ من السياسة العامة للتعليم من منطلق ماذا نريد من التعليم؟ وكيف نريد ابناءنا؟ وتنطلق من هذه السياسة الفلسفة العامة التي تهدف الى كيف سنعلم ابناءنا؟ وهل سيكون الطالب هو المحور الرئيسي للعملية التعليمية او المعلم؟ واذا تم تحديد مسار هذه الفلسفة تنطلق المناهج الدراسية على هذا الاساس لتبدأ عمليات رصد استراتيجيات التعليم والتعلم وعمليات القياس والتقويم.

والفلسفة التي تبنى عليها المناهج هي التي تتحكم وتحدد نوعية قياس اداء الطلاب وان كان المعلم هو محور العملية التعليمية فالاختبارات قد تكون هي الاداة الوحيدة لقياس مدى تحقيق الطلاب للاهداف السلوكية اما اذا كان الطالب هو محور العملية التعليمية فادوات القياس تصبح متعددة واكثر عصرنة من الاختبارات والتي باعتقادي لا فائدة منها ولم تعد تمثل الاداة الحقيقية لقياس مستوى الطالب اكثر من كونها اداة لقياس مدى حفظ الطالب لما استقبله من المعلم.

ومن عناصر عملية تطوير المناهج المعلمون انفسهم كونهم الاداة الحقيقية لتنفيذ هذه المناهج فكيف لنا ان نتصور مناهج دراسية عصرية تحاكي احدث النظم التعليمية بدون معلمين اكفاء يعملون على ترجمتها الى الواقع الفعلي داخل فصولهم وامام طلابهم.

ويمتد الامر الى البيئة المدرسية اذ كيف نؤهل معلمين اكفاء ونستمد مناهجنا من فلسفة عصرية مع غياب البيئة التعليمية من مبان وادارة مدرسية ولنا ان نتساءل هل بالامكان تنفيذ مناهج دراسية نوعية في فصول دراسية يكتظ بها الطلاب ولايجد المعلم متسعا من الوقت لايجاد بيئة تعيلمية وليست تدريسية من خلال الاكتفاء بوسيلة الالقاء داخل الفصل كسبا للوقت والتزاما بانهاء مقررات المنهج في الوقت المحدد.

ثانيا: التمسك بالاتجاهات التقليدية في صناعة المناهج الدراسية:

يهدف المنهج الدراسي التقليدي الى ارسال معلومات معينة بطرائق واساليب محددة كما انه يركز على الجانب المعرفي لدى المتعلم ويهمل الجوانب الاخرى كالجانب الوجداني والسلوكي والتي تلعب دورا هاما في تكوين شخصية المتعلم. ولقد كان التربويون على دراية تامة بانه سيطرأ شيء ما على المنهج التقليدي اذ من الصعب ان تصمد هذه المدرسة (مدرسة المنهج الدراسي التقليدي) مع دخول العالم بأكمله في عصر جديد يتسم بالثورات المعلوماتية والاختراعات العلمية فكان لابد من انكسار وانحسار هذه المدرسة التقليدية والتي يعتقد انها ادت دورا لا بأس به في حقبة زمنية محددة. ولعلي اقف على ابرز العوامل التي ساعدت على كسر الجمود حول المنهج الدراسي التقليدي وهي كالتالي:

1 ـ الثورة المعلوماتية والتطور التكنولوجي الهائل الذي عمل على تقليص دور المعلم على انه مرسل للمعلومات اذ لا يجد المتعلم صعوبة في الحصول على اية معلومات وباسهل الطرق.

2 ـ المعطيات الجديدة التي دخلت على المجتمعات وغيرت مفاهيمها تجاه التربية الى مفهوم التربية الحديثة او المعاصرة فلم يعد يؤمن احد بأن العلم هو مجرد تزويد المتعلم بمعلومات تعينه على تسيير اموره الحياتية.

3 ـ البحث العلمي والذي كشف عيوب وهزل المنهج الدراسي التقليدي وعدم مسايرته مع احتياجات العصر الحديث.

4 ـ نتائج الدراسات والبحوث التربوية على ان المعرفة كعنصر مستقل لا تساعد على تكوين شخصية المتعلم.

هذه العوامل وغيرها كانت بمثابة الضغوط التي كسرت جمود المنهج الدراسي التقليدي اذ كان لابد من ظهور مفهوم حديث للمناهج يتماشى مع معطيات القرن الجديد الذي اضحت فيه المعلومة في متناول العقل. من هنا اتفقت الدراسات التربوية على اهمية ظهور ما يطلق عليه التربية الحديثة والتي من احد عناصرها المنهج الدراسي بمفهومه الحديث والذي تتفق على تعريفه معظم الادبيات على انه مجموعة من الخبرات التربوية التي تتوافر للمتعلم سواء كان ذلك داخل المدرسة او خارجها بهدف النمو الشامل بكافة جوانبه سواء كان الديني المعرفي او الوجداني او النفسي او الجسمي او الاجتماعي نمو يؤدي الى التأثير على سلوكهم ايجابيا من اجل تحقيق الاهداف التربوية المرسومة. والمتابع يدرك مدى الفارق الكبير بين المنهج الدراسي بمفهومه التقليدي والحديث اذ لايعدو الفرق كونه في اللفظ فحسب بل انه تناول عناصر تمس شخصية المتعلم كالعنصر الوجداني والنفسي والاجتماعي وغيرها من العناصر التي ذكرناها.

والمنهج الدراسي بمفهومه الحديث يتسم بعدة مميزات يفتقدها المنهج الدراسي التقليدي اما هي فعلى النحو التالي:

1 ـ تضمينه معلومات وحقائق ذات دلالة ومعنى لدى المتعلم ومرتبطة ارتباطا مباشرا بالتراث الثقافي والبيئة المحيطة في الحاضر.

2 ـ مساعدة المتعلم في كيفية الحصول على المعلومة وتوظيفها التوظيف الذي يخدم اغراضه خاصة في هذا العصر الذي اضحى فيه الحصول على المعلومة سهلا جدا.

  1. المتعلم هو المحور الرئيسي في العملية التعليمية مع التغيير في دور المعلم من ملقن (مرسل للمعلومات) الى مدير يدير الفصل الدراسي ويوجه المتعلمين نحو تحقيق الاهداف المرسومة للمنهج.

  2. التأكيد على اهمية العمل الجماعي وفعاليته بين المتعلمين وتنمية روح الفريق الواحد لتحقيق اهداف مشتركة بل وتنمية مفهوم العمل الجماعي لدى المتعلمين حتى وان كان المتعلم يشعر بأنه ليس بامكانه تحقيق هدفه بمعزل عن الجماعة.

  3. يعطي المنهج الدراسي الحديث نوعا من الحرية للمعلم باختيار اساليب تفيد المناهج الدراسية وتطبيق اساليب حديثة كالتعليم التعاوني على سبيل المثال.

  4. تحقيق التناسق بين عناصر المنهج (الاهداف، المحتوى، طرق التدريس، الانشطة، اساليب وتقنيات التعليم والتقييم والتقويم).

ثالثا: التربويون بين جمود المنهج الدراسي التقليدي والمناهج الحديثة

الاتجاهات التقليدية في صناعة المناهج الدراسية

لايخلو مؤلف من المؤلفات التي تتحدث عن المنهاج التعليمي من التكرار اذ تجد معظم هذه المؤلفات يكرر نفس المدارس والنماذج وان كان بعض المؤلفين يستخدمون مصطلحات مغايرة ولكن يتغير الراقصون والموسيقى واحدة وسأسرد أهم سلبيات الاتجاهات التقليدية لصناعة المنهاج التعليمي لاعطي صورة واضحة عن الوضع الراهن في صناعته.

  1. ان نماذج صناعة المنهاج التعليمي التقليدية متقوقعة في التنظير وبعيده كل البعد عن الناحية العملية اذ يندر ان نجد كتابا يشرح وبطريقة عملية اساليب صناعة المنهاج التعليمي وقد يكون لاصحاب هذه النماذج او المدارس تبرير علمي في ذلك اذ الذي يكتب كتابة عملية عليه ان يكون على علم ودراية بالمجتمع الذي يكتب إليه لان لكل مجتمع خصائصه وثقافته الخاصة اما اصحاب النماذج فسعوا لان تكون نماذجهم ومدارسهم عالمية المنحى لذا اتخذوا من النظرية قاعدة لها.

  2. ما يمكن ملاحظته من نماذج صناعة المنهاج التعليمي التقليدي في انها اوضحت مصادر اشتقاق الاهداف السلوكية من الخبرات التربوية المتخصصة لكنها ابعدت من يقوم بتنفيذ هذا المنهاج الا وهو المعلم مع العلم بأن الاتجاهات الحديثة تطالب باشراك المعلم في صناعة المنهاج بدون تحديد.

  3. النماذج التقليدية في صناعة المنهاج التعليمي تأخذ الشكل الخطي بمعنى انها تبدأ بتحديد الاهداف العامة والتربوية وتنتهي بالتقويم وان كانت بعض النماذج اوصت بالتقويم المستمر ليدخل كعنصر بين العناصر الاخرى الا ان ذلك لم يضف الديناميكية المطلوبة لهذا العنصر على هذا النموذج.

  4. لم تحدد النماذج التقليدية آلية وضع المادة العلمية للمنهاج بيد ان العرف التربوي جرى على اشتقاق المادة العلمية من الاهداف السلوكية التي يضعها المختصون من ذوي الخبرات التربوية والتخصصية يتم العمل على تأليفها وطباعتها في شكل كتاب دراسي ينفق عليه الملايين ويصعب عليه التغيير الامر الذي جعل الثبات سمة من سمات هذه النماذج في عصر تلفه التغيرات من كل حدب وصوب.

ان النماذج التقليدية في صناعة المنهاج التعليمي قد تعطلت بسبب الثورة المعلوماتية والثورات العلمية المتلاحقة التي لم تعد هذه النماذج قادرة على ملاحقة نتائجها. هذه النماذج التي تقوم على التنظير اضحت كالسلحفاة في سباقها مع الارنب بسبب المتغيرات السريعة المتلاحقة اذا ما الحل؟ كيف نبني منهاجا تعليميا ديناميكيا يسمح بادخال التغيرات السريعة والمتلاحقة بأقل التكاليف؟ كيف نجعل المعلم باحثا يبحث عن حلول المشاكل والمعضلات ويقدم حلولها لطلابه؟ كيف نجعل المعلم يستطيع ان يلاحق كل ماهو جديد في مجال تخصصه وفي المجال التربوي؟ كيف نمنح المعلم الثقة في تنفيذ المنهج؟ هذه الاسئلة وغيرها سأحاول ان اجيب عنها من خلال الرؤية المعاصرة لصناعة المناهج الدراسية.

الرؤية المعاصرة لصناعة المناهج الدراسية

في السطور القادمة سأطرح رؤية معاصرة ذات طابع عملي بعيدا عن التنظير وحتى لايكون كلامي على سبيل التجريد سأتبع اسلوبا عمليا في الطرح. اذ يقوم المخططون التربويون بوضع الخطط الدراسية المستمدة من المنهاج الدراسي لكل مقرر دراسي مشتملة على العناصر التالية:

  1. الهدف العام والذي تسعى الأمة لتحقيقه من تعليم منهج ما.

  2. القدرات المستهدفة وهي عبارة عما يتوقعه المخططون من الطالب بعد دراسته لمنهج ما.

  3. المحتوى العلمي ويستمد عادة من القدرات وفي الخطة يأتي على شكل موضوعات يترجمها المعلم او المخطط الى مادة علمية وتعمل هذه الموضوعات بالطبع على تحقيق اكتساب هذه القدرات ولتصميم المحتوى العلمي اسلوبان هما:

الاول: يقوم المعلم باعداد مذكرة دراسية تغطي الموضوعات التي تضمنتها الخطة الدراسية لمقرر دراسي ما واعداد المذكرة من قبل المعلم من شأنه ان يعود عليه وعلى العملية التعليمية بالفوائد التالية:

أ. تساعد المعلم على الاتصال بمصادر المعلومات المختلفة والاطلاع على ماهو جديد في مجال تخصصه حتى يتمكن من اعداد مذكرة دراسية تغطي موضوعات الخطة الدراسية لمقرر دراسي ما ومن المعلوم ان ذلك يتوافق مع الاتجاه الحديث في تدريب وتطوير اداء المعلم الا وهو مفهوم التطوير والتدريب الذاتي الذي يعتمد على المعلم نفسه في تطوير نفسه ومن شأنه ان يعود المعلم على القراءة ليلاحق كل ماهو حديث وجديد في مجاله والذي بالتالي سينعكس على اداء التدريس في داخل الفصل وعلى ضوئه ينعكس ذلك على مستوى تحصيل الطلاب العلمي ويضمن لهم ايصال احدث المعلومات.

ب. تمنح المعلم الثقة في نفسه وتشجعه على الابداع في التدريس نظرا لانه وضع مادته بنفسه وهو حكم لها.

ج. تثري روح التنافس الشريف بين المعلمين اذ يحرص كل معلم على اظهار ملكاته في اعداد المادة العلمية ويأخذ من التفكير النقدي منهجا له بحيث يصبح هذا التفكير على رأس منظومة القيم التي تحركه مما يجعل عمليات معالجة المواقف التعليمية في داخل الفصل تنهض على اساس راسخ من البحث العلمي.

د. من الناحية التعليمية تبقى مسألة تغيير المادة العلمية بما يتناسب مع متطلبات العصر سهلة للغاية اذ ما على المختصين او حتى المعلم نفسه عند اضافة قدرة معينة وازاحة اخرى واجراء التعديلات على المذكرة المدرسية في داخل المدرسة والتي لايتطلب التعديل فيها الاجراءات التي يتطلبها الكتاب الدراسي ذو الحقوق المحفوظة بل انها تساعد المعلم على الاخذ بنتائج البحوث العلمية مما سيعطي المادة العلمية نتيجة علمية تضيف على المستوى التحصيلي للطلاب وبذلك ترتفع درجة تعليم المجتمع ومعدلات ثقافته وارتفاع وعيه الاجتماعي عندما يأخذ بنتائج البحث العلمي كما وكيفا.

هـ. ومن ناحية اقتصادية سيوفر مثل ذلك الاموال التي تصرف على تأليف الكتب الدراسية وطباعتها والاستغناء عنها بعد عام دراسي واحد علما بأنه اذا احدث تغيير في الكتب الدراسية يعني اجراء التغيير على كل اعداد الطبعة في حين ان التغيير في المذكرة الدراسية لايتطلب الا تغييرا في نفس المدرسة.

اما الاسلوب الثاني فبالامكان ان يكون كتابا حديثا مؤلفا يغطي الموضوعات في الخطة الدراسية وبالامكان تغيير هذه الكتب بما يتناسب ومتطلبات العملية التعليمية. وتحل هذه الكتب بدلا من المذكرات الدراسية وان كان اغلبية التربويين يميلون الى الكتب الدراسية وليس ذلك تقليلا من قيمة المذكرات الدراسية اذا ان هذه المذكرات اعدت بطريقة علمية لاتقل اهمية عن الكتاب الدراسي وعلى اية حال فبالامكان الجمع بين اسلوبين الكتاب الدراسي واعطاء المعلم المرونة في اختيار مواد اضافية على شكل مذكرات او غيرها.

ان مثل هذه الالية لصناعة المنهاج التعليمي قد تبدو خطوة جريئة ولكني هآنذا اضيف الى الادبيات رؤية جديدة علها تساهم في رفع المستوى التعليمي لطلاب المدارس بجميع مراحلها وتوقد روح المنافسة العلمية بين المعلمين وستثري معلوماتهم من خلال ارتيادهم المكتبات العامة والخاصة للبحث عما يغطي موضوعات الخطة واعداد المذكرات الدراسية.

  1. الوسائل التعليمية وهي العنصر الذي يعين المعلم على تنفيذ المناهج الدراسية وحبذا لو ارفقت الشرائح اهدافه مع الخطة الدراسية.

  2. طرق القياس ان كانت اختبارات تحريرية او شفهية (تقويم مستمر) وتوزيع الدرجات على الانشطة التعليمية في داخل الفصل.

  3. التقويم وهو ما اقترحه الا يكون العنصر الاخير في الخطة ولكن اوصي بأن يكون التقويم مستمرا لعناصر الخطة الدراسية طيلة فترة التنفيذ وهنا يأتي دور المشرف التربوي الذي يقوم بالتحقق من مدى التزام المعلم بالخطة وعناصرها سواء من خلال تغطية مذكرته الدراسية للموضوعات المدرجة في الخطة او استخدامه الوسائل التعليمية او طرق التقييم.

رابعا: هل نبني مناهجنا التعليمية على احتياجات سوق العمل؟

لكن السؤال هل نحن بالفعل مطالبون ببناء مناهجنا التعليمية على احتياجات سوق العمل؟ وقبل ان نسترسل في ذلك نرى انه لزاما علينا ان نضع تعريفا محددا للمناهج التعليمية واحتياجات سوق العمل وما يقودني لصياغة تعريفات محددة لكلا المفهومين هو الخلط السائد والمفاهيم المغلوطة التي تثار في بعض الندوات واللقاءات حول هذين المفهومين. واضرب مثلا بسيطا عايشته بنفسي اذ كنت احد المدعوين لحلقة نقاش عن المناهج التعليمية واذا بي ارى ان النقاش يدور حول المناهج بين المختصين كل حسب رؤيته بمعنى انني وجدت بعضهم يتحدث عن المناهج على انها الخطط الدراسية والبعض الاخر يتحدث عن احتياجات سوق العمل على انها التخصصات والبعض الآخر على انها الاحتياجات العددية من الخريجين وهكذا واجدهم متفقين على صلب الموضوع ولكن نتيجة لاختلاف الرؤى للمفاهيم مثار النقاش ظهر الاختلاف ونتيجة لذلك رأيت ان اضع تعريفا محددا لكلا المفهومين حتى تتم المناقشة على ضوء مفاهيم محددة. المناهج الدراسية هي تلك الوثيقة المتكاملة والمتضمنة جميع عناصر العملية التعليمية من خلفيات ادبية عن المعلمين والطلاب والبيئة التعليمية والاهداف العامة والسلوكية والمقررات الدراسية وتوصيفها وكذلك اساليب التقويم اما الخطط الدراسية فهي مجموعة المقررات الدراسية الموزعة على عدد من الفصول او السنوات الدراسية والخطط هي جزء لايتجزأ من المناهج الدراسية وان كانت هناك علاقة متينة بين الاثنين اذ عندما نشرع في احداث تغييرات على المناهج قد يطول هذا التغيير الخطط الدراسية والعكس قد يكون صحيحا.

وقبل ان اصيغ تعريفا لاحتياجات سوق العمل فسأطرح بعض الاسئلة عسى ان يجد المرددون لهذه العبارة اجابات عنها فعندما نتحدث عن الاحتياجات هل هي احتياجات سوق العمل الكمية او الكيفية؟ وان كانت الكمية فعلا هل هي احتياجات متعلقة باعداد الخريجين؟ او احتياجات متعلقة باعداد التخصصات؟ اما ان كانت احتياجات نوعية فهل هي بنوعية التخصصات؟ ام انها احتياجات متعلقة بتخصصات دقيقة؟ لانعلم ايضا ان كانت الاحتياجات متعلقة بالتعليم فوق الثانوي؟ او احتياجات من التعليم العام؟ كل هذه التساؤلات بحاجة الى اجوبة لكي يتسنى لمخططي المناهج وضعها في الاعتبار.

بل يجب ايضا ان نأخذ في الاعتبار ان سوق العمل قد يحدد احتياجاته على انها تخصصات ولكن بالتمحيص والتدقيق العلمي نجد ان ماحدده السوق هو مجرد مهارة او تركيز من تخصص في دراسة اعدها المحاضر عن احتياجات سوق العمل التخصصية في المنطقة الشرقية انبرت هذه الدراسة بأن معظم احتياجات السوق هي في الواقع مهارات تخصصية وليست تخصصات علمية فكل مؤسسة في سوق العمل تنظر الى احتياجاتها فقط دون النظر الى احتياجات المؤسسات الاخرى اضرب مثلا على ذلك لو ان مصنعا ما يتوقع من خريج قسم الهندسة الكهربائية ان يعمل على المحولات قد يرى رب العمل ان المحولات قد تكون تخصصا قائما بحد ذاته في حين يرى مخطط المناهج ان دراسة المحولات قد تلبى من خلال مقررات دراسية ضمن الخطة او حتى تركيز من ضمن التخصص العام.

اما في رأيي فانا اعتقد ان المقصود من احتياجات سوق العمل هو الاحتياجات العددية من الخريجين وكذلك الاحتياجات الكمية والنوعية من التخصصات للتعليم فوق الثانوي هذا هو تحديدي لهذا المفهوم على الاقل لاغراض هذه المحاضرة ومن يرد ان يضع تعريفا اخر لمفهوم احتياجات سوق العمل فعليه ان يجيب عن الاسئلة التي ذكرتها بعالية.

وفي نفس مسار وضع تعريفات محددة للمفاهيم فهناك ايضا قضية اخرى يجب الوقوف عندها وهي مسألة الاحتياجات والمتطلبات. يرى البعض ان ليس هناك فرق بين المصطلحين. اقول العكس.. هناك فرق جذري ورئيسي اذ ان الاحتياجات (wants or felt neds) هي مايشعر سوق العمل بانه يحتاجها او يريدها فالذي يطلق عليه احيانا احتياج سوق العمل ليس هو مايتطلبه (needs) هذا السوق بيد ان الاحتياجات هي جزء لايتجزأ من المتطلبات وهناك عناصر اخرى تحكم تحديد متطلبات سوق العمل فبالاضافة إلى احتياجات سوق العمل هناك احتياجات المؤسسات التعليمية واحتياجات الامة (الاهداف العامة) واحتياجات التوصيف الوظيفي المعتمد من الجهات المختصة، كل هذه الاحتياجات مجتمعة يطلق عليها متطلبات سوق العمل.

بعد تحديد معنى كل من الاحتياجات والمتطلبات من الصعب التصديق بضرورة بناء المناهج على احتياجات سوق العمل وهل بناء المناهج على هذه الاحتياجات سيحقق اهداف الامة والمؤسسات التعليمية وهل تلبية احتياجات سوق العمل هو الهدف الوحيد للعملية التعليمية؟ بالطبع (لا) اذ يجب ان نعي حقيقة هامة وهي ان بناء المناهج يجب ان يقوم على متطلبات سوق العمل والتي هي مجموعة احتياجات جهات مختلفة. ان الوصول الى متطلبات سوق العمل من خلال تحليل احتياجات هذا السوق واحتياجات الامة (الاهداف العامة) واحتياجات المؤسسة التعليمية والتوصيف الوظيفي عملية معقدة للغاية فان كانت احتياجات سوق العمل تتوافق مع احتياجات المؤسسة التعليمية والاحتياجات الاخرى فبالطبع هذا هو الهدف المنشود حيث انه بامكان المؤسسات التعليمية ان تلبي الاحتياجات اما من خلال التركيز او التخصص الدقيق ضمن الاطر المنهجية ولكن ماذا ان كان هناك تعارض بين احتياجات سوق العمل والمؤسسة التعليمية في هذه الحالة تبقى المؤسسة التعليمية على مناهجها وتلبي احتياجات سوق العمل خارج الاطر المنهجية من خلال المسافات التالية:

ـ التأهيل المهني Induction stage وهو الفترة التدريبية التي تعقب فترة التخرج وتبنى عادة على احتياجات الجهة الطالبة نعود الى مثالنا السابق حيث ان حاجة الشركة في ان يعمل الخريج على المحولات الكهربائية ففي حين ان الشركة ترى ذلك على انه تخصص الا ان المؤسسة التعليمية تراه على انه مهارة من ضمن تخصص الهندسة الكهربائية اذ يكفي ان يتدرب خريج الهندسة الكهربائية لفترة تأهيلية بعد تخرجه لمدة تعتمد على كمية الاحتياجات ليلتحق بعدها على الوظيفة ملبيا لاحتياجاتها بذلك يكون الخريج قد حقق اهداف المؤسسة التعليمية وفي نفس الوقت قام على تلبية احتياجات الجهة الطالبة للعمل.

ـ التعليم الثنائي Dual Iearning وهو نظام التبني التعليمي اذ تقوم الجهة الطالبة (شركة، مصنع) بتدريب عدد من الخريجين في تخصص معين يدرس فيه الطالب في اخر فصل دراسي او سنة دراسية مقررات تلبي احتياجات الجهة الطالبة ويتأتى ذلك من خلال مايلي:

  1. التدريب الميداني practical training: في ان يأخذ الطالب الجزء العملي من المقرر الدراسي في مقر الجهة الطالبة.

  2. التدريب التعاوني Cooperative training: في ان يقضي الطالب فترة التدريب التعاوني فصل دراسي واحد او اكثر في جهة العمل المستقبلية وتوجه الخطة التدريبية لاحتياجات الجهة الطالبة.

  3. التبني التعليمي Sponsor ship: في ان توجه اخر فصل او سنة دراسية من الخطة الدراسية لاحتياجات الجهات الطالبة.

اذا بالامكان ان نلخص القول بأن المناهج التعليمية لاتبنى على احتياجات سوق العمل انما على متطلبات السوق والشاملة لاحتياجات جميع الجهات المرتبطة سواء مؤسسات او الجهات التعليمية او الدولة حيث ان الدولة لها احتياجات معينة. واحتياجات سوق العمل هي جزء لايتجزأ من المتطلبات وتحليل هذه الاحتياجات والوصول بها الى المتطلبات عملية صعبة للغاية اذ يلزم فيها اتخاذ قرار تبنى عليها المناهج التعليمية وغالبا مايكون هناك عدم توافق بين احتياجات سوق العمل والمؤسسة التعليمية والتي بامكان المؤسسات التعليمية ان تتخذ من المسافات التعليمية التي ذكرتها مخرجا لذلك. ان بناء المناهج التعليمية يقوم على متطلبات سوق العمل وليس على احتياجاته وهذا من شأنه ان يعمل على تنظيم الرؤى لجميع الجهات المستفيدة من المناهج التعليمية.

خامسا: المقولة المؤامرة

احسب انني تطرقت الى هذا الموضوع لاكثر من مرة عبر هذه المحاضرة وما دعاني في حقيقة الامر ان اشدو حول هذا الموضوع هو تكرار المصطلحات المتداخلة على مسامعي والتي تتكرر بصورة مستمرة الا وهي مقولة (عدم توافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل) على انها احد المعوقات الرئيسية للمناهج الدراسية ان تكرار هذه المقولة اضطرني لان اوضح الضبابية التي تحوم حول اطلاق مثل هذه المقولة ولكن لكثرة تكرارها وغموض مضامينها لدى الكثيرين سواء من المتخصصين او من غيرهم كان السبب في ذلك.. وكنت ومازلت من اكبر معارضي اطلاق الاحكام العامة على عواهنها دون التمحيص في المضامين والاثار ولقد لمست ان هذه العبارة اصبحت هم من لاهم لهم اذ كل من يرغب التحدث او الكتابة عن التعلم او عمليات التوطين يذكر هذه المقولة على انها من اهم معوقات ذلك ولو سألت احدهم عما تعني هذه العبارة لما استطاع الاجابة عن ذلك في رأيي ان اطلاق مثل هذه العبارات من شأنه ان يقلل من جهود الاخرين نحن لاندعي عدم وجود معوقات ولكن معوقاتنا وقتية وستزول بمضاعفة الجهود التي تبذلها الجهات ذات الاختصاص.

وعندما اقف محللا عبارة (عدم توافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل) فانها تأخذ صفة العمومية في شكلها والغموض في مضمونها اذ كيف نحكم على مخرجات التعليم دون تخصيص. بمعنى ماذا نعني هنا بمخرجات التعليم هل المخرجات العددية؟ اي من حيث عدد الخريجين او المخرجات التخصصية؟ اي من حيث التخصصات.. او المخرجات المهارية؟ اي من حيث المهارات او المخرجات التخصصية؟ والمسألة لاتقف عند شمولية لفظ مخرجات ابدا فالغموض يكتنف الجزء الثاني منها اذ ماذا نعني بلفظ احتياجات سوق العمل واحسب ان الكثير من العامة وحتى من المهتمين يغفل المعنى الحقيقي لكلمة احتياج والفرق بينها وبين المتطلب اما الاحتياج Want فهو مايحتاجه ارباب العمل ولكن ليس بالضرورة ان يعبر عن متطلبات سوق العمل كون لفظ المتطلبات يعني احتياجات سوق العمل بالاضافة إلى احتياجات الدولة والاثنان مجتمعان يشكلان متطلبات سوق العمل والذي يفترض ان تبنى مناهجنا عليها ولعل المعادلة التالية توضح المقصود من ذلك (احتياجات سوق العمل + احتياجات الدولة + احتياجات الفرد = متطلبات سوق العمل).

اما الوجه الآخر من العملة المستخدمة في اطلاق هذه المقولة فهو كيف نحكم على مخرجات جامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية في بلادنا وهي التي ترقى بمخرجاتها الكثير من الدول الساعية للتقدم بل وكيف نفسر مشكلة توظيف مخرجات التعليم في بعض المؤسسات والتي تدعى مؤسسات سوق العمل بأنها مميزة. ان الامر لاينبغي ان يعالج بمجرد اطلاق الاقاويل على عواهنها. اما لماذا كانت هذه المقولة فباعتقادي ومن خلال ممارساتي ومشاهداتي الميدانية فان ما يحدث بالضبط هو ان الشاب عندما ينهي مرحلة الاعداد في احدى المؤسسات التعليمية يذهب بشهادته طالبا للعمل في احدى مؤسسات القطاع الخاص الذي يتوقع جاهزية الخريج للقيام بمتطلبات الوظيفة التي ستسند اليه. ولكن يفاجأ رب العمل عندما يكون الخريج غير قادر على ذلك.. لسبب بسيط هو ان المؤسسة التعليمية ليست مسؤولة بشكل كامل عن مرحلة التأهيل المهني وهي الفترة التي تعقب فترة التخرج وتبنى على احتياجات الوظيفة التي ستسند الى الشاب.. وبين المؤسسة التعليمية ومؤسسات سوق العمل وقف الخريج حائرا لتظهر علينا مقولة عدم توافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل. ولو تناولنا موضوعيا مرحلة التأهيل المهني لادركنا ان الدولة حققت دورا كبيرا في اعداد الشباب من خلال الجامعات والمعاهد وكلف ذلك الكثير في حين نجد في دول اخرى وحتى المتقدمة منها تشارك مؤسسات سوق العمل في مرحلة الاعداد بمعنى ان هذه المؤسسات تتحمل جزءا من مصاريف مرحلة الاعداد في الجامعات والكليات والمعاهد في حين ان الدولة لدينا ارتضت على نفسها ان تتحمل هذه المرحلة على كاهلها دون مشاركة من مؤسسات سوق العمل. ولكن ان نطالب الدولة بمرحلة التأهيل المهني والتي يتم فيها تهيئة الخريج على احتياجات مايسند اليه فهذا مطلب غير واقعي البته. فلا تحضرني أي دولة في العالم تتكفل بهذه المرحلة بل كما ذكرت ان هناك مشاركة بين مؤسسات سوق العمل والدولة في مرحلة الاعداد. والمتتبع يدرك تماما ان هذه المسألة تكاد تختفي في الدول المتقدمة او حتى الساعية للتقدم اذ تتكفل مؤسسات سوق العمل بمرحلة التأهيل المهني والتي عادة تكون قصيرة الى حد ما ومرتبطة باحتياجات الوظيفة.. اسباب غياب هذه المشكلة في الدول المتقدمة في ان مؤسسات سوق العمل في هذه الدول يبدو وكأنها هي المعاهد والكليات من كثرة مايدور في اروقتها من مناشط تدريبية.

سادسا: تعليم للطلاب أو مع الطلاب

لانريد تعليما للطلاب ولكن نريد تعليما مع الطلاب. معظم استراتيجيات التعليم والأسس التي تبنى عليها مناهج التعليم واساليب تنفيذها يتم اعدادها على اساس انها للطلاب وموجهة لهم وليست معهم بالرغم من دخولنا عصر الثورة المعلوماتية والمعرفة ولم يعد الطالب بحاجة الى هذه المعلومات والمعارف بقدر ما هو بحاجة الى من يشاركه في تعلمها. والملاحظ في معظم دول العالم المستهلكة ان المناهج تبنى على اساس احتياجات الامم ولا بأس في ذلك فهذا جزء من الأسس التي تبنى عليها ولكن ماذا عن احتياجات التقدم الذي يشهده العالم والاهم من ذلك كله ماذا عن احتياجات الطلاب انفسهم؟ ويدعي بعضهم ان معدي المناهج هم من يعملون على تحديد احتياجات العصر وكذلك الطلاب من المناهج لذا فلا ضرورة من تلمس احتياجات الطلاب من افواههم بل وربما يخطئ الطلاب في تحديد احتياجاتهم وبالتالي يعبرون عن احتياجات غير واقعية. نحن نقول قد يكون ذلك صحيحا ولكن هنا يأتي دور القائمين على المناهج في تحليل هذه الاحتياجات وكشف الفاصل بين ما يريد الطلاب وما يحتاجونه ومن ثم استنتاج المتطلبات منها والتي تبنى عليها المناهج. ان من التقليد السائد في اعداد المناهج في انها تصمم على أساس ان معديها هم الذين يعملون على تحديد احتياجات المتعلمين والتي تبنى عليها المناهج وعادة ما يتخذ من فلسفة المناهج القائمة على رأي التربويين او ما يطلق عليها Teacher - centered curriculum ومن ثم تتم ترجمة هذه الاحتياجات الى محتوى علمي موزع زمنيا على الفترة التدريسية من وجهة نظر معديها فقط دون غيرهم.

ويدعي معدو المناهج بالطرق التقليدية ان مناهجهم تعد من خلال تلمس احتياجات المجتمع وهذه الاحتياجات كما هو واضح تؤكد على اكساب البيئة التربوية القدرة على نقل الطالب من مرحلة عمرية وفكرية الى اخرى من مرحلة الطفولة الى المراهقة المبكرة ثم الى مرحلة الرجولة من اجل بناء اسرة كنواة لبناء المجتمع ولكن يتم ذلك في ظل تهميش شبه تام للمتعلمين انفسهم بكافة مراحلهم فلا تلبى احتياجاتهم لا من خلال المحتوى ولا طرق التنفيذ لذلك تكون عملية التعليم للطلاب وليست مع الطلاب اذ كيف يشارك الطلاب في محتويات قد لا تناسبهم ولاتلبي طموحاتهم بل قد تكون متناقضة مع ما يشاهدونه خارج المدارس وكنتيجة لهذا الاسلوب يفضل الطلاب قضاء اوقاتهم خارج اسوار مدارسهم ولو قفزنا خطوة الى المفهوم المضاد لطريقة اعداد المناهج القائمة على التربويين الى تلك القائمة على المتعلم Learner - centered curriculum فستظل المشكلة قائمة اذ سيتم تجاهل احتياجات التربويين في تصميم المناهج وستظل الفجوة قائمة بين قطبي عملية التعليم والتعلم فاذا اعددنا مناهجنا على احتياجات قطب دون الاخر ظهرت الفجوة لصالح طرف دون الأخر.. اذا ماهو الحل... اعتقد انه يكمن في اسلوب المشاركة في كافة مراحل عمليات التعليم والتعلم ولو على الاقل المشاركة في تنفيذ المناهج من خلال ترغيب الطالب بالمحتوى العلمي وبأسلوب مشوق خاصة ان لم تسنح الفرص بالمشاركة في المحتوى. ويتأتى ذلك من خلال الاسلوب التعاوني في تصميم المناهج Collaborative approach. نحن لانريد ان نعد جيلا اتكاليا Dependent ولانريد جيلا معتمدا على نفسه فقط independent ولكن نريد جيلا تعاونيا يتعلم ويعلم عن طريق تبادل الفكر مع الآخرين وتقبل أرائهم Interdependent Iearner نريد ان تكون مصادر التعلم متنوعة لماذا نقصرها على المدرسة او المجتمع المحلي فلنطلقها عالمية واحسب ان مثل ذلك يتطلب ان يكون الهدف من التعليم تعاونيا بين المعلم والمتعلم وليكن التعلم مع الطلاب وليس موجها للطلاب واذا اخذنا مثل هذه الفلسفة فستقودنا تلقائيا الى مفهوم التعليم التعاوني وليس التلقيني بل ولن يكون المعلم هو الملقن بل المشرف على عملية التعلم والذي يقوم بدور المراقب دون التدخل في تفاصيلها الا عند الحاجة لذلك. تحولات متعددة يشهدها العالم في مجال التعليم فلا يكاد يمر علينا يوم الا ونرى اثار هذه التحولات على مدارس الامم المنتجة في حين ان الامم المستهلكة لازالت تطلق حواراتها في قضايا لم يعد العالم المتقدم حتى يشعر بنتائجها. ومن ذلك ان السلطة التربوية لم تعد لدى الاسرة او حتى المدرسة بل اصبحت مسؤولية مشتركة خاصة في خضم التناقضات التي يشهدها الابناء بين ما يجري في داخل مدرسة وخارجها ولعل من اساليب تلبية احتياجات الطلاب من عمليات التعليم والتعلم اشراكهم في اتخاذ القرارات المدرسة سواء من خلال ضمهم في مجالس هذه المدارس او غيرها من الممارسات التربوية من اجل التعبير عن احتياجاتهم. ومن التحولات التي يشهدها العالم في مجال التعلم هو ذلك النقاش المفتوح بين المدرسين والطلاب والطلاب والاباء والاباء والمدرسين مع الطلاب، قنوات مفتوحة وساحات للتعبير الحر عن الاراء بعيدة عن الاداء السلطوي الذي يكون فيه رب الاسرة او المدرس هو المهيمن على كافة القرارات المتعلقة بالشباب انفسهم. اصوات الشباب بدأت تنطلق منها برامج تعليمية وتربوية سواء في اطار المنظمات الحكومية او غير الحكومية في العديد من مجتمعات الدول المنتجة. ولن تمر هذه التحولات والاتجاهات الحديثة دون افرازات قد يكون بعضها سلبيا ولعلي استعرض اهمها اذ افرزت هذه التحولات في بعض الدول المنتجة بعض التناقضات التعليمية والتربوية كالاختلاف على توزيع الادوار بين القائمين على عمليات التعليم والتعلم او تحديد سقف الحرية في داخل المدارس او الاختلاف الشديد احيانا بين ما يعبر عنه المتعلمون والشباب على انها احتياجاتهم وبين آراء التربويين على انها احتياجات عمليتي التعليم والتعلم وبالطبع فان مثل هذا الاختلاف يؤثر على الفلسفة العامة لاعداد المناهج الدراسية او اساليب تنفيذها في بعض الدول المنتجة ولقد كانت احد الحلول الناجعة لتقريب ووجهات النظر بين قطبي عملية التعليم والتعلم وتجسير فجوة هذا الاختلاف هو اشراك الطلاب انفسهم في عمليات تحديد وتحليل واستنتاج المتطلبات النهائية لبناء المناهج. ولقد نجحت العديد من الدول في تبني مثل هذه الفلسفة. لذلك نرى ابناءها وطلابها يقبلون على المدارس برغبة جامحة كونهم شاركوا في بناء مناهجها وآليات تنفيذها بل ومن شدة مشاركتهم في ذلك اصبحوا يعتبرون نجاح العملية التعليمية من نجاحهم فلذلك يحرصون على استيعاب اهدافها. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما الدروس المستفادة من تطبيقات هذه المحاضرة على المناهج الدراسية في الدول المستهلكة؟ ان الامر بالطبع بحاجة الى تغير فلسفة المناهج القائمة واساليب اعدادها وطرائق تنفيذها. وقد يكون الحديث عن ذلك في احد مقالات هذه السلسلة. ولعلنا نقف في نهاية المطاف على الهدف الاول من العملية التعليمية والتعلمية بل ولماذا نواكب متغيرات العصر الحديث وتبذل الجهود المضينة لتطوير المناهج وايضا يتم التركيز علىالاهتمام بالمعلم واعطائه ادوارا جديدة تتناسب مع ما يسود المجال التربوي من متغيرات. كل ذلك وغيره من الجهود يتم بذلها للحصول على منتج طلابي يمتلك القدرات التالية..

1ـ قدرات أساسية: الالمام باللغة الانجليزية والحاسب الآلي.

2ـ قدرات الاتصال: الالمام بمهارتي الاستماع والتحدث.

3ـ قدرات فكرية: مهارات حل المشاكل ـ التفكير الابداعي والنقدي.

4ـ قدرات تطويرية: الثقة بالنفس ـ الدافعية والقدرة على رسم الاهداف ـ التخطيط للمستقبل الوظيفي ـ القدرة على العمل في اطار الجماعة ـ القدرة على التفاوض.

5ـ قدرات مؤثرة: فهم هيكلة التعليم ـ المشاركة في القيادة.

اعداد إبريل 6, 2004, 3 ص