د. محمد حامد الغامدي

د. محمد حامد الغامدي

@ الأحساء أرض مشهورة...

ويكفي أن واحتها الأكبر عالميا.

الأحساء مدن وقرى وهجر.

أهلها حضر وريف وبادية.

الأحساء حضارة علم وتاريخ وثقافة عربية أصيلة.

أهلها قامات مؤثرة وفاعلة ومنتجة.

@ لها إنسان شكل عجينها، ورسم خطوط استمرار وجودها وشهرتها.

@ هذه الأرض الحية نتاج إنسان ارتبط بها عبر القرون.

شكل وغرس فيها روافد الاستمرار له ولها.

@ اصبحت لهذه البلاد شخصية لها ملامح خاصة.

اصبحت لها لهجة وسحنة ولون وهيئة مميزة.

اصبحت لها هوية، وبالتالي لها تراث مهاري، ولها ثقافة تراثية، ولها تاريخ يصنفها ويعطيها مدلولا وطعما خاصا.

@ الأحساء أرض خير وبركة عبر التاريخ كله.

لها موقع ينير حتى لنجوم السماء البعيدة.

يقصده الناس للتعارف وللمنافع.

موقع يعطي ويأخذ، يشارك ويتعاون.

@ الأحساء... المياه والنخيل.

يمكن تعريفها ورسمها والنشيد بها ولها.

لها أهازيج، لها أفراح و أتراح، لها ماض وحاضر ومستقبل.

ولها في التاريخ موقع.

@ ولكن ما أدوات ربط الأحساء بالآخرين؟

ما الشواهد التي تحدد معالمها؟

@ تميزت الأحساء بوجود الإنسان القوي، الباذل للجهد، المثابر في العمل.

هنا يكمن سر استمرار هذا الاسم حتى اليوم.

@ هذا الانسان الذي يرى في المهنة شرفا وكرامة، وقوتا يشد ويقوي ويبني.

ويرى في مهنه (برا) بها يزيد من مكانتها

ويحقق له كانسان نجاح الاستمرار على أديمها.

تضمن له العزة والكرامة، من خلال عطائها الذي لا ينضب.

@ هل تعلمون أن الأحساء هي الوحيدة في العالم، التي تقاس المساحة فيها، بجهد رجالها، وليس بوحدات القياس الأخرى المعروفة عالميا؟

@ نعم، اصبح "جهد" فلاحها مقياسا لحساب المساحة.

فكلنا نعرف أن مساحة الأرض تقاس بالمتر المربع، إلا في الأحساء، وهي استثناء.

فهي تستخدم (السخين) لقياس المساحة.

فهم يقولون مساحة الأرض 15 سخينا أو 8 سخاخين

وهكذا..

@ وعندما سألت عن السخين هذا في أحد بحوثي

في واحتها الشهيرة.

اتضح لي أن السخين هو (جهد فلاح) احسائي، يعمل في عزق الأرض بالسخين، لمدة يوم كامل متعارف عليه.

@ ثم عرفت أن السخين هو (المسحاة).

@ لقد اصبح معروفا لديهم مقدار المساحة، التي يمكن لهذا الفلاح المحلي إنجازها بهذا السخين خلال يوم كامل من العمل.

@ هذه هي الأحساء الإنسان والجهد.

أتقن أهلها أكثر من 80 حرفة.

كانوا ينسجون حتى ملابسهم.

أغلب أهلها حرفيون مهرة.

@ عندما التحقت بالجامعة قبل اكثر من 20 عاما، كانت كل الأعمال في الجامعة يحتلها أبناء الأحساء.

فني الكهرباء، والتلفونات، والتكييف، والنجار، والسباك، وحتى المزارع في الحدائق، والميكانيكي في ورش السيارات، وحتى البنشري، والبناء، والمليس، والمبلط، وحتى الطباخ.

@ اليوم كل هذه الأعمال تحتلها عمالة وافدة.

@ الإنسان في الأحساء كان شعاره العمل، ولا تعيبه مهنته وعمله، ولكن العيب أن يظل عاطلا

بدون مهنة.

@ وفيها كانت المهن تخصصية، وهذا لزيادة فاعليتها وقوتها وجودتها وضمان استمرارها بالوراثة، حيث الخبرة تصبح تراكمية تنتقل من جيل إلى آخر.

@ كان لتلك المهن بيوت معروفة ومشهورة.

@ الأحساء اليوم فقدت ذلك الإنسان المهني

الذي شيدها تاريخا وموروثا ومهارة.

@ الأحساء اليوم فقدت ذلك الإنسان المهني المرتبط بالأرض، الذي غذاها بخبرته ومعلوماته ونشاطه وعرق جبينه وجهده.

@ لم يعد هناك تفاعل بين الأرض كبيئة وبين الإنسان

الذي يدير هذه البيئة وينميها ويحافظ عليها من خلال المهن.

@ تآكل الإنسان وتآكلت البيئة معه.

@ أصبحت تعاني هذه الأحساء كموروث وتراث وثقافة، بريق ينكمش يوما بعد آخر.

@ اترك الكثير لمن يريد أن يبحر في هذا المجال، باحثين عن خصائص ارض تحتضن رفات الأجداد، علهم يتلمسون أوجاعها ومشاكلها واحتياجاتها.

ومن جهتي أقول: أين مشروع حجز الرمال؟ وقد درست عنه في أمريكا، كأحد المشاريع العملاقة على مستوى العالم.

لم أعرفه هنا.

هذا المشروع الذي سجل للأحساء، وجودا فريدا في مكافحة التصحر على مستوى العالم.

@ استبدل الاسم باسم جديد، لا يعطي أي مدلول للتحدي والإنجاز.

"المنتزه الوطني" هذا هو الاسم الجديد.

اسم قتل ودمر مدلول المشروع، الذي تحدث عنه العالم في الأحساء.

@ أين التراث المهاري؟

أين أسواقه، وأين رجاله، وأين منابعه؟

هل تم تجفيفها من خلال القضاء على الأسواق الشعبية، التي أصبحت عند البعض رمزا للتخلف؟

أم أن العمالة الوافدة هي التي دمرت بيوت المهن التراثية المشهورة؟

@ أين أسواق المشلح الاحسائي الشهير؟

تاهت عوائل كانت تجيد حبكه.

كان المشلح يمر على اكثر من عشر عوائل، ليتم إنجازه. كل عائلة لها نصيب من الإنجاز.

لكل عائلة لمسة في جسم هذا المشلح، ليكون لباسا عربيا بشموخ وكبرياء الأرض العربية نفسها.

ولكن فيه أيضا قوت هذه العوائل الماهرة في العطاء أيضا.

@ أين سوق التمر، الذي كانت وفود البلاد الأخرى تفد إليه؟

كان يستحق أن يكون سوقا وطنيا قويا، يضع معايير لجودة تمر واحتها الشهيرة.

وعن طريقه يباع ويوزع بصورة علمية وحضارية، معتمدا على خبرات تراكمية عبر السنين لأهل الأحساء.

@ أين سوق الخميس الشهير؟

اصبح في أيدي العمالة الوافدة.

تم انتزاعه من مكانه التاريخي ورميه في أطراف المدينة، كبقية الأدوات الموروثة، التي أصبحت غير مناسبة لقصورنا وعمائرنا.

@ أين سوق الخضرة التاريخي؟

حتى هو الآخر تم انتزاعه من موقعه، ونقله إلى أطراف البلاد.

وكأن الأحساء لا يعوزها إلا هذا السوق ليتم تداوله من موقع لآخر.

لماذا تدمير تلك الرموز القديمة، بانتزاعها من مواقعها المشهورة والمعروفة؟

@ أين القيصرية؟

السوق الذي شيد رجالا لهم قيمة وشأن، وحافظ على موروث مغروس في النفوس تتوارثه الأجيال.

فيه عبق الماضي، ببضاعته ومكانه وبنائه وملامح ملاكه.

@ تم توزيع قاطنيه على أسواق أخرى، وتراهم يحتضرون، فاتحي الأفواه من هول الصدمات التي يتعرضون لها، بفعل محلات (أبو عشرة) التي تملكها العمالة الوافدة، المنافسة لهم حتى في الهواء الذي يستنشقون.

رجال اصبحوا كالقلاع التي تتهدم أمام أعيننا، في صمت رهيب.

@ وحتى الموروث يهان ويمتهن بفعل الفاعلين.

غرس واستعمال الموروث في غير موضعه، هو إهانة عظيمة له ولأهله.

@ فهل يعقل أن يتم تشييد بئر تراثية وملحقاتها، في أحد الميادين الكبيرة بالهفوف، بين سيارات فخمة وعقل ميالة؟

ثم يتم إحضار حمار ينزح الماء من البئر، أمام أعين العابرين، في هيئة غير حضارية، لا للحمار ولا للبئر ولا حتى للرجل، الذي يسقي شيئا وهميا لا نراه.

@ شيء عجيب..

حتى هذه البئر التراثية أصبحت مسجونة، بسياج من الشباك الحديدية، كخير شاهد على ما أقول، وفي اكثر الميادين حركة وزحاما.

اصبح منظرا نشازا، ليس له أي مدلول سوى إهانة التراث والموروث.

@ الإنسان بقواه هو الإنسان في كل زمان ومكان.

ولكن المهن هي التي تتغير، وفقا لمتطلبات الأزمنة المختلفة.

@ لا ابكي على الأطلال، ولكن أتساءل لماذا لا توظف إمكانيات

أهالي الأحساء المهنية، لغرس مهن وحرف عصرية تقود نحو الآفاق المنظورة؟

@ في هذا الزمن، المهن مهارات يجب تعليمها للناس.

@ إنها الأحساء تبحث عن رجال لهم فكر وهدف وفلسفة،

يحفظون لها هويتها.

يقودونها كتاريخ وموروث نحو التقدم والتطور دون تخريب للهوية.

التاريخ عربة قيادة المستقبل.

@ تدمير روح التراث المهاري تدمير للقيم والأصالة والانتماء.

من يعيد للعوائل الفقيرة في الأحساء غناها المهاري؟

أم أنها عوائل أصبح الفقر مهنة لها، وتراثا تتوارثه أجيالها؟

د. محمد حامد الغامدي مارس 18, 2004, 3 ص