حسب تقرير نشر في جريدة عكاظ (3 ربيع الآخر 1424)، يخضع اكثر من 26 ألف محل تجاري في مكة المكرمة لسيطرة العمالة الوافدة، وهي سيطرة تحدث على طول محورين أفقي وعامودي. المحور الأفقي يعني السيطرة العددية (الكمية)، اما العامودي فيشير الى الملكية والادارة حيث تدل المعلومات كما ورد في التقرير على ان اكثر من نصف المحال التجارية في مكة يملكها وافدون.
عندما يشار الى سيطرة العمالة الوافدة على المحال التجارية سواء في مكة المكرمة او في الرياض او في الدمام، فالاشارة تكون الى أعمال لا تتطلب مؤهلات علمية عالية او خبرات مهنية نادرة غير متوافرة لدى السعوديين، اي ذلك النوع من الاعمال الذي يبرر هيمنة الوافدين عليه باستحضار وتكرار مقولة الحق التي يراد بها باطل في غالب الاحيان وتتردد على ألسنة اقطاب القطاع الخاص او ذلك النوع من المسؤولين الذين يبدو انهم يعتقدون بأن مهمتهم ليست الا البحث عن تخريجات وتبريرات لما يحدث في الوطن من اخفاقات. اقصد بتلك المقولة ما نسمعه عن ان مخرجات التعليم لا تتواءم مع متطلبات سوق العمل ويشمل ذلك غيرها من مقولات مختلفة في الظاهر ومتشابهة في الجوهر، والهدف من ترديدها واحد.
السيطرة بنوعيها الأفقي والعامودي ليست كل ما يحدث في مكة أو غيرها من المدن، اذ يحدث الى جانبها بطريقة تعري سعي القطاع الخاص للتحايل في مسألة السعودة ظاهرة تحويل السعوديين العاملين في المحلات التجارية الى (فيشات)، الى ما يطلق عليهم بالانجليزية (Tokens) ، والـ (توكين) كما نعرفها ونستخدمها هي القطعة المعدنية او البلاستيكية التي يحصل عليها مقابل ريال او ريالين او اكثر لتشغيل الالعاب في محال الترفيه، والمعروفة بالفيشة. ما يعني انه الى جانب السيطرة الثنائية والمزدوجة للعمالة الوافدة، تمارس ظاهرة (التوكينيزم Tokenism) ، اذ يوظف سعوديون مقابل رواتب صغيرة زهيدة ليكونوا مجرد فيشات تعرض لدقائق معدودة امام لجان متابعة السعودة.
يعود تاريخ الكلمة (Tokenism) الى ستينيات القرن العشرين (1962) حيث استخدمت في الولايات المتحدة الامريكية للاشارة الى ظاهرة توظيف السود والملونين لغرض العرض تماما مثلما يحدث بين ظهرانينا الآن، وقد استخدمها بهذا المعنى مارتن لوثر كينغ الصغير ومالكوم اكس.
السعوديون الذين قد نراهم في المحال التجارية او غيرها ليسوا في غالب الاحيان الا فيشات للعرض، سحب دخان تحجب حقيقة سيطرة العمالة الوافدة واستئثارها بالغالبية العظمى من الأعمال في القطاع الخاص من ناحية، ومن ناحية اخرى لتشير الى تعثرات السعودة والتحايلات التي تمارس لعرقلتها. فاذا كان مارتن لوثر ومالكوم اكس قد عدا (التوكينيزم) عقبة في طريق تقدم الملونين، فان الشيء نفسه يمكن ان يقال عن وجودها وممارستها في السعودية فهي بالفعل احدى العقبات التي تواجهها السعودة، السعودة التي امتلأت آذاننا بالطنطنة الاعلامية عنها، ولم نلمس وجودها على ارض الواقع، باستثناء اسواق الخضار والفواكه التي اريد ان تكون نقطة انطلاقة السعودة!! لو سلمنا جدلا ان الاسواق المذكورة تمت سعودتها مائة بالمائة وانها النموذج الذي ينبغى ان يحتذى في جهات اخرى، أليس من المحتمل ان السعوديين في تلك الاسواق ليسوا الا مجرد فيشات للعرض اثناء النهار، اما اذا ما المساء ارخى سدوله انسحبت (الفيشات) من مواقعها ليحتلها الوافدون. يقال ان (الليل مغطي الجبال)، والحقيقة ليس الليل وحده من يغطي حقيقة تعثر السعودة، (التوكينيزم) تغطيها ايضا، ومقولات الحق التي يراد بها باطل، ونبقى في انتظار حجج وعراقيل اخرى تستورد من الخارج كما استوردت (التوكينيزم).