د. عبدالمطلب السح لـ "اليوم":

أطفالنا يصرخون.. هذا ما جناه أبي علي

صدر قبل فترة قريبة عن مجلس الوزراء قرار سام يتعلق بالفحص الطبي قبل الزواج، وككل قرارات المجلس فانه يحمل هما من هموم الامة وبنفس الوقت يضع الحل لقضية خدمة المجتمع وابنائه الذين تضع الحكومة نصب اعينها اولا واخيرا خدمتهم وصحتهم بالشكل الذي يحبه الله ويرضاه.

القرار يختص اذا بقضية اجراء الفحص الطبي قبل الزواج، والزواج هو الاساس الذي ارتضاه رب العباد لتبنى عليه الاسرة التي تشكل الاساس في البنيان الاجتماعي، وقد اولى الاسلام الزواج والاسرة كل عناية ورعاية بالشكل الامثل الذي لا يوصل الا الى السعادة في الدارين باذن الله.

لقد كثر في الآونة الاخيرة الحديث عن الوراثة وحيثياتها والقضايا المتعلقة بها، وبطبيعة الحال لا يمكن الحديث عن الزواج بدون التطرق للوراثة، ولا يمكن الخوض بالوراثة دون الولوج بتفاصيل الزواج وعلى هذا حملت صحيفة "اليوم" مافي الجعبة من الاستفسارات التي تدور بذهن الكثيرين من ابناء هذا الوطن المعطاء وضيوفه الكرام وتوجهنا بها الى الدكتور عبدالمطلب بن احمد السح الباحث الرئيسي ومدير مركز الحمادي للابحاث في مستشفى الحمادي، وعضو الجمعية الوراثية الامريكية وعضو الجمعية الاوروبية للوراثة السريرية فكان لنا معه اللقاء التالي:القرار

@ بداية ما تعليقكم على قرار مجلس الوزراء بخصوص الفحص الطبي قبل الزواج؟

ـ لن اجاملك فأمدح بلا معطيات، ولكن اقول لك ان الزواج هو رباط مبارك نظم به الله تعالى العلاقات الجنسية.

وجعل نتيجته بناء الاسرة وانجاب الذرية المباركة باذنه وكل مامن شأنه ان يحترم هذا الزواج لناحية قوته وثباته واستمراريته ونتائجه ومحصوله هو امر مبارك باذن الله ويستحق كل التقدير والاحترام، والفحص المذكور لا يأتي من باب الرفاهية والكماليات بل هو من الامور الملحة التي علينا الاقدام عليها بلا خوف لا بل على العكس نقبل عليها برغبة وكلنا امل بنتائجه وبالحلول المبكرة التي نستطيع الحصول عليها من ورا ذلك.

ضرورة ملحة

@ ما المقصود بالضبط بهذا الفحص؟

ـ يجري الفحص قبل الزواج لغايات عديدة، ويهدف لوضع حلول القضايا قد تختلف من مجتمع لاخر، وحسب الدراسة وواقع الحال في المملكة العربية السعودية فانه قد تبين ضرورة اجراء ما يناسب هذه الديار.

يقسم الفحص قبل الزواج عموما عادة لشقين: الاول السريري ويشتمل على القصة السريرية التي يسمعها الطبيب من شريكي المستقبل ويدونها، وكذلك الفحص السريري الذي قد يلزم اجراؤه لكلا الطرفين، اما القسم الثاني فيتعلق بالاختبارات والفحوص، ولها انواع منها ما يتعلق بفصائل الدم، ومنها ما يتعلق بالامراض الجنسية والتناسلية، ومنها ما يتعلق بالخصوبة والانجاب، ومنها ما يتعلق بالامراض العامة التي تصيب الجسم وتصنف الى نوعين حادة ومزمنة، ومنها ما يتعلق بالحالات المعدية، وربما يكون في الاجراءات المزيد حسب الهدف المتوخى وحسب الحالة الصحية للامة.

بالنسبة للقرار: على وجه التحديد فانه يعتبر نقطة الانطلاق والبداية للتشجيع على الفحص الطبي قبل الزواج من خلال حملات التوعية الصحية، ومن خلال تجهيز المختبرات وتأهيلها وتوفير الاجهزة والتدريب عليها في جميع مناطق المملكة لتسهيل عمليات اجراء الفحوص المخبرية للامراض التي ترى وزارة الصحة ضرورة الفحص عنها بما في ذلك بطبيعة الحال الامراض المعدية والامراض الوراثية.

القرار لا يحمل صفة الالزام ولكنه يحث من يرغب في اجراء ذلك وكذلك فانه قد اوضح ضرورة توخي السرية التامة في توثيق المعلومات وحفظها وتداولها، كما انه اوصى بالتنسيق مع وزارة العدل من اجل قيام مأذوني الانكحة بايضاح فوائد الفحص الطبي قبل الزواج.

الفوائد

@ هل تعتقد ان مقدمي الخدمة الطبية سوف يستغلون القرار لجني الارباح؟

ـ كل شيء وارد فانت تتحدث عن المئات من مقدمي الخدمات الصحية، ولكن ما عرفناه في هذا البلد ان الامر مختلف، وان الخدمات الصحية تهدف لصحة الانسان قبل كل شيء وان ضعاف النفوس قلة ولكن بطبيعة الحال هذا لا يمنع من ضرورة وجود ضوابط للامر ومتابعة كي نحصل على الثمار بدون اي اشواك.

@ لماذا اتى القرار بهذا الوقت رغم ان الزواج موجود منذ خلق الله تعالى آدم عليه السلام؟

ـ الحياة تتطور ومعطياتها في تجدد على الدوام وكل يوم يزيد من التعقيدات على ما سبق وبنفس الوقت التطور البشري جعل الانسان يحقق درجات من السعادة باذن الله بسبل ابسط مما سبق، وبنفس الوقت فان الله سبحانه قد علمنا مالم نعلم، وهذه العلوم يجب ان نستغلها في منع العديد من المآسي وفي الوقاية من الامراض وبنفس الوقت التأسيس لزواج رائع باذن الله.

لا يمكنني ان اقول ان الحالات الصحية والوراثية موجودة منذ القديم، ولكن ما يكتشف منها وما يعرف سببه في تزايد مستمر والحلول كذلك صارت متاحة وبنفس الوقت فان الامراض الجنسية والجسدية وغيرها العديد من الحالات التي ذكرناها في البداية صار لها حلول علمية وموضوعية بمجرد تشخيصها لكل هذا صار من الضروري الاقدام على الفحص وصار لزاما ايجاد قرار يشجع عليه.

الوراثة

@ القرار يجرنا بشكل او بآخر للحديث عن الوراثة، وخصوصا ان هناك بعض الغموض في اذهاننا حولها فهل من توضيح؟

ـ لابد لي من ان اوضح بعض الاساسيات في علم الوراثة كي نتمكن من البناء عليها فالمكونات الاساسية للانسان تعتبر الخلايا وهي تعد بمئات المليارات، وكل خلية عبارة عن كينونه خاصة وكأنها دولة لها حدودها ومجال تأثيرها، ولها عاصمتها، وهي النواة التي تحتوي على مادة جوهرية تتوزع على (23) وزارة لكل منها شقان، والمجموقع (46) شق هي الصبغيات وهذه الصبغيات هي مواد توجد داخل النواة، ويتألف كل صبغي (Chromosme) من حبل طويل وبغاية الدقة، يلتف على نفسه طيات عديدة جدا بحيث يصبح مجهري الابعاد هذا الخيط يتكون من مجموعة هائلة من الموروثات (Genes) التي يقدر عددها عند الانسان بـ (30 الف) مورثة تقريبا.

اما الموروثات فهي مواقع تصطف على طول الحبل الصبغي وكأنها حبات المسبحة، وكل واحدة منها مسئولة عن عمل او انتاج شيء في البدن، وتتكون كل مورثة من جزئيات دقيقة تسمى القواعد يتراوح عددها في كل مورثة من بضعة مئات الى اكثر من (2) مليون وتمثل المورثات المخزون الوراثي للانسان، لكل مورثة (10 ـ 20) وظيفة مختلفة حسب النسيج الذي توجد فيه والظروف التي تحيط بها، وكل صبغين يداولان امورهما بينهما ويصدران القرار الوراثي الذي يكون اما صائبا وهو الغالب واما خاطئا وهذا القرار ينتقل لخارج النواة حيث يتم العمل على تنفيذه ضمن الخلية وتظهر اثاره على البدن.

@ وماذا عن الاضطرابات الصبغية والامراض الوراثية؟

ـ كما ذكرنا هناك (46) صبغيا فان زادت او نقصت او تضررت بنيتها ادى ذلك لاختلال التوازن الصبغي وبالتالي حصول خلل يصيب عموم البدن، اما الامراض الوراثية فهي امراض لها علاقة بشكل او بآخر بالمورثات التي تقبع في الصبغيات.

تنتقل الوراثة بين الاجيال بحيث ان نصف الصبغيات يأتي من الاب والنصف الآخر من الام، وهي تحمل الصفات الوراثية من الاب والام للأبناء والاحفاد سواء كانت هذه الصفات طبيعية كالطول ولون الجلد والشعر او كانت مرضية تؤدي لحدوث امراض معينة.

لقد تبين وجود اضطراب صبغي في (50 ـ 60%) من الاجهاضات العفوية الباكرة، وقسم آخر يفقد في مراحل الحمل المتوسطة والاخيرة وبذلك فان (90%) من هؤلاء المشوهين لا يتجاوز مرحلة الحمل، اما الذين يولدون احياء فان الكثير منهم يموت في الطفولة، والكثير من الباقين على قيد الحياة لا ينجب حيث ان (50%) من حالات غياب الطمث "الدورة الشهرية" البدئي تترافق بهذه الاضطرابات كما ان (10%) من الذكور المصابين بالعقم يكون سبب ذلك هذه الافات، وكذلك فان (20%) من حالات التأخر العقلي تتبع هذه الامراض وكل ماسبق يحد من توارث هذه الامراض ـ والحمد لله ـ.

وبالنسبة لنسب انتشار الامراض الوراثية فان لكل مرض خصوصيته ونسبته التي تختلف عن غيره، وبالتالي هناك الشائع، وهناك النادر كما ان هناك مابين ذلك، الامراض الصبغية تصل نسبتها بين البشر 1:150 اما الامراض الوراثية فهي اكثر من ذلك بكثير، فالاكزيما والصداف تصل نسبة حودثها الى (1 ـ 3/1000)، واندر من ذلك داء يدعى بيلة الهوموسيستين (1:200000) وهناك الاندر الذي لم يسجل منه الا حالات قلائل في الادب الطبي.

المرض

@ مامعنى ان يحمل الانسان صفة المرض؟

ـ يكون لدى الانسان مورثة مرض ما واحدة مقهورة تغلبها المورثة السليمة المقابلة لها، وبالتالي لا يظهر المرض مع وجود مورثته.

@ هل من ايضاح حول انماط الوراثة؟

ـ هناك (44) صبغيا جسميا وصبغيان جنسيان في كل خلية، والوراثة قد تتعلق بالصبغيات الجسمية كما قد تكون تابعة للصبغي الجنسي كما انها قد تكون من النوع المقهور الصاغر او القاهر المسيطر كما ان هناك الوراثة متعددة العوامل وهناك وراثات اخرى اقل شيوعا فالوراثة المقهورة الجسمية هي الوراثة التي تكون فيها مورثة المرض موجودة على صبغي جسمي ومغلوبة على امرها، فلا تستطيع ان تعبر عن نفسها الا عندما توجد مورثة مماثلة مقابلة لها تشد ازرها بها فيتفقان على امر اظهار المرض، لذا وجب ان يرث الانسان صفة منها من ابيه واخرى من امه حتى يكون مؤهلا للاصابة ـ لا سمح الله ـ وهي شائعة حقا فمثلا تصل نسبة مرضين من امراض تكسر الكريات هما التلاسيمية والداء المنجلي الى (20) من اصل كل (1000) ولادة حية في بعض التجمعات البشرية اما الوراثة القاهرة الجسمية فهي الوراثة التي تكون فيها المورثة موجودة على صبغي جسمي وهي تغلب غيرها، فان وجد مورثة مرض كهذه فان الاحتمال كبير لحدوث المرض وان الامراض التي تتبع هذه الوراثة شائعة، لا بل انها اكثر من امراض الوراثة السابقة في بعض المجتمعات كبريطانيا ومن امثلتها سرطان الثدي الوراثي.

جدير بالذكر ان عدد السمات الوراثية القاهرة والمقهورة قد وصل الى 12.389 سمة منذ وقت قريب.

اما الوراثة المرتبطة بالجنس ففيها تكون المورثة على الصبغي الجنسي (x) او (y) ومن امثلتها داء الناعور الذي يؤدي لحدوث النزوف وداء عمى الالوان اما الوراثة متعددة العوامل ففيها يكون المرض نتيجة تفاعل مورثة شاذة او اكثر مع عوامل بيئية وتتكرر الصفة المرضية بنسبة (2 ـ 10%) بين اقارب الدرجة الاولى مثلا اذا ولد طفل بشفة وحنك مشقوقين فان المولود الذي سيليه يحمل احتمال (4%) للاصابة.

@ نسمع كثيرا عن الطفرات الوراثية فما هي؟

ـ الطفرة هي اضطراب في المورثات يؤدي لتوليد صفات مرضية تتبع احد انواع الوراثات المختلفة وبالتالي تظهر صفة غيرموجودة عند الاباء او الاجداد.

@ هل من علاقة بين البيئة والوراثة؟

ـ علاقة وثيقة، حيث لا يشترط ان تعبر الوراثة عن نفسها دائما، فهناك الكثير من الامراض التي يكون البدن مؤهلا لها، ولكن التفاعل مابين المخزون الوراثي للانسان والبيئة التي حوله بمفهومها الشامل يؤدي او لا يؤدي لظهورها، كما انه يجب ان يبقى في اذهاننا ان المرض الوراثي لا يتوقف عند حدود ما نرثه من ابوينا فهناك الطفرات المكتسبة خلال الحياة كما ذكرنا والتي تحدث اما بشكل عفوي او كنتيجة لتقدم العمر او بسبب عوامل بيئية وما اكثر تلك العوامل في عصر لوث فيه الانسان الماء والهواء وحتى الفضاء!

العائلة

@ هل يشترط وجود قصة مرض مماثل في العائلة؟

ـ عادة ما يكون المصاب هو الوحيد الذي الم به المرض من بين افراد عائلته، وسبب ذلك ان المرض الوراثي يتكرر بنسب قليلة للغاية.

@ هل كل ماهو عائلي هو وراثي؟

ـ لا، فقد يكون السبب عاملا بيئيا، وكذلك فقد يصاب اكثر من طفل بمرض متماثل في نفس العائلة، ويكون الوالدان سليمان، والقضية هنا ليست وراثية فيجب توخي الحذر قبل توجيه اصابع الاتهام للوراثة.

ً@ هل تاريخ العائلة هام في الامراض الوراثية؟

ـ نعم، فهو بالغ الاهمية لتقرير نموذج المرض الوراثي حيث يجب معرفة سجل العائلة الصحي واخذ معلومات واسعة ومفصلة من اكثر من فرد من افراد العائلة، ان وزارة الصحة في تشجيعها على الملفات الصحية تستحق اكثر من الشكر فهي تقوم بخطوة جبارة في اطار ايجاد مصدر معلومات موثق لا يقدر بثمن عند الحاجة اليه.

@ كيف يمكن تلافي المؤثرات الضارة بالجنين؟

ـ في ثلث الحمل الاول تكون المضغة طرية وانقسامها شديدا والدواء ممنوع الا للضرورة القصوى، ان الابتعاد عن مصادر العدوى واجب لتلافي الامراض ما امكن، وكذلك يجب تجنب الاشياء المؤذية من اشعة وكيماويات ورضوض، ان الثلث الثاني من الحمل تتكون اثناءه وظائف الجسم والاعضاء والحرص واجب تجاه كل ماقد يؤذي ويضر الجنين المترعر، اما في الثلث الثالث فالخطر يخف ولكنه لا يزال قائما فيجب الابتعاد عن مواطن البلاء ان كانت داء او دواء.

@ كم عدد الامراض والحالات الوراثية؟

ـ كثيرة وهي بتزايد مستمر، ونذكر ان عدد مداخل الوراثة المندلية قد وصل الى (13.346) حتى تاريخ 27/2/2002 بعد ان كان (10.000) في نهاية عام 1998، منها (12.496) مدخل وراثة جسدية و(750) مدخل وراثة مرتبطة بالصبغي (x) و (40) مدخل وراثة مرتبطة بالصبغي (y) و(59) مدخل وراثة ميتوكوندرية جدير بالذكر ان هناك ايضا العديد من الوراثات متعددة العوامل وكذلك الحالات الصبغية والمتلازمات.

المصابون

@ من يصاب بالامراض الوراثية؟

ـ قد نظن ان الاخرين فقط هم المعرضون لها، لا فكل شخص معرض لبعضها ـ لا سمح الله ـ ان تلك الامراض تنتشر في كل بقاع المعمورة، ولكن يكثر بعضها في بلاد معينة ولدى شعوب بعينها اكثر من غيرها، خصوصا التجمعات البشرية المغلقة على نفسها التي يتزوج افرادها من بعضهم حصرا، فاليهود الغربيون "الاشكناز" تكثر لديهم امراض نذكر منها داء غوشر الذي يحدث بينهم بنسبة (1:500) وفي منطقتنا يشيع حدوث عوز الـ (G6PD) والداء المنجلي والتلاسيمية وان معظم تلك الامراض لا تفرق بين ذكر او انثى، ولكن بعضها مثل تضيق عضلة مخرج المعدة يفضل الذكور اما خلع الورك الولادي فانه يحبذ الانثين وبطبيعة الحال فانه يمكن ان لا ينجو من شرها عضو او جهاز اذكر ماشئت من الرأس الى اخمص القدم وانت على صواب.

@ هل لها علاقة بالسرطانات؟

ـ نعم، فبعضها يرتبط بالسرطانات بأوطد العلاقات ترتبط السرطانات عموما باضطراب مورثي "جيني" ولكن لحسن الحظ ان غالبيتها لا تورث ـ والحمد لله ـ ويظهر السرطان او حتى الورم الحميد فقط عندما تفشل اليه الضبط المورثي في كبح جماح النمو الشاذ للخلايا، فهناك المورثة التي تولد السرطان ويمكن تشبيهها بدواسة البنزين في السيارة، وهناك المورثة التي تثبط حدوث الورم وهي كالفرامل، وفي المادة الصبغية لانسان يوجد (50) واحدة من كل نوع وهم بحالة توازن دقيق، وعند اختلال التوازن يحدث السرطان بمعنى فقدان بعض الفرامل او زيادة عمل بعض الدواسات او وراثة فرامل خاطئة معيبة ويجب ان لا ننسى دور الاشعة والفيروسات وغيرها في احداث خلل او اضطراب في الصبغيات.

وكثيرة هي الامثلة ونذكر منها احد انواع فقر الدم الوراثية المسمى بفانكوني وداء جفاف الجلد المصطبغ. في بعض السرطانات مثل الريتينو بلاستوما الذي يصيب العين تشكل الحالات العائلية نسبة (40%) من مجمل حالاته حتى ان الاصابة قد تحدث عند الجنين في بطن امه، كما لوحظ ان سرطان الرئة يحدث لدى بعض العائلات بنسبة عالية جدا وكذلك هناك حالات عديدة لا تشكل فيها النسب العائلية الا اعدادا قليلة او ربما لا تكون للوراثة علاقة بها واذا تم كشف مرض وراثي او سرطان وراثي في عائلة ما فانه يجب تدبير حالة الشخص المصاب، وكذلك فحص باقي افراد العائلة وعلى سبيل المثال اذكر ان اي طفل لديه ورم ساركومي في انسجة جسمة الرخوة يجب ان نعلم امه كيف تفحص ثدييها بنفسها وذلك كوسيلة مبكرة للكشف عن اي كتلة في الثدي.

@ يكثر الحديث عن تكسر الكريات وامراض الدم الوراثية، فهل من ايضاحات؟

ـ تعتبر التلاسيمية اشيع مرض من امراض المورثات البشرية وهي مرض وراثي من مظاهره فقد الدم الانحلالي وضخامة الكبد والطحال، بالاضافة الى ملامح وجه خاصة وله حوالي (200) طفرة معروفة ويكثر حول البحر المتوسط وفي افريقيا والشرق الاوسط وشبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا، ونحن نقع ضمن نطاق انتشاره، اما داء فقر الدم المسمى بالمنجلي او اعتلال الخضاب المنجلي (Sickle Cell Anemia) فمن مظاهره فقد الدم الانحلالي والالام والانتباج في اليدين والقدمين والاطراف والالام في الرأس والصدر والبطن والظهر ويتفشى هذا الداء في بقاع كثيرة من افريقيا وحول البحر المتوسط والشرق الاوسط والهند وتركيا، اما عوز (G6PD) فهو من الامراض الشائعة ويؤدي لحدوث فقر دم انحلالي بعد تناول بعض الاغذية كالفول او بعد اخذ بعض الادوية وغير ذلك من الاسباب المظهرة للداء، ويعتبر من الامراض الوراثية، لقد تبين ان نسبة تواجد احد انواع مورثاته في حوض البحر المتوسط والشرق الاوسط وافريقيا والعروق الشرقية تصل لـ (5 ـ 40%).

@ وماذا حول الاستشارة الوراثية؟

ـ هي قيام الاهل بطلب الاستشارة من الطبيب حول مرض وراثي فيقوم الطبيب بعد التأكد من تشخيص المرض بدراسة ممحصة للمرض في العائلة ويناقش الامر مع الاهل بشكل مفصل.

ان الاستشارة قد تنفع ـ باذن الله ـ في تشخيص المرض قبل الولادة وكذلك قد تجرى بعد ولاده طفل مصاب ـ لا سمح الله ـ انها تسمح بالحصول على معلومات وراثية ايضا قد تسمح بتحديد مدى الخطر على الطفل او اخوته في المستقبل كما انها قد تكون بمثابة دراسة تطمينيه من دون وجود مرض وبالنسبة لدور الاهل في الاستشارة فدورهم كبير حيث ان الوالدين طرف اساسي في النقاش وان كان الطفل المصاب كبيرا يجب ان يناقش ايضا ان افراد العائلة قد يكون بذهنهم بعض التفاسير التي قد يحصلون عليها من مصادر عديدة وقد تكون هذه المعلومات صحيحة كا انها تحتمل الخطأ، ويجب توضيح ذلك.

لقد اصبح من الممكن كشف من يحملون وراثة بعض الامراض من دون ان يظهر المرض عليهم في احيان كثيرة وذلك بمساعدة التقدم العلمي ـ والحمد لله ـ واحتمالات الخطأ قليلة جدا ـ بفضل الله ـ.

اعود وأؤكد ان الاستشارة الطبية ليست من الترف الطبي بل على العكس قد تصبح واجبا احيانا انها ليست عيبا وليست فضولا او عبثا فقد تكمن فيها سبل الوقاية وقد تنير طريق العلاج ـ باذن الله ـ كما انه قد اصبح ممكنا كشف بعض الامراض والجنين لا يزال في بطن امه ومن هذه الادواء اعتلالات خضاب الدم كما ان العلاج داخل الرحم قد اصبح ممكنا لبعضها.

الاقارب

@ ماذا حول زواج الاقارب، ونحن نعرف اهتمامكم بالموضوع؟

ـ المقصود به ان ابن العم يتزوج من ابنة عمه او ابنة خاله او ابنة خالتة او ابنة عمته او من عشيرته الاقربين.

ويعتبر زواج الاقارب شائعا في البلدان والمجتمعات العربية والاسلامية وبالطبع لا توجد دراسات شاملة تغطي كل السكان ولكن هناك دراسات دقيقة يؤخذ بها وتمثل شرائح واسعة من المجتمع ففي دراسة سعودية تبين ان زواج الاقارب يشكل 51 ـ 57% من حالات الزواج اما في سورية فان دراستي الخاصة التي قمت بها في محافظة حماة اشارت الى ان زواج الاقارب يشكل 24.3% من حالات الزواج وفي شمال الاردن وصلت النسبة الى مايقارب 64% اما في تركيا فالنسبة كانت 23% وفي لبنان 25% ومصر 29% والسودان 63% وفي بعض الدراسات الباكستانية وصلت حتى 76% بالمقارنة مع 1 بالالف في النرويج

3 ـ 4% في اليابان و9% في البرازيل.

@ هل يقف العلم مع زواج الاقارب؟

ان الوراثة وقوانينها واحكامها تشير الى ان مورثة مرض معين توجد بنسبة اكبر لدى نفس العائلة ولذلك يكبر احتمال المرض حين التزاوج بين الاقارب بحيث تكثر امكانية اجتماع مورثة ذلك المرض من الاب مع مورثة مماثلة من الام وتكون النتيجة ظهور المرض ـ لا سمح الله ـ وخصوصا اذا علمنا ان اكثر الامراض الوراثية تتبع الوراثة المقهورة او متعددة العوامل، ولذلك يزداد خطر وجود امراض معينة لدى الذرية في بعض حالات زواج الاقارب وتزداد نسبة الخطر اكثر بازدياد درجة القرابة اما عن مقدار هذه الخطورة فان الامرلا يتعلق بزيادة طفيفة بل اضعاف عديدة ففي الامراض التي تنتقل بالوراثة المقهورة تبين احصائيا ان زواج اقارب الدرجة الاولى يزيد من معدل الخطورة بنسبة (30 بالالف) فوق النسبة المعتادة للناس بمعنى انه اذا كانت هناك حالة نسبة حدوثها واحد بالالف تصبح هذه النسبة (31 بالالف) وفي الامراض التي تنتقل بالوراثة المتعددة العوامل تتضاعف النسبة عشرات المرات.

وعلى صعيد الواقع اذكر لك مثالين احدهما يتعلق بفقر الدم المنجلي او تكسر الكريات كما يحلو للبعض ان يدعوه فهناك عائلات بأكملها يتفشى فيها هذا الداء والمثال الثاني يتعلق بامراض وراثية نادرة الحدوث ولكننا نصادفها بين حين واخر وعندما تحصل فانها تعني كوارث حقيقة في العائلة حيث يتكرر حدوث وفيات الاطفال ومرضهم وهذا يعني الكثير من التعب والارهاق. يحضرني الان قول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لال السائب الذين كانوا يتزاوجون من بعضهم "قد اضويتم فانكحوا في الغرائب" والضوى هو الهزال والنحول ونحن نعرف الان ان الكثير من الامراض الوراثية التي تنجم عن زواج الاقارب تؤدي فعلا (الضوى) واتقاء لهذه الحالة يجدر الزواج من البعيدة في تلك الحالات حقا لقد قدم ابن الخطاب رضي الله عنه استشارة طبية وراثية فطرية رائعة في ذلك الزمان وجاء العلم الحديث فأكد صحتها كما يطيب لي ان اذكر قولا جميلا يذكره العرب "اغتربوا لا تضووا، فان القرائب يضوين البنين"."والغريبة أشهى، وولدها أنجب".

@ هل زواج الاقارب غير مرغوب فيه دوما؟

ـ لا فالامر تحكمة رغبة النفس التي يجب ان يضبطها الدين وعوامل عديدة نرجو الله تعالى ان تكمل بعضها باتجاه زواج يعني السعادة واكثر ان الزواج من القريبة او القريب اذا كان يحمل في طياته احتمال المرض فالاولى ان نغض النظر عنه وكذلك ان الزواج من الغريبة يحمل بين جنباته بعض الكوارث سواء بالنسبة للزواج بحد ذاته او بالنسبة للعلاقات الاجتماعية والذرية فانه يجب البعد عنه.

ان القريبة هي من الحلال الذي قد ترسو عند شاطئة سفينة الزواج وهناك حالات زواج بين الاقارب كثيرة ورائعة تغمرها السعادة وترفرف عليها اجنحة المودة والالفة، ولكن يجب ان لا يصبح السعي نحو القريبة هما وقضية ويجب ان تؤخذ الامور ببساطة وتسامح ان كل انسان هو حالة خاصة والقضية ترتبط بالظروف المحيط بها ولا يمكن اطلاقها قاعدة عامة، ولعل تطبيق الاستخارة كما علمنا اياها رسول الله صلى الله عيه وسلم هو حجر الزاوية في هذا المجال.

المصير

@ هل يعني المرض الوراثي مصيرا اسود؟

ـ بالطبع لا، فتشخيص المرض الوراثي لا يعني ان الامور قد اصبحت صعبة جدا انها قضية حساسة حقا ولكن العلم والطب قدما الكثير.

@ ماهو الجديد في اساليب الوقاية او العلاج للامراض الوراثية؟

ـ جديد الطب وقديمه في هذا المجال هو الوقاية اولا وثانيا وثالثا الوقاية بمفهومها الشامل بمعنى الوقاية من حدوث المرض واذا حدث الوقاية من تأثيراته واختلاطاته وعقابيله واذا حدثت تلك التأثيرات التخفيف منها ما امكن ومنعها من احداث تأثيرات ثانوية اخرى اشد ويجب ان تكون نظرتنا للامراض الوراثية مثلما هي لباقي الامراض فالداء الوراثي رغم ان له طبيعة خاصة الا انه يشبه باقي الامراض من حيث وجود آليه سببية وطرق للوقاية منه ووسائل تساعدنا على الحد من خطره وكذلك تدبيره.

تعتمد هذه الوقاية على الحد من زواج الاقارب في بعض الحالات وعلى الاستشارة الوراثية قبل الزواج والفحص الطبي الذي نحن بصدد الحديث عنه وتنظيم البطاقة الصحية للمتزوجين ووسائل التشخيص المبكر الحديثة وكشف حملة الامراض الوراثية كل ذلك يعتبر اعمالا هامة طيبة في هذا المجال وتعتبر الوقاية من الامراض الوراثية هما مشتركا يتقاسمه الفرد والاسرة والمجتمع والدولة وكثيرة هي البلدان التي جعلت من بعض الامراض الوراثية قضية وطنية واستطاعت حل العديد من المشاكل الناجمة عن تلك الامراض فالولايات المتحدة فخورة بانخفاض حالات داء (تاي ساكس) الى العشر وسردينيا اعلنت ان نسبة مرض البيتاتلاسيمية قد انخفضت للعشر ايضا لديها اما بالنسبة للعلاج فرغم صعوبته فانه ممكن في احيان كثيرة العلاج ليس واحدا بل يختلف بتنوع هذه الامراض التي تعد بالالاف والتدبير يختلف ايضا باختلاف المريض رغم تشابه المرض فلكل مريض حالته الخاصة وظروفه الصحية التي تختلف عن غيره فهناك الحمية الخاصة المناسبة، وهي علاج لامراض خطيرة كالامراض الاستقلابية وقد ينفع الدواء في بعض الامراض وقد يلزم الدواء النوعي وبسرعة عند تعرض ضعاف المناعة للانتانات "الاخماج" ان الادوية العصبية ومضادات الاختلاج كثيرا ما نحاجها وهناك ادوية تكافح اعراض المرض ليس الا ولكنها تقدم الكثير من الراحة للمريض.

وقد يراجع المريض بحالة اسعافية ويتطلب علاجه اعطاء السوائل الوريدية وكذلك ادوية معينة وغير ذلك. وقد يلزم نقل الدم في احيان كثيرة كما في حالات امراض انحلال الدم يلزمنا ذلك. اما الجراحة فان لها دورها في اصلاح ما يمكن اصلاحه من تشوهات وكذلك لا ننسى التقدم الهائل في طب زراعة الاعضاء وهناك المعالجات الفيزيائية والاجهزة الحديثة الالكترونية والوسائل التعويضية والهندسة الجزيئية وغير ذلك كثير.

كما ان هناك علاجات داخل الرحم، وهذا ما نسأل عنه كثيرا وبالتأكيد فان بعض امراض الدم الوراثية يمكن ان تؤثر على الجنين داخل الرحم، وبفضل الله تعالى فان التقنيات الحديثة قد مكنت من تقديم الكثير من وسائل العلاج داخل الرحم وقد تحققت نتائج ايجابيه باهرة وبالطبع يلزم المتابعة بعد ذلك واثناء الولادة وبعدها.

العلم الحديث

@ وماذا عن ثورة العصر الوراثية؟

ـ اننا نتوقع الكثير الكثير من مشروع الموروث "الجينوم" البشري بالنسبة للامراض والحالات الوراثية وذلك على صعيد التشخيص والوقاية والمعالجة وان شاء الله سنتمكن بوساطة نتائجة من اعادة البسمة للكثير من الشفاه.

وتعقد الكثير من الامال المبررة على هذا المشروع سواء على صعيد الوقاية او المعالجة ويبدو ان الثمار الاولى لهذا المشروع تبشر بخير كبير باذن الله وخصوصا على صعيد الطب الجزئي وكذلك على مستوى وسائل التشخيص والكشف المبكر وايجاد ادوية هدفيه فائقة الدقة وكذلك المعالجة المورثية والوراثيات الدوائية ونعترف ان الامر لا يزال في اطار البحث والتحليل ويحتاج لفترة ندعو الله الا تطول كي يكون في موضع التطبيق.

@ ماهي الاتجاهات العصرية في مكافحة الامراض الوراثية؟

ـ لقد اصبحت الميول الطبية حاليا باتجاه ايجاد مراكز تؤدي خدمات متكاملة من التشخيص الى العلاج الى اعطاء طرق الوقاية والاستشارات الوراثية ودراسة القضية من ابعادها المختلفة الصحية والاجتماعية والله ولي التوفيق.

وفي هذا السياق نؤكد على تثقيف المريض وعائلته فالمريض ينبغي ان يعطى هو واهله معلومات كافية ووافيه حول المريض بما في ذلك سيرة ومعالجته وتطوراته وماقد ينجم عنه ويكون ذلك على مراحل ان المناقشات الواقعية المفتوحة تخفف الكثير من القلق ان لم نقل تزيله وهنا نعود ونؤكد على دور الاستشارة الوراثية وكذلك على ضرورة اعداد المريض للتطورات والتغيرات التي قد تحصل، وكذلك على تشجيع عملية تطبيق الفعاليات والاندماج في المجتمع وتشجيع الاهتمامات وتطوير وتنمية المهارات والمواهب.

ان المراكز المتخصصة التي تقدم كل مايلزم من تشخيص وعلاج ووقاية وتوعية صحية هي الحل الامثل لقضية امراض الدم الوراثية لا سيما وان الطب الحديث قد قدم الكثير من العلاجات الناجحة والحمد لله ويشارك في انجاح مهمة هذه المراكز الافراد والمجتمع والامة ككل وذلك ضمن اطار ديننا الحنيف والتكافل الاجتماعي والاسري وصلة الرحم والرابطة القوية بين ابناء المجتمع حيث ان المشكلة لها ابعاد عديدة والبعد الاجتماعي لا يقل اهمية عن البعد الصحي. ان العوائل التي قد يظهر ما يقلقها من وفيات اجنة وامراض مزمنة متشابهة لابد لها من الدراسة الوراثية، وهذه الاسر ذات الخطورة يجب ان يكون لها سجلات طبية في مراكز مؤهله للتدبير والمتابعة، والله ولي التوفيق.


أغسطس 13, 2002, 3 ص